تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المقاربــة التوفيقية للأمن الوطني لا تروق لأبرز الأحزاب السويسرية

استراتيجية الدفاع الوطني الجديدة لا تشكك في نظام الميليشيات السويسري

استراتيجية الدفاع الوطني الجديدة لا تشكك في نظام الميليشيات السويسري

(Keystone)

غداة تأكيد الحكومة الفدرالية لمواصلة استراتيجيتها في مجال سياسة الأمن القومي، أعربت أبرز الأحزاب السويسرية، سواء من اليمين أو اليسار، عن غضبها من مضمون "التقرير التوفيقي" الذي قدمه وزير الدفاع نيابة عن زملائه في الحكومة.

ويفتقر التقرير بالنسبة لأبرز الأحزاب لتقييم دقيق للتهديدات التي يمكن أن تواجهها البلاد ولاستراتيجية الـّرد عليها إن أصبحت أمرا واقعا.

"قد لا يكون هذا التقرير مُذهلا، لكنــّه حل وسط معقول وضعته حكومة توافقية". جاءت هذه الكلمات على لسان وزير الدفاع السويسري أولي ماورر (من حزب الشعب السويسري - يمين شعبوي) أثناء مؤتمر صحفي انعقد يوم الخميس 15 أبريل الجاري في العاصمة الفدراليــة برن بمناسبة تقديم التقرير الذي طال انتظاره حول الأمن الوطني (أو القومي).

وبدا أن مضمون التقرير الذي تأجل أكثر من مرة حاول إرضاء الـمُعسكريْن اللذين دخلا في مواجهات عامة متكررة خلال الأشهر الأخيرة حول الوجهة المستقبلية للجيش السويسري: أي فئة الداعين إلى مزيد من الانفتاح على الخارج، وفئة القوميين المتمسكين بعزلة بلادهم داخل أوروبا.

وخلافا لتقرير عام 2000، لم تسع الوثيقة الجديدة إلى إرساء أسس للإصلاح، بل استهدفت إعطاء دفعة للجيش الذي يشهد تغييرات مُتسارعة. ففيما يتعلق بالتدخلات في الخارج، يشدد التقرير على أن الهدف يظل تعزيز الوحدات العسكرية المشاركة في برامج الترويج للسلام حول العالم.

تعزيز الجودة

لكن التقرير يشير في الوقت نفسه إلى أن هذا المُبتغى سيكون صعب التحقيق – لاسيما بسبب الافتقار للمُرشحين- ودعا إلى ترفيع جودة هذه الخدمة. وقال الوزير ماورر في هذا السياق: "نعم، نحن نريد تعزيز التزامنا (في إطار برامج) الترويج للسلام".

وأوضح وزير الدفاع أن الحكومة الفدرالية ستُواصل انتهاج نفس السياسة لكن مع الأخذ بعين الاعتبار قرارات البرلمان. وذكـــّر ماورر بأن غرفتي البرلمان (مجلسا النواب والشيوخ) رفضتا المشاركة في عملية "أتالانت" - وهي المهمة التي أطلقها الإتحاد الأوروبي لمكافحة عمليات القرصنة على السواحل الصومالية، وكذلك الدورات التدريبية في الخارج. كما أن التعاون مع وكالة الدفاع الأوروبية يثير جملة من الإعتراضات، وبالتالي فإن الأمر يستدعي "التقدم خطوة بخطوة"، حسب تعبير الوزير.

وتُخطط الحكومة السويسرية للتركيز على بعض المجالات مثل النقل الجوي والخدمات اللـــّوجستية والاستعلامات. ويفترض أن تتواصل مهمة وحدات "سويس كوي" لتعزيز السلام في كوسوفو لكن في شكل لم يتم تحديده بعد.

الإبقاء على الخدمة الإجبارية

ويشدد التقرير الجديد على ضرورة حفاظ الكنفدرالية على حياد دائم ومُسلح، منوها في المقابل إلى أن ذلك الحياد "لا يمنع بتاتا إقامة تعاون عام". ويظل الانضمام إلى تحالف عسكري مثل حلف شمال الأطلسي (ناتو) أمرا مُستعبدا مع التأكيد على أن الإنخراط في مسار الشراكة من أجل السلام "ليس في أي حال من الأحوال بمثابة قاعة انتظار" للإلتحاق بالناتو. ويبرز التقرير في هذا السياق الاتفاق الإطار الذي أبرم مع الاتحاد الأوروبي حول المشاركة في مهمات تعزيز السلام.

