تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المعادلة الديموقراطية الأمريكية تجاه مصر والسعودية

التغيير الديموقراطي المطلوب أمريكيا في مصر والسعودية وباقي العالم العربي مستعصي القبول!

(Keystone)

جاءت الإشارات بشأن مصر والسعودية في خطاب الرئيس جورج بوش أمام الصندوق القومي للديموقراطية مصاغة بقدر كبير من الحنكة اللغوية المثيرة للإعجاب والتساؤل.

إلا أنها أثارت عاصفة من المواقف المتباينة في كل من الرياض والقاهرة.

قبل الخوض في تفاصيل المعاني المرجحة أو الظاهرة في كلمات الرئيس جورج بوش أمام الصندوق القومي للديموقراطية، ودلالتها المستقبلية، يتطلّـب الأمر الإشارة إلى بعض الملاحظات السريعة التي من شأنها أن تُـعين على فهم المرامي الأساسية لمجمل الكلمة، ولوضع مصر والسعودية في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بشأن الانتشار الديمقراطي.

أولها، أن الخطاب في مجمله يعكس التوجه الإستراتيجي الأمريكي تجاه العالم العربي والقائم على أولوية التغيير الديمقراطي باعتباره العاصم من أن تظل هذه المجتمعات، حسب الرؤية الأمريكية، مصدرا خصبا للإرهاب الدولي الذي يُـعرّض المصالح الأمريكية العالمية للخطر الدائم والمتجدد.

وثانيها، أن الخطاب تضمّـن ما يمكن وصفه بالمصالحة مع الإسلام أو فك الخلط الذي تعمّّـد بعض أقطاب إدارة بوش التركيز عليه، وتضمّـن في مكونات منه نوعا من الإساءة البالغة والمتعمدة لهذا الدين. ومن ثم، جاءت كلمات بوش لتكشف عن قناعة إيجابية بشأن علاقة الإسلام بالديمقراطية، وإن كان من الصعب وصفها بأنها أصيلة، باعتبار أن الدين الذي يأمر بالمحاسبة الفردية الأخلاقية، ويشجع على التقاء الفرد بالخالق، هو دين منسجم تماما مع حقوق ومسؤوليات الحكم الذاتي، وكيف أن مسؤولية تدهور العالم العربي في المسار الديمقراطي نابعة من تدخلات العسكريين، ونظم ديكتاتورية، وعقائد سياسية وأيديولوجية، وليست دينية؟

والملاحظة الثالثة، أن الكلمة تضمّـنت ثلاثة أنواع من الخطابات السياسية. خطاب سياسي موجه للعالم بأسره، لاسيما الدول الكبرى فيه غير الديمقراطية، حسب الفهم الأمريكي، ومن بينها الصين. وخطاب آخر ركّـز على الإفصاح عن استراتيجية واشنطن الجديدة تجاه العالم العربي والتأكيد عليها، والثالث والأخير خطاب موجه إلى الرأي العام الأمريكي نفسه، بما فيه من تعبئة ودغدغة للمشاعر، وتحفيز على القيام بتضحيات من أجل ما يعتبر المصالح الوطنية، مع التذكير بالدور الكبير الذي تقوم به أمريكا من أجل التغيير الديمقراطي في كل من أفغانستان والعراق، ومن قبل في بقاع مختلفة من العالم كاليابان وألمانيا.

وفي كل من هذه الخطابات السياسية الثلاثة، كانت الصياغة مزيجا من المقولات النظرية والمبادئ العامة محل الاتفاق، وتقديم تحليل يربط تلقائيا بين التدهور الحاصل في أي مكان وبين غياب الديمقراطية.

ولكن الحرص كان واضحا في التأكيد على أن التحديث ليس هو التغريب أو التنميط وفق النموذج الأمريكي، وذلك في إشارة إلى حق المجتمعات في التمسك بخصائصها الذاتية، وأن أمريكا لا تتبنى نموذجا ديمقراطيا بعينه، سواء كان ملكية دستورية أو جمهوريات فدرالية أو أنظمة برلمانية، وكأن الخلاصة الجامعة أن واشنطن مع أي ديمقراطية أيا كان نوعها، وفي ذلك سحب للحجة التي طالما قالها كثيرون أن خصائص مجتمعاتهم لا تتوافق مع النمط الديمقراطي الأمريكي.

