Navigation

الناتو: هل ستتم ترجمة الإشارات الصادرة من "صقلية" ؟

صورة تذكارية لوزراء الدفاع في الدول الأعضاء في الحلف ونظرائهم من الدول المتوسطية في تاورمينا بصقلية في إيطاليا يوم 10 فبراير 2006 swissinfo.ch

تتمثل الإشارة الرئيسية التى صدرت بقوة عن الاجتماع السنوى غير الرسمى لوزراء دفاع "الناتو" فى صقلية أوائل شهر فبراير في أن الحلف قد حسم أموره فيما يتعلق بدوره الدولى خارج الحدود الأوروبية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 22 فبراير 2006 - 11:54 يوليو,

ومع أنه لم يعد هناك تردد تقريبا بهذا الشأن، لكن ثمة مشكلة لاتزال تتعلق بكيفية تطبيق ذلك عمليا فى أقاليم العالم المختلفة.

إن الإشارة الرئيسية التى صدرت بقوة عن الاجتماع السنوى غير الرسمى لوزراء دفاع "الناتو" فى مدينة تاورمينا بجزيرة صقلية الإيطالية أوائل شهر فبراير 2006، هى أن الحلف قد حسم أموره فيما يتعلق بدوره الدولى خارج الحدود الأوروبية، فلم يعد هناك تردد تقريبا بهذا الشأن، لكن ثمة مشكلة لاتزال تتعلق بكيفية تطبيق ذلك عمليا فى أقاليم العالم المختلفة.

وسوف تكون الكيفية التى سيتحرك بها الحلف فى "منطقة الجوار" المتوسطية بالشرق الأوسط (التى عقد وزراء دفاع الحلف لقاءا على هامش اجتماعهم مع 7 من وزراء دفاع دولها) أول نموذج تجريبى للعمل وفقا للتوجهات الجديدة، إذ ستوضح التحركات التى تتم فى هذا الاتجاه مدى إمكانية ترجمة تلك الإشارة إلى سياسات فعلية فى وقت مناسب.

إن "الناتو" لم يكن بعيدا عن الساحة الدولية خلال السنوات القليلة الماضية، فقد تم إرسال قوات تابعة له إلى أفغانستان فى مهمة لتثبيت الأمن فى مرحلة مابعد إسقاط القوات الأمريكية لنظام حكم طالبان. وتم التوافق إثر خلاف حاد بين أطرافه الرئيسية حول غزو العراق على قيام دول الحلف فرادى بتدريب ضباط عراقيين، وفق محددات ترتبط الأعداد والنوعية والأماكن.

لكن هذه المهام الخارجية كانت بعيدة تماما عن المفاهيم المعتادة لعمليات القتال التى ارتبطت تقليديا بالأحلاف العسكرية، كما أنها جرت فى ظل أوضاع تؤكد تؤكد وجود حذر إزاء ممارسة دور خارجى بأكثر مما تشير إلى وجود توجه للقيام بمثل هذا الدور.

مرحلة جديدة

لكن على الرغم من أنه لم يمض وقت طويل على "سنوات التردد" يبدو أن الأمور تسير فى اتجاهات مختلفة تماما، على نحو أدى ببعض الصحف الألمانية إلى التساؤل عما إذا كان الناتو سوف يتحول إلى شرطى عالمى، بفعل التصريحات الأكثر حسما التى تصدر عن قادة الحلف، واتجاهه إلى زيادة عدد قواته فى أفغانستان بنسبة الضعف تقريبا، والتسارع غير المعتاد فى عملية تشكيل قوة الرد السريع التابعة للحلف، والتخطيط لإجراء مناورات جوية برية بحرية لتلك القوة فى جزر الرأس الأخضر، وتنشيط الحوار بين دول الناتو ودول المتوسط بصورة ملفته للانتباه، بعقد لقاءين فى أقل من 6 شهور، والحديث عن التوسع الجغرافى للحلف بضم دول جديدة.

إن قوة الرد السريع التابعة للناتو تحديدا تمثل أهم مؤشر فى هذا الاتجاه، فعندما يتم الاتجاه إلى تشكيل قوة مسلحة للعمل خارج الحدود الجغرافية التقليدية، لايتعلق الأمر فقط – فى تلك الحالة – بفكرة الدور الخارجى المؤثر، لكن بأعقد أشكال ذلك الدور، وهو "التدخل العسكرى"، الذى يحمل مستوى لايمكن تجنبه من المخاطرة.