وعلى مستوى الدفاع الوطني، لا يزال يُنظر إلى حدوث هجوم عسكري ضد سويسرا على أنه أمر غير مُرجّح لكنه غير مستبعد تماما على المدى البعيد. وبالتالي يتعين على الجيش أن يحتفظ بالـقدرات الضرورية (أي الحد الأدنى من حيث الكم ومستوى جيد من حيث الكيف) لرد الفعل إذا اقتضى الأمر.

ولا مجال إطلاقا في المرحلة الراهنة لعرض رؤية مفصلة عن مثل هذا التحرك، بحيث تفضل الحكومة السويسرية أن يقدم لها الجيش كل عام تقييما مُحيّنا للوضع. كما لا ترى الحكومة أي داع لإعادة النظر في نظام الميليشيات الذي يعتمده الجيش السويسري ولا في نظام الخدمة العسكرية الإجبارية المعتمد منذ عقود.

تطورات قليلة

أما تحديد السياسة المتعلقة بالعمليات العسكرية الفرعية لفائدة السلطات المدنية، فقد تم التأكيد عليها مُجددا. لكن على الجيش أن يتجنب المشاركة في مثل هذه البعثات على المدى الطويل. والجنود الذي يتابعون التكوين التدريبي توقفوا عن المشاركة في مهمات حراسة السفارات وتأمينها.

وفيما يتعلق بالتهديدات، فقد "جرت مياه كثيرة تحت الجسور" مثلما يُقال منذ التقرير الأخير الذي نشر عام 2000: العولمة، وهجمات تنظيم القاعدة، والحروب في أفغانستان والعراق وجورجيا. وأضاف تقرير هذا العام تدقيقات جديدة، خاصة حول التهديدات المعلوماتية (الإلكترونية). ولكن عموما، "لم يتغير الوضع جذريا" بالنسبة لسويسرا، حسبما ذكر التقرير.

وستتاح للأوساط المعنية فرصة جديدة للتعبير عن مواقفها في جلسة استماع خاصة قبل أن تتبنى الحكومة الفدرالية في يونيو القادم التقرير النهائي وتعرضه على موافقة البرلمان. وستتسلم الحكومة من وزير الدفاع أولي ماورر تقريرا خاصا حول الجيش وورقة نقاش مفصلة بشأن تعويض أسطول المقاتلات الحربية من طراز "تايغر" (Tiger).

ماورر متمسك بـ "مقاتلاته"

وزير الدفاع السويسري أوضح أيضا أن عملية الشراء المتنازع عليها لهذه الطائرات الجديدة تظل مُعلقة، لكنها "لم تؤجل". وأكــد ماورر أنه يحرص شخصيا على اقتنائها. ويفترض أن تناقش الحكومة هذه المسألة في يونيو القادم حسب وزير الدفاع الذي سبق أن قرر في شهر مارس الماضي تولى هذه القضية بالموازاة مع إعداد التقرير حول الجيش والصيغة النهائية لتقرير الحكومة حول سياسة الأمن.

وكرّر الوزير أمام الصحافيين: "أنا أريد (شراء) طائرة جديدة، لكنني بحاجة إلى مزيد من المال"، موضحا أنه لا يخفى على أحد أن اقتناء 22 طائرة جديدة لن يكلف 2,2 مليار فرنك كما كان مُقررا، بل ما بين 3,5 و5 مليار فرنك.

شراء طائرات مقاتلة جديدة (من طراز رافال، أو غريبن أو يوروفايتر) أسال بالفعل حبرا كثيرا، ويأمل ماورر في تأجيل العملية (وليس إلغائها)، لكن الحكومة الفدرالية لم تؤيد لحد الآن طلبه هذا. ولا يتوقع أن توضع هذه الصفقة على قائمة الأولويات قبل تحديد برنامج 2011، علما أن الحديث كان يتعلق في بداية الأمر بشراء 33 طائرة جديدة.

أحزاب وجمعيات غاضبة

وقد اعتبر الحزب الليبرالي الراديكالي (يمين) أن التقرير الجديد حول سياسة الأمن لم يتضمن "أي تغيير نموذجي لمفهوم الأمن"، رغم أنه أقر في المقابل أن الحكومة الفدرالية تمكنت من "الحفاظ على ما هو أساسي". لكن الراديكاليين أعربوا عن أسفهم لكون التقرير "لم يُسهب في الحديث عن مواضيع تفرض نفسها مثل التعاون مع الخارج أو الخدمة الطويلة الأمد التي قد تطور نظام المليشيات"، ولا عن "مفهوم حديث للأمن يستجيب لاحتياجات السكان".

أما بالنسبة للحزب الاشتراكي (يسار)، فإن عُمر السياسة الأمنية للحكومة لا يقل عن 25 عاما في حين أنه "ينبغي حتما إجراء تحديث شامل نظرا للوضع الكئيب للجيش السويسري".

حزب الشعب (يمين شعبوي)، مثله مثل "مجموعة العمل من أجل سويسرا مستقلة ومحايدة"، انتقد ما وصفه بمقاربة "ركزت بإفراط على التعاونات والمواثيق الدولية".

من جهته، أعرب حزب الخضر عن أسفه لكون التقرير قلل من خطر التغيير المناخي في قائمة التهديدات التي تطرق إليها، فيما اعتبرت مجموعة "من أجل سويسرا بدون جيش" أن التقرير لا يجيب عن التساؤلات حول "التهديدات الحقيقية الراهنة المرتبطة على وجه الخصوص بالجرائم الحاسوبية، والبيئة، والهوة بين الشمال والجنوب، أو الإرهاب".

ولم يخرج عن هذا الإجماع سوى الحزب البورجوازي الديمقراطي (وسط يمين) الذي لم يجد ما يستدعي الإنتقاد في التقرير الجديد، وكذلك جمعية الضباط السويسريين التي أشادت من جهتها برغبة الحكومة الفدرالية في الحفاظ على نظام الميليشيات والخدمة العسكرية الإجبارية.

swissinfo.ch مع الوكالات

"لا للتــجنــيد الإجباري!"

أقــلية: لم يعد النظام العسكري الحالي يقنع الشعب السويسري، إذ أظهر سبر للآراء نشرته يوم الخميس 15 أبريل 2010 مجلة "L’Hebdo" (تصدر بالفرنسية في لوزان)، أن 43,5% فقط من السويسريين يدعمون الخدمـة العسكرية الإجبارية. ويقابل واجب الخدمة بالرفض في سويسرا الروماندية الناطقة بالفرنسية (فقط 32,3% من الردود الإيجابية) كما في المناطق السويسريـة المتحدثة بالألمانية (47%).

اختلافات: عدد النساء المؤيدات للإبقاء على الوضع الراهن أقل قليلا (40%) من الرجال (46,6%). فقط الفئة العمرية التي تتجاوز 50 عاما مازالت تدعم النظام الحالي (53,3%). وفي أوساط فئة 18-34 عاما و35-49 عاما، لا يحصل التجنيد الإجباري سوى على 37,6% من الآراء المؤيدة.

الاحتراف: أما بالنسبة للبدائل الممكنة، يميل 39,7% من المُستجوبين إلى إنشاء جيش محترف. ولا تقنع فكرة إلغاء الجيش سوى 14,6% من المشاركين في سبر الآراء.

نهاية الإطار التوضيحي

20 عاما من الإصلاحات

خلال الحرب الباردة، كانت القوات المسلحة السويسرية تحظى بما يناهز ثلث الميزانية الفدرالية. وكانت سويسرا، البلد المحايد الصغير، تتوفر على أحد أكبر الجيوش في أوروبا القارية إذ ناهز عدد الجنود النشطين في جيشها 700000، أي أكثر من 10% من إجمالي السكان.

يوم 26 نوفمبر 1989، بعد أيام من انهيار جدار برلين، وافق ثلث السويسريين على مبادرة تدعو إلى إلغاء الجيش، وكان ذلك صدمة بالنسبة للطبقة المُسيرة للبلاد بحيث سارعت منذ ذلك الحين إلى إعادة النظر أساسا في سياسة الدفاع الوطني، فاتحة بذلك مشروعا إصلاحيا لم يكتمل لحد اليوم.

أدّى أول مشروع إصلاح كبير، المعروف باسم "جيش 95"، إلى تخفيض قوى العمل إلى 400000 وحدة في النصف الثاني من التسعينات. وانخفض العدد إلى 120000 جندي و80000 جندي احتياط في إطار مشروع الإصلاح الذي عرف باسم "جيش 21"، والذي دخل حيز التطبيق عام 2004. كما تم تخفيض الميزانية بأقل من عُشر إجمالي النفقات الفدرالية.

تنفق الكنفدرالية حاليا نحو 4,1 مليار فرنك على سياسة الأمن الــوطني، منها 3,7 مليار على المعدات والبنية التحتية للجيش. وحسب وزير الدفاع أولي ماورر، يتعين أن تحصل القوات المسلحة على 500 إلى 700 مليون فرنك إضافي للتمكن من أداء مهمتها.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×