الدورة 47 للمنتدى الإقتصادي العالمي هل تواجه نُخب دافوس تمرّد الطبقة المُتوسطة؟

روما، 4 ديسمبر 2016: مُتظاهرون يحتفلون في العاصمة الإيطالية برفض التعديلات الدستورية التي اقترحها رئيس الوزراء ماتيو رينتسي.  

روما، 4 ديسمبر 2016: مُتظاهرون يحتفلون في العاصمة الإيطالية برفض التعديلات الدستورية التي اقترحها رئيس الوزراء ماتيو رينتسي.  

(AFP)

يأتي انعقاد الدّورة السنوية لمنتدى دافوس الإقتصادي العالمي في أوقات عصيبة بالنسبة لزعماء العالم. فقد اتخذ الناخبون قرارات أسالت حبرا كثيرا في كل من بريطانيا (الخروج من الإتحاد الأوروبي)، والولايات المتحدة (انتخاب دونالد ترامب)، وإيطاليا (رفض التعديلات الدستورية وتنامي القوى الشعبوية). واعتُبرت أصواتُهم بمثابة تحدّ ترفعه الطبقة الوسطى في وجه المؤسسات الحاكمة. 

تلوح المواسم الإنتخابية في أفق كلّ من هولندا وألمانيا وفرنسا. وقد اختار العديد من زعماء العالم، من بينهم الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، الإنكباب على معالجة مخاوف الناخبين في الداخل بدلا من حضور جلسات المنتدى الإقتصادي العالمي في منتجع دافوس.

حتى سويسرا، التي تُعتبر من معاقل المعيشة المُريحة والثروة والسياسة الرصينة، فقد عاشت بدورها مؤخرا مراحل استقطاب سياسي، كما شهدت تنظيم استفتاءات مثيرة للجدل.

هذا العام، عَقَد القائمون على المنتدى الاقتصادي العالمي العزمَ على مواجهة هذا التحدي من خلال تبني شعار "القيادة المُستجيبة والمسؤولة". وقُبيل انطلاق أشغاله، قال مُؤسسه كلاوس شفاب: "ينبغي على [القادة] الإٍستماع، والتواصل مع هؤلاء الناس الذين وضعوا فيهم الثقة ليصلوا إلى القيادة. لكن لا يكفي الإٍستماع فقط، عليك يضا أن تعمل، وأن تكون مسؤولا، وأن تتحلى بالقدر الكافي من الشجاعة لاتخاذ قرارات من شأنها تحسين أوضاع العالم"، قبل أن يضيف: "نأمل أن يستمع العالم إلى هذه الرسالة أكثر مما قام به خلال السنوات الماضية".

المنتدى الإقتصادي العالمي 2017

تنعقد الدورة الـ 47 للمنتدى الإقتصادي العالميرابط خارجي في منتجع دافوس بكانتون غراوبوندن شرق سويسرا من 17 إلى 20 يناير 2017، بمشاركة 3000 (وهو رقم قياسي) شخص يقدمون من عوالم السياسة، والأعمال، والمجتمع المدني، والدين، والعلوم، والأوساط الأكاديمية، والفنون.

هذا العام، سيصبح شي جين بينغ أول رئيس صيني يحضر المنتدى في دافوس، حيث سيقود وفدا كبيرا من إمبراطورية الوسط. وتضم قائمة الشخصيات ذات النفوذ التي ستشارك في أعمال المنتدى رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي (حضورها غير مؤكد)، ونائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، ورئيس اللجنة الدولية للصيب الأحمر بيتر ماورر، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس.

وسيتحول إلى دافوس أيضا حوالي 1000 من كبار رجال الأعمال من 1400 شركة، من بينهم بيل غيتس (مايكروسوفت)، وشيريل ساندبرغ (فيسبوك)، وجاك ما (علي بابا).

من بين المواضيع التي سيتناولها الإجتماع: البيئة، واستمرار الصراع في سوريا والعراق، وقضايا المساواة بين الجنسين، والتعليم، والصحة.

لويس بيرون، أستاذ العلوم السياسية السويسري الذي يستشير مع مجموعة من العملاء السويسريين والأجانب، يعتقد بأن النُّخب في الغرب تدفع الآن ثمن استجابتها بشكل سيء لعالم سريع التغير يتزايد فيه شعور الناس بالقلق إزاء فرص العمل، والهجرة، والرفاهية في المستقبل.

وفي تصريحات لـ swissinfo.ch، قال بيرون: "إن الناس يقولون شيئا لا تفهمه النخبة، وبدل تعديل رسالتهم، يكرر الزعماء نفس الأقوال، ولكن بصوت أعلى. وهذا يؤدي إلى عدم التوافق بين الطلب والعرض السياسي، لذلك فإن الناس يصوتون لفائدة شيء مختلف".

وتابع قائلا ضمن السياق نفسه: "إن كل حملة انتخابية أو استفتائية هي بمثابة معركة من أجل تحديد وتعريف موضوع التصويت. إن الأحزاب الحاكمة تخسر المعركة بشكل متزايد، وعندما يبدأ القادة في فقدان الحجج، يُصبح من الصعب جدا بالنسبة إليهم تعويض الخسارة".