فما تتم الإشارة إليه هو قوة كبيرة العدد (52 ألف جندى) وحديثة التسليح، أقرب إلى جيش صغير ذكى، قادرة (نظريا) على الوصول إلى أى منطقة فى العالم خلال فترة قصيرة والبدء فى عملياتها على الفور، فى التعامل مع أزمات غير تقليدية، تمس أمن أوروبا، بكل مايحمله ذلك من احتمالات لم يكن التفكير الأوروبى يتعاطى معها، بداية بالعمليات الوقائية وحتى إستراتيجية الخروج.

حذر مزمن

رغم كل ذلك يصعب تصور أن الناتو قد تخلى تماما عن حذره، أو أنه قد بدأ الاندفاع فى اتجاه إسترتيجى إنقلابى، فلم يتم مثلا الحديث عن سيناريو "قوات الناتو البديلة" على الساحة العراقية الخطرة، وهو ما كان مثارا فى فترة سابقة، كما أن زيادة عدد القوات فى أفغانستان إلى 15 ألف جندى وتوسيع دائرة انتشارها جنوبا يرتبط بعوامل موضوعية لاتحمل مخاطرات حادة وفقا لحسابات عسكرية محددة، على الرغم من أنها تظل أكبر عمليات الحلف البرية فى الخارج منذ إنشائه، ولم تتم أيضا إثارة مسألة القيام بدور عسكرى (حتى لو كان غير قتالى) فى ترتيبات أمن قطاع غزة غير المستقر مرة أخرى، على الرغم من أن المسألة قد نوقشت من جوانبها السياسية.

هناك أيضا دلالات ما لضغط وزير الدفاع الأمريكى دونالد رامسفيلد على الحلفاء فى اجتماع صقلية للتعهد بدفع المزيد من القوات إلى قوة الرد السريع التى مازال ينقصها أفراد قبل أشهر قليلة من موعد بدء عملها على نحو كامل فى شهر أكتوبر القادم، بفعل استمرار بعض الدول فى "إجراء الحسابات"، أو قرارات بعض الدول بتقليص مشاركاتها المحتملة فى مناورات جزر الرأس الأخضر لاعتبارات التكلفة المالية فى بعض الأحيان، ثم ما أعلن عن استبعاد انضمام إسرائيل لعضوية الناتو، والذى يعبر عن تقدير محدد يشير إلى رغبة تستند على أسس موضوعية، فى تجنب المشاكل، فهناك قرار بممارسة الدولة العبرية لدور ما، لكن لايوجد إندفاع فى اتجاه ممارسته عمليا.

حوار لاينتهى

وما وصل إليه حوار الناتو مع دول المتوسط السبع، وهى الجزائر ومصر وإسرائيل والأردن وموريتانيا والمغرب وتونس، على المستوى العسكرى وفقا للإطار الذي رسم في اجتماع إسطنبول، يعبر أيضا عن نفس الوضع.

فقد بدأت اجتماعات رؤساء أركان دول الناتو مع نظرائهم فى دول الجوار خلال نهاية العام الماضى، وعقد لقاء بين وزراء دفاع نفس الدول على هامش اجتماع صقلية، والهدف المعلن هو بحث إمكانيات التعاون العسكرى بين الجانبين، وهو أحد المجالات التى تساهم يقينا فى اتجاه تحويل الحوار إلى شراكة.

لكن، ومن خلال المتابعة الدقيقة للتطورات الجارية، فإن ما يحدث عمليا هو ما يلى:

1 – أن الحوار لايزال مستمرا، فى إطار تبادل الأفكار حول المجالات التى يمكن التعاون فى إطارها عسكريا، فى ظل عناوين عامة الحديث عن "برنامج شامل للتعاون الأمنى والعسكرى"، فى ظل تحول مهمة الحلف من التركيز على الدفاع إلى التركيز على الأمن، ومايتم طرحه فى العادة هو المستويات غير القتالية أيضا من التعاون، فيما يتعلق بمكافحة التهريب وعمليات الإنقاذ ومقاومة الإرهاب ومراقبة السفن، مع تجنب مؤقت للحديث بشكل محدد عن توسيع الحلف فى اتجاه منطقة المتوسط، وتلقى المرحلة التى وصلت إليها عملية برشلونة ببعض ظلالها على هذا الوضع.

2 – أن الولايات المتحدة قد سبقت الجميع فى التفاهم حول ملفات محددة مع دول شمال إفريقيا الثلاث، تونس والجزائر والمغرب، إضافة إلى