تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

المقاومة العراقية للاحتلال بين الافتراض والواقع...

تُـثير بعض ممارسات القوات الأمريكية استياءً كبيرا لدى العراقيين قد يدفعهم إلى الانتقام

(Keystone)

ما هي طبيعة المقاومة العراقية للتواجد العسكري البريطاني الأمريكي، وما هي انتماءات منفذي العمليات المسلحة ضد تلك القوات؟

بدأ هذا السؤال يُـطرح بإلحاح مع تنامي العمليات المسلحة التي تستهدف الجنود الأمريكيين بالتحديد.

تنامت الأسئلة بتنامي العمليات المسلحة ضد الجنود الأمريكيين في العديد من المدن والقرى العراقية، لاسيما وسط البلاد. وكان طبيعيا ومفهوما أن تتمحور تلك الأسئلة حول طبيعة المقاومة العراقية وماهيتها، وانتماءات منفذي العمليات وفيما إذا كانوا يمثلون هذه الجهة أو تلك، وهل يعملون في إطار منظّـم، وما هي أهدافها؟

ومن الطبيعي أن تثار مثل هذه الأسئلة، لأن العمليات تستدعي إلى الذهن صورتين، إحداهما واقعية، والأخرى افتراضية، لكنها لكثرة ترويجها في أجهزة الإعلام، وخاصة الغربية منها باتت شيئا أشبه بالصورة الواقعية.

وبرغم أن الصورتين تتمتّـعان بهذا الوصف، أي افتراض أنهما واقعيتان، إلا أنهما ليستا حقيقيتين إلى الدرجة التي تجعل الوثوق بهما لا يقبل نقضا ولا يحتمل شكّـا.

والصورتان في حقيقة الأمر، مجرد فقّـاعة أو لحظة عابرة سجلتها عدسة كاميرا الزمن. تتعلق الصورة الأولى بالفرضية التي أشاعتها الإدارة الأمريكية من أن العراقيين سيستقبلون القوات الغازية بالورود والزغاريد لتخليصهم من جور النظام السابق، فيما تتعلّـق الثانية بسقوط بغداد السريع والمُـريب على ما رآه العالم بأسره دون مقاومة وكل ما رافقه من صور مضللة.

ولفهم حقيقة ما جرى ويجري، لابد من التخلّـص من تأثير هاتين الصورتين، أي التحرر من وطأتهما لفهم ما يجري واستيعابه.

ولئن كانت بعض الأسئلة طبيعية ومفهومة، فإن ما يثير التساؤل هو التشكيك في شرعية المقاومة العراقية للاحتلال الأجنبي، بحكم أن الولايات المتحدة نفسها أقرّت وكرّست احتلالها للعراق عبر قرار صادر عن مجلس الأمن.

ومن المفيد التذكّـر أن عمليات المقاومة العراقية ضد الوجود الأمريكي والبريطاني المحتل بدأت منذ المرحلة التي سبقت سقوط بغداد. ومع احتلال العراق بأسره، صارت تلك العمليات تتخذ صورا شتى. فمن عملية فدائية ينفذها مواطن هنا، إلى مهاجمة رتل عسكري أو موقع قوة معادية تنفذه مجموعة ما، إلى كتابة الشعارات المناهضة للاحتلال على الجدران ونشر البيانات التي تُـروِّج لثقافة التصدي والمواجهة، وكل ذلك مما يندرج تحت هذا الإطار العريض والواسع الذي أخذ صفة (المقاومة العراقية).

ومع انتشار عمليات التصدي للوجود الأمريكي في العراق خلال الأشهر التالية، تدور العديد من الافتراضات وتتناقل وسائل الإعلام كمّـا هائلا من المعلومات والتحليلات عن طبيعة تلك العمليات وحقيقة الأهداف الكامنة وراءها.

لابد من الإشارة أولا إلى أن عمليات المقاومة الجارية منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا لم تتّـخذ طبيعة منظمة إلى الحد الذي يسمح باعتبار أن جهة أو جهات محددة وموصوفة بدقة تقف وراءها بالضبط، لأن ما جرى، في السابق، ويجري الآن لا يسمح بإطلاق هذا الوصف بالضبط عليها.

يسود الاعتقاد أن عمليات المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي تكتسي صفة فردية في الغالب، وهي في بعض الحالات تكتسي طابعا محليا، ولا يُـعتقد أن ثمة جهة واحدة منظمة فعلا هي التي تقف وراءها. لكن ذلك لا يعني أن المرحلة المقبلة لن تشهد قيام جبهة تتّـسع بمرور الزمن لتستوعب كل الفصائل.