الانتشار الديمقراطي.. عربيا

هذه الرسائل الضمنية تظل ذات مذاق خاص بالنسبة للعالم العربي، الذي بدا وكأنه نقطة التركيز الأساسية في استراتيجية بوش الجديدة بشأن ما يمكن تسميته بالانتشار الديمقراطي، كمقابل موضوعي لمنع الانتشار الإرهابي وانتشار أسلحة الدمار الشامل.

ومن بين العالم العربي، تبدو كل من مصر والسعودية ذات وضع خاص. فالأولى تم تذكيرها بأن شعبها عظيم معتز بنفسه مهّـد الطريق للسلام في المنطقة، وعليه أن يمهد الطريق للديمقراطية. أما الثانية، فقد ربطت بالخطوات الأولية نحو الإصلاح السياسي التي اتخذتها الحكومة السعودية، مع التأكيد على أن هذه الحكومة يمكنها أن تبرز زعامة حقيقية في المنطقة من خلال منح الشعب السعودي دورا أكبر في المجتمع.

والملاحظ هنا أن العبارتين تتضمنان شقا إيجابيا، وآخر يدعو إلى الحيرة الظاهرية، إلا أن التعمق يفصح عن جانب سلبي بكل المقاييس. ولعل الإشارة المزدوجة في الحاجة إلى ممارسة قيادة إقليمية ما، تعني أن تلك القيادة مفقودة للبلدين معا. فبالنسبة لمصر هي قيادة الديمقراطية الغائبة في المنطقة. وبالنسبة للسعودية إبراز زعامة حقيقية.

لكن الأكثر إثارة بالنسبة لمصر، أن عبارة بوش أشارت إلى الشعب المصري العظيم كقائد غائب في المنطقة، ولم تشر إلى الحكومة المصرية، كما هو الحال بالنسبة للحالة السعودية، وهي تفرقة ذات حساسية كبرى، خاصة وأنها تعيد إلى أذهان البعض تلك التفرقة التي تعرضت لها مصر بين شعب وحكومة إبان عقد المقاطعة العربية بين 1979 و1989.

السياق العام وأسباب الغضب

هاتان الإشارتان جاءتا في سياق عام تضمن مجموعة من الإشارات الإيجابية المباشرة لتحولات وخطوات ذات طابع تعددي جرت في بلدان كالأردن والمغرب واليمن وعمان وقطر والبحرين والكويت، وكأن الرسالة في إطارها المقارن عربيا أن كلا من مصر والسعودية هما الأقل في إجراء التحولات الديمقراطية، ومن ثم فقد فقدتا عامل الريادة، وهو ما كان أحد مصادر الغضب المصري، كما عبر عنه بعض رؤساء تحرير الصحف والمجلات القومية، إذ اعتبروا أن تلك المقارنة ظالمة.

فما حدث في البلدان العربية المذكورة، لاسيما بلدان الخليج، في العامين الماضيين هو مجرد خطوات أولية، سواء في مجال الحريات أو حقوق المرأة أو تنظيم الأحزاب أو السماح بالنقابات المهنية والعمالية، أو الإطار البرلماني العام أو الفصل بين السلطات أو حرية الصحافة أو الحيوية الثقافية، وهو ما تتفوق فيه مصر كثيرا، رغم كل التحفظات التي يمكن أن تقال تجاه التجربة المصرية وحاجتها لمزيد من التطوير والإصلاح وتحسين أداء الممارسة والمشاركة الشعبية.

أما الغضب السعودي، فقد انصب على اعتبار أن دعوة الرئيس بوش تتضمن نوعا من التدخل السافر في الشؤون الداخلية للبلاد، ومن ثم، فهي دعوة مرفوضة جملة وتفصيلا.

وفى كلا البلدين، كان الغضب مقرونا بالتذكير بأن كلمة بوش لم تكن متوازنة من حيث الجوهر، إذ لم تتضمن أي كلمة عن إسرائيل وعن ممارساتها الوحشية والهمجية إزاء الفلسطينيين، الذين ذكرهم بوش في سياق سلبي للغاية مانعا عنهم حقهم الطبيعي في إزالة الاحتلال والاستيطان، مُذكرا إياهم بأنهم على وشك فقدان الحق في إقامة دولة، طالما أنهم بعيدون عن أن يكونوا محلا للرضا الأمريكي وملتزمين شروطه الديمقراطية في معاملة إسرائيل.

الرسائل.. وصلت

أفصح الغضَـبان، المصري والسعودي، عن أن رسالة بوش قد وصلت بالفعل إلى المعنيين بالأمر، وهي رسالة فهمت وفق أكثر من مستوى. أولها، بأنها جزء من الحملة على البلدين معا، أو على الأقل توافق على الحملة السياسية الصحفية التي تظهر حينا وتخبو حينا آخر تجاه البلدين، وذلك كلما ظهر أن هناك اختلافا في الرأي بشأن قضية إقليمية أو ثنائية.

كما فهمت أيضا باعتبار أن بوش وإدارته ليسوا راضين عن دور البلدين الخاص في سياسات المنطقة، لاسيما العراق ودعم الفلسطينيين ومساندة سوريا ولبنان وإدانة إسرائيل، وهو دور ليس محل توافق مع الجانب الأمريكي الذي يسيطر عليه مناصرون ومنحازون لإسرائيل دون ذرة من خجل.

وثالثا، فإن هاتين الإشارتين السلبيتين ضمنا تعنيان أن الإدارة الأمريكية قد تقدم على نوع من الضغوط المباشرة لحمل البلدين على اتخاذ خطوات معينة في المجال السياسي الداخلي، كالإسراع بزيادة مساحة الحريات والإصلاحات السياسية، والتي ستأتي على حساب الحكم في السعودية أو حسم بعض الإشكاليات الملتبسة بالنسبة لمستقبل الرئاسة في مصر.

وقد ظهرت بوادر هذا حين وافقت إحدى اللجان في الكونغرس الأمريكي على توصية بأن تخصم المعونة الأمريكية المقررة لمصر بقيمة مليوني دولار تمنحان مباشرة لمركز بن خلدون الذي يرأسه د. سعد الدين إبراهيم، الذي يُنظر إليه في الولايات المتحدة كرأس حربة لإصلاحات سياسية تتوافق مع الرؤية الأمريكية لمصر ولدورها في المنطقة.

ناهيك عن عشرات التقارير والدراسات التي تنشر في الدوريات الأمريكية ومراكز البحوث حول قضايا داخلية مصرية تحمل جميعها انتقادات قوية في مجال الحريات العامة ووضع المرأة والتطرف الفكري وتوريث السلطة المحتمل، حسب ما يدركونه من مؤشرات وإشارات.

ورابعا، أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة عربيا تقوم على إثارة الهواجس بين البلدان العربية وبعضها، واختلاق أسباب للتفرقة بين كل من مصر والسعودية، وهما الأكبر عربيا، والأكثر قدرة على التأثير في الشِأن العربي العام، وبين مجموع البلدان الأخرى، لاسيما صغيرة الحجم التي أصبحت الآن محل استقطاب حاد من واشنطن، فضلا عما يعينه ذلك من إعادة ترتيب المكانة الإقليمية في المنطقة بما يتناسب مع المصالح الأمريكية، وليس حقائق الواقع العربي إجمالا.

وأيا كانت الرسائل التي حملتها كلمة بوش، والطريقة التي فهم بها المصريون والسعوديون رسائلها الظاهرة والباطنة، فمن الواضح أن ثمة استراتيجية سياسية إعلامية ذات طابع هجومي قح باتت تمثل المقاربة التي يمكن من خلالها فهم التطورات المقبلة في علاقة كل من مصر والسعودية مع واشنطن.

وإذا كان هناك من خيار يمكن به مواجهة الضغوط المنتظرة، فلا أقل من بناء نموذج للمشاركة وضمان الحريات، وتداول السلطة والشفافية المطلقة، يحقق التماسك الداخلي من جانب، ويُفشل ضغوط واشنطن من جانب آخر، وغير ذلك، يصبح الأمر أكثر تعقيدا وصعوبة وتوترا، ليس فقط في الرياض والقاهرة، بل أيضا في معظم العواصم العربية.

د. حسن أبو طالب - القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×