Navigation

المغرب: عام الملفات القديمة

كان الإفراج عن آخر الأسرى المغاربة لدى جبهة بوليزاريو بلا شك من أجمل المشاهد التي عاشها المغرب في عام 2005 (الصورة التقطت يوم 18 أغسطس 2005 في مطار أغادير جنوب المغرب) swissinfo.ch

حكمت مغرب 2005 ملفات قديمة، بعضها مفتوح منذ عقود أضيفت له أوراق جديدة، وبعضها الآخر يحكم المغرب مغلقا، وفُتح في 2005 لتقرأ أوراقه وتضاف له أوراق أخرى، لكن على أمل طي صفحاته وإغلاقه.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 يناير 2006 - 13:01 يوليو,

وكأي دولة لها ملفات مترابطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، تصعب قراءة منعزلة لأوراق أي ملف عن أوراق ملف آخر.

ما بين قضية الصحراء الغربية وتطوراتها وانعكاساتها الداخلية والإقليمية والديمقراطية، وجديدها وتشعباتها، والأزمة الاقتصادية الاجتماعية بتفرعاتها وتعقيداتها، مرت أيام وأسابيع وشهور العام، دون أن يتحدد مصير أي منها خلال السنوات القادمة، المنظورة على الأقل.

فكلها ملفات تراوح مكانها أو تتقدم ببطء. وإن تقدمت بسرعة، فإن بعضا من الحاضر يشدها للوراء ولا يسمح لها بالانطلاق نحو ما يشتهى لها أو ما يرغب بمصيرها.

النزاع المزمن

نزاع الصحراء الغربية، المتحكم بالعلاقات الجزائرية المغربية وبالتالي في منطقة المغرب العربي، والمُتسبب في إفشال قمة موعودة لقادة اتحاد المغرب العربي (التي كان مقررا عقدها في طرابلس ليبيا في مايو)، هو ملف أضاف له المغرب ورقة جديدة بإعلانه رسميا، ولأول مرة منذ اندلاع النزاع منتصف سبعينات القرن الماضي، عن استعداده لمنح الصحراويين حكما ذاتيا تتمتع هيئاته المسيرة بصلاحيات وسلطات واسعة تحت السيادة المغربية. كما أعلنت الرباط أنها ستفتح نقاشا مع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني المغربية وشيوخ وأعيان القبائل الصحراوية لصياغة هذا المقترح وتقديمه للمجتمع الدولي.

الاقتراح الذي جاء على لسان العاهل المغربي الملك محمد السادس في نوفمبر، يتم تداوله في الكواليس أو المباحثات غير الرسمية أو يـُعبر عنه في جمل تحتمل تأويلات مختلفة.

فبعد أن وجدت الأمم المتحدة وأطراف النزاع الصحراوي أن إجراء استفتاء للصحراويين يقررون من خلاله مصيرهم في دولة مستقلة أو الاندماج بالمغرب، بدأ المغرب منذ نهاية 1999 يتحدث عن حل متفاوض عليه ومتوافق عليه بين أطراف النزاع، ويشترط سيادة على المنطقة المتنازع عليها أساسا لهذا الحل.

جبهة البوليزاريو، مدعومة من الجزائر، تضع الدولة الصحراوية المستقلة نصب عينيها وتستند إلى قرارات لمجلس الأمن الدولي يعطي الصحراويين حق تقرير المصير. لذا رفضت الاقتراح المغربي واعتبرته التفافا على قرارات الشرعية الدولية. ووجدت في تجديد أطراف إقليمية مثل إسبانيا تأييدها للاستفتاء والحل في إطار الأمم المتحدة، بعد أن تضبب هذا الموقف على مدى شهور، فرصة لهجوم دبلوماسي مضاد، أبقى الاقتراح المغربي خارج إطار النقاش أو البحث أو التفاوض.

كان المغرب وجبهة البوليزاريو يخوضان حربهما الدبلوماسية والإعلامية في عواصم العالم، وكانت المدن الصحراوية ومدن مغربية أخرى تعرف نشاطات لأنصار جبهة البوليزاريو، ترفع أعلامها وتردد شعارات مؤيدة لها ومنددة بالسلطات المغربية.

وعرفت بعض هذه النشاطات مواجهات عنيفة أسفرت عن جرحى واعتقالات ومحاكمات أبرزها الصحراويون لينددوا بما يصفوه انتهاكات المغرب لحقوق الإنسان الصحراوي، والمغرب يقدم نفسه للعالم نموذجا عربيا ايجابيا في تصفية ماضيه، الممتد من 1955 إلى 1999، من مآسي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ليقلصوا من إشعاع وايجابية ما أنجز في هذا الميدان.

تجربة رائدة رغم النقائص

العام الماضي اختتم مغربيا على جلسات الاستماع لضحايا حقوق الإنسان تنقل على شاشة التلفزيون وأثير الإذاعة الرسميين، كحلقة من مسلسل قراءة أوراق ملف الانتهاكات الذي كلفت به "هيئة الإنصاف والمصالحة" التي أحدثها العاهل المغربي الملك محمد السادس بداية 2004. ولتضع المغرب على إيقاع هذا المسلسل منذ بداية العام حتى نهايته بتقريرها الذي قدمته للقصر الملكي نهاية نوفمبر الماضي.

طبعت هيئة الإنصاف والمصالحة بعملها الجبار مغرب 2005، وكانت ما بين جلسات الاستماع وتلقي طلبات المتضررين من الانتهاكات الجسيمة وقرارات جبر الضرر المادي والمعنوي وفتح المعتقلات السابقة والبحث عن مقابر مجهولي المصير والعثور عليها وتوصيات لطي صفحة الماضي وضمانات بعدم تكرار الانتهاكات والمصالحة تأسيسا لدولة الحق والقانون.