من يقوم بتلك العمليات إذن؟

سؤال يبدو أنه الأهم من بين الأسئلة المُثارة حتى الآن، ومع أن أياً من المحللين لا يستطيع أن يُعطي جوابا قاطعا بشأنه إلى الحد الذي لا يسمح برأي آخر مخالف، إلا أن الإجابة الدقيقة عنه إلى الحد المعقول ممكنة أيضا، وهي أنّ من يقوم بتلك العمليات مجاميع صغيرة من الشباب العراقي الرافض لمبدأ الاحتلال أو المناهض لممارسات القوات المحتلة مع العراقيين، يتراصف معهم ناقمون من هنا وهناك غاضبون إزاء تدهور الأوضاع المعيشية والأمنية للمواطنين.

وأخيرا، هناك بعض العناصر الموالية للرئيس السابق صدام حسين أو لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم العراق نحو 35 عاما دون انقطاع، ثم هناك على الجانب الآخر، أعمال تخريب لا تمت إلى المقاومة بصلة، ويقف وراءها بالطبع مخربون ومجرمون.

هذه، على نحو مختصر، الانتماءات الحقيقية لمنفذي عمليات المقاومة العراقية التي تتعرض لها القوات الأمريكية في أنحاء متفرقة من العراق.

بين السنَّة والشيعة

غير أن ثمة سؤالا آخر لا يمكن إلا أن يَطُـلَّ برأسه في هذا المقام: لماذا اقتصرت عمليات المقاومة أو تركّـزت في المناطق ذات الأغلبية السنّية في بغداد والحلّـة والرمادي وبعقوبة، حيث لم يشهد العراق حتى الساعة عمليات مقاومة ذات صبغة سياسية أو تُـعبّـر عن شعور عالٍ بالنقمة إزاء الاحتلال الأمريكي في المناطق التي تتمتّـع بالنفوذ الشيعي من حيث العدد أو من حيث التأثير.

للإجابة على هذا السؤال، يجب فهم حقيقة الأمر على نحو أكثر عُـمقا من مجرد النظرة القائلة إن أتباع المذهب السنّي من العرب كانوا هم المستفيدين الأساسيين من نظام حكم صدام حسين. وعليه، فإنهم يدافعون عن وجود وكيان ومكاسب مهددة الآن على نحو أو آخر، وهو افتراض تتولد عنه قناعة أخرى مغلوطة ومبتورة تقول إن الشيعة العرب سعداء أو إنهم يشعرون بقدر من الراحة بوجود المحتلين في أراضيهم.

ويبدو أيضا أن نسبة هذه العمليات العسكرية إلى "خلايا جهادية سنية" أمر مُـبالغ فيه مع أنه لا يُـمكن نفي وجود بعض المشاعر الجهادية لدى بعض الجماعات الإسلامية العراقية، علما أن هناك كثيرا من أبناء السنّة في العراق يُـؤثرون اليوم الانتظار ويؤكّـدون على ضرورة عدم الانخراط في عمليات مسلّـحة، مشيرين في ذلك إلى المخاطر التي يمكن أن تلحق بهم إذا ما أقدموا على ذلك.

أما الحديث عن دور تنظيم القاعدة فيما يجري، فهو مبالغ فيه إلى الحد الذي يجعله ممجوجا، لأن قادة وأعضاء القاعدة معنيون اليوم بترتيب أوضاعهم الداخلية وهم قطعا في وضع لا يسمح لهم بحرية الحركة ودخول العراق لتنفيذ أعمال مسلحة كالتي نشهدها، فضلا على أن البصمات في الحالة العراقية تختلف عن بصمات القاعدة التي تفضل عملا ضخما يتم الترويج له إعلاميا على نحو أوسع من مجرد عملية تصطاد جنديا أمريكا هنا وتجرح آخر هناك.

دور الحوزة العلمية

قبل الخوض في الرد على افتراض تعاطف الشيعة العراقيين مع قوات الاحتلال وبيان كونه مغلوطا ومبتسرا، يجب استعراض جانب مهم من طبيعة المجتمع الشيعي في العراق الذي يخضع في معظمه للنفوذ القوي لرجال الدين وللمراجع الكبار المعتمدين من رجال الحوزة العلمية في النجف، حيث مقر المرجعية الأعلى التي يتبعها معظم المسلمون الشيعة في العالم الإسلامي، وضمنهم عدد لا يُـستهان به من شيعة إيران.

وكان معروفا، حتى في ظل النظام العراقي السابق، أن كثيرا من المواقف لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال فتوى ذلك المرجع المعتمد أو ذاك من أقطاب الحوزة، وأن النظام السابق كان يهيئ الأرضية لبعض قراراته ومواقفه من خلال فتاوى المراجع الشيعية العظمى ضمانا لتقبل تلك المواقف والقرارات من قبل أتباعهم، عندما يُقدم عليها لاحقا.