الإٍستفتاءات السويسرية

في السياق، يُنظر إلى قرار الناخبين البريطانيين الإنسحاب من الإتحاد الأوروبي، فضلا عن رفض الأمريكيين لسلالة كلينتون السياسية لصالح الدخيل المتشدد دونالد ترامب، كدليل على عدم رضا واسع النطاق عن نظام القيادة القائم.

وفي سويسرا أيضا، بلد الديمقراطية المباشرة، تظل الكلمة الأخيرة للناخبين. وفي السنوات الأخيرة، صوت السويسريون على عدد من الإٍستفتاءات الهادفة إلى تغيير الممارسات المعمول بها. ودعت، من جملة أمور أخرى، إلى ضمان حدّ أدنى للأجور، وتعديل سياسة البنك المركزي، وكذلك الطريقة التي تُدار بها الخدمات العامة.

معظم هذه الإستفتاءات فشلت، لكن نجاح المبادرات التي استهدفت الأجور الخيالية لمدراء الشركات، ومعدلات الهجرة العالية في الأعوام السنوات الأخيرة، تسبب في صداع للقادة السياسيين والإقتصاديين، ما أدى إلى إقرار مجتمع الأعمال في سويسرا بالحاجة إلى استعادة التواصل مع كل من السياسيين والناخبين.

وفي تقرير أصدره في شهر نوفمبر 2016، تطرق مصرف "يو بي إس" إلى فكرة مفادها أن الطبقة الوسطى كانت القوة الدافعة لقلق الناخبين. وأوضح أهم مصرف سويسري أن هذه الظاهرة تتجلى بشكل أوضح في البلدان الغربية. وأضافت الورقة البحثية أن الطبقة الوسطى في الإقتصادات الناشئة تتضخم وتزداد ازدهارا.

في المقابل، يظل "يو بي إس" يظل مقتنعا أيضا بأن الطبقة الوسطى السويسرية تمثل حالة خاصة في الغرب. ويعتقد أن الحكومة السويسرية قامت بعمل جيّد في التخفيف من حدة التفاوت في الدخل، من خلال تفضيل أصحاب الأجور الدنيا عندما يتعلق الأمر بالرسوم الضريبية والفوائد.

علاوة على ذلك، ذكر التقرير أن نظام التلمذة الصناعية القوي وسوق العمل الليبرالية في سويسرا قد ساعدا أيضا في الحفاظ على الوظائف.

غضب النقابات

على العكس من ذلك، لا يتفق اتحاد النقابات السويسرية مع هذا التقييم الوردي، إذ اشتكى في "تقدير موقف" أصدره العام الماضي من أن ذوي الدخل المتوسط والمنخفض تضرروا أكثر من أصحاب الدخل العالي من ارتفاع تكاليف التأمين الصحي.

كما أن أصحاب الدخل الضعيف يعتمدون أكثر من الأغنياء على العلاوات الممنوحة من صناديق التقاعد التي تزداد قيمتها تقلصا في سن الشيخوخة، علما أن الأُثرياء يمكنهم الإستعانة باستثماراتهم المتراكمة عند تقاعدهم.

وبالفعل، ضمت النقابات قواها إلى السياسيين من ذوي التوجهات اليسارية لإطلاق استفتاء سيصوت عليه السويسريون في 12 فبراير المقبل يدعو الناخبين إلى رفض إجراء مراجعة شاملة للنظام الضريبي السويسري الخاص بالشركات. ويتوجّهون مباشرة إلى ناخبي الطبقة المتوسطة لنسف التغييرات الضريبية المقترحة التي يقولون إنها سترهق أصحاب الدخول المتوسطة بسبب تكلفة الحفاظ على الشركات متعددة الجنسيات في سويسرا.

ومهما كانت نتيجة هذا الإستفتاء، يبقى لويس بيرون مقتنعا بأن الناخبين السويسريين سيتصرفون بشكل عام بطريقة أكثر تنظيما بالمقارنة مع البلدان المجاورة لهم.

وقال ضمن السياق نفسه: "لا يميل السويسريون إلى التصويت لمجرد التعبير عن الغضب أو وفقا لمصلحتهم الخاصة، ولكنهم أكثر انفتاحا لتدارس حجة تتعلق بالصالح العام. لذلك فإن تصويتهم يتماشى في الغالب مع توصيات الحكومة".

وتابع قائلا: "إن الناخبين في معظم البلدان الأخرى لا يتمتعون بنفس الفرص للتعبير عن احتجاجاتهم، لذلك فإن الإنتخابات قد تفضي إلى نتائج أكثر تطرفا".

ومن 17 إلى 20 يناير 2017، سيناقش قادة السياسة والمال والأعمال في منتجع دافوس كيفية تجنب هذا المصير في الإجتماع السنوي للمنتدى الإقتصادي العالمي.

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك


(ترجمته من الإنجليزية وعالجته: إصلاح بخات)

×