وإن كان العام عرف انتهاكات لحقوق الإنسان تثير مخاوف أوساط عديدة، إن كان في استمرار حالات الاختطاف والاعتقال التعسفي أو الأحكام القاسية في إطار قانون الإرهاب أو متابعات الصحف والصحافيين وتقديمهم للمحاكمة والحكم عليهم، ومع الصحافيين كانت الناشطة الأصولية نادية ياسين كريمة الشيخ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان الأصولية المتشددة بعد تصريحها الصحفي بعدم صلاحية النظام الملكي للمغرب، وتفضيلها النظام الجمهوري.

وأضيف لكل ذلك ما تردد عن المغرب كمحطة لطائرات المخابرات المركزية الأمريكية الحاملة لمعتقلي تنظيم القاعدة أو تحويل أعضاء هذا التنظيم إلى السجون المغربية للتحقيق وإبقائهم قيد الاعتقال.

لكن تبقى هيئة الإنصاف والمصالحة، لدولة من دول العالم الثالث، تجربة رائدة ونموذجا متميزا لدولة عربية وإسلامية عبر عن جرأة الدولة والفاعلين السياسيين والثقة بالنفس والإيمان بالتسامح والمصالحة بعد الإنصاف. ولم تكن مصادفة أن يكون رئيسها إدريس بن زكري، رجل العام في الاستطلاع الذي أجرته أسبوعية مغربية شارك فيه مائة شخصية وفاعل سياسي وحزبي وثقافي وحقوقي.

المهاجرون الأفارقة

نقطة سوداء طبعت صفحة المغرب في ميدان حقوق الإنسان والديمقراطية، كادت أن تبدد بياضها وتظلل ما أنجزته هيئة الإنصاف والمصالحة، بطلقات الرصاص التي وجهت للمهاجرين الأفارقة من دول جنوب الصحراء أثناء محاولاتهم في أكتوبر اقتحام الأسوار الفاصلة بين المغرب ومدينتي سبتة ومليلية اللتين تحتلهما إسبانيا وما تبع ذلك من عمليات إبعاد بطريقة غير إنسانية للمئات من هؤلاء المهاجرين الذين القي بهم بالصحراء دون ماء أو طعام.

الهجرة السرية الإفريقية فتحت ملفا كان المغرب يعتقد انه أغلق أو غض أوروبيا النظر عنه، وهو ملف الهجرة السرية المغربية نحو أوروبا المرتبط بملف الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المغرب منذ بداية إعادة الهيكلة الاقتصادية والإصلاحات التي أجبر على إدخالها منذ بداية ثمانينات القرن الماضي.

ومنذ منتصف التسعينات وأوروبا تلح على المغرب إجراءات لتطويق ظاهرة ركوب شباب مغاربة في مقتبل العمر غمار البحر بزوارق متهالكة، أطلق عليها "زوارق الموت"، كثيرا ما لا تستطيع الوصول بالمرشحين للهجرة السرية إلى الضفة الشمالية للبحر المتوسط.

ورغم الإجراءات الأمنية، فإن زوارق الموت لا زالت تبحر بين الضفتين، وتبث يوميا الأخبار عن إلقاء القبض على مهاجرين سريين على شواطئ اسبانيا المتوسطية أو شواطئ جزر الكناري.

ووجد الشباب الأفارقة القادمين من دول جنوب الصحراء قرب السواحل المغربية من السواحل الاسبانية -وتجربة المغاربة الطويلة والناجحة نسبيا في ميدان الهجرة السرية- في المغرب مقصدا ومعبرا نحو الفردوس الأوروبي.

وأصبحت الغابات والكهوف المنتشرة في الشمال المغربي المأوى المؤقت لهؤلاء الشباب بانتظار الفرصة المناسبة لعبور مياه مضيق جبل طارق. وحين بدأت رياح الشتاء تهب على المنطقة والإجراءات الاسبانية المغربية لتضييق عليهم، قرروا اقتحاما انتحاريا للأسوار المنتصبة. وكان الرصاص الاسباني المغربي بانتظارهم، والفضيحة الإعلامية بانتظار المغرب.

بطالة فتاكة

والإصلاحات الاقتصادية والهيكلية راكمت مئات الألوف من العاطلين عن العمل الذين يتظاهرون يوميا أمام مقر البرلمان، حسب تخصصاتهم أو مستواهم الدراسي أو نوعية رسائل التوصية التي يحملونها، ويطور هؤلاء العاطلون أساليب تظاهراتهم واحتجاجاتهم ومواجهاتهم مع رجال الشرطة.

ونقل العاطلون تحديهم بقيام أربعة منهم بصب البنزين على أنفسهم وإشعال النار بها أمام الملأ وفي الشارع العام، دون أن يثير ذلك، حتى الآن حمية الجهات المعنية للقيام بما يمكن أن يساعد المحتجين على التخفيف من حدة احتجاجهم المتواصلة دون أن ينجح أحد بمعرفة خطوتهم التالية.

انتهى عام 2005 دون أن تغلق الملفات المغربية المفتوحة منذ عقود أو المفتوحة حديثا، ملفات تزداد أوراقها وتعقد وتتعقد حلولها كلما طال عمرها. وملفات دخلت نفق تسوية قضاياها وبدأ النور يظهر في نهايته أو بزوغ أمل بأن تكون 2006 نهايته.

محمود معروف – الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.