ولأن الفتوى بالجهاد والمقاومة وإعلان الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأمريكي لم تصدر حتى الآن من المراجع الكبار في النجف، فإن عمليات المقاومة في تلك المناطق ذات النفوذ الشيعي لن يكون مسموحا بها أو أنها في أحسن تقدير لن تظهر بالطريقة والكيفية والحجم الذي يهدد الوجود الأمريكي فيها.

وفي هذا الصدد، هناك ما أعلنه رجل الدين الشيعي والنجم الآخذ بالبروز (مقتدى الصدر)، حينما أكّـد بوضوح أن الدعوة التي طالما أطلقها للجهاد ضد الاحتلال الأمريكي للعراق، إنما هي دعوة للجهاد السلمي وليست في أي حال دعوة للكفاح المسلح حتى مع إعلانه تأسيس جيش المهدي الذي اعتبره جيشا على الورق فحسب، معللا مطالبته بـ (الجهاد السلمي) بأن فتوى بالجهاد لم تصدر حتى الآن من المراجع الكبرى.

يقف إلى جنب هذه الصورة الموقف الحقيقي للتنظيمات السياسية الشيعية السائدة الآن. فحقيقة موقف المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وحزب الدعوة الإسلامية، وهما أكبر الفصائل السياسية الشيعية في العراق وأوسعها نفوذا وتنظيما، موقف مُـؤيّـد للاحتلال الأمريكي.

غير أن الشيعة في العراق، وهو ما يجب أن يكون واضحا، عراقيون أولا وأخيرا، وهم يتمتعون بروح وطنية عالية ومتجذّرة في التاريخ، وأن كثيرا منهم، وخاصة في جنوب العراق، ما تزال ماثلة أمام أعينهم أو في خواطرهم صور الجهاد الكبير في ثورة العشرين حين انطلقت شرارة المقاومة العراقية الواسعة ضد الاحتلال البريطاني مكبدة إياه خسائر جسيمة.

"أزلام" النظام السابق

أما أتباع النظام السابق، فمن المؤكّـد أنهم ينفذون قدرا من العمليات المسلّـحة ضد التواجد العسكري الأمريكي، إذ لا يمكن تصوّر أن يستسلم على نحو كامل مئات الآلاف من الذين سبق لهم أن انخرطوا في تنظيمات حزب البعث العربي الاشتراكي أو الأجهزة الأمنية أو الجيش أو الحرس الجمهوري والحرس الخاص وكل الذين دلّـلهم صدام حسين.

وهناك من يحاول زرع البلبلة والخوف والقلق في الشارع العراقي عندما يُـروّج لفكرة غير واقعية تماما مفادها أن أنصار الرئيس السابق صدام حسين قادرون على العودة إلى السلطة من خلال تشكيل خلايا تنظيمية سياسية وأخرى عسكرية، وأنهم ما يزالون فاعلين ومؤثرين في الشارع العراقي.

إن نسبة كل تلك العمليات المسلّـحة ضد التواجد العسكري الأمريكي إلى فلول النظام السابق، سواء من كان منهم في الأجهزة الأمنية أو من خلايا التنظيم الحزبي السابق، قد يكون تقييما سطحيا القصد منه استمرار تهييج الشارع العراقي ضد النظام المخلوع وتخويفه من عودته.

ماذا عن المستقبل؟

ما هو حتمي أن رؤية الدبابات والجنود الأمريكيين في الشوارع والمدن والقرى العراقية يحتمل استمرار حالة الرفض والمقاومة. كما أن استمرار عمليات المداهمات التي تمارسها تلك القوات بما يرافقها من أعمال استفزازية مُـشينة للعراقيين، مع ما يمكن أن يضاف إلى ذلك من تنامي النقمة إزاء انعدام الخدمات الأساسية للمواطنين، حيث يفتقد العراقي لأبسط مُـقومات الحياة من ماء وكهرباء ووقود وأمن وصحة ومصدر رزق، وهو ما تجسّـد بوضوح في الأيام الأخيرة في البصرة وميسان بمظاهرات عارمة ضد نقص البنزين وضعف الخدمات الأساسية.

وهناك في كل الأحوال مخربون ورجال عصابات ينفذون بعضا من العمليات التي يحاول السيد بول بريمر إضفاء صفة مناهضة الوجود الأمريكي عليها، لكنها في حقيقة الأمر ليست إلا عمليات تخريب يُقصد بها تدمير البنى التحتية للاقتصاد العراقي أو لأنظمة الخدمات المنهارة أصلا، وهي ليست أعمال مقاومة حتما.

مصطفى كامل - بغداد


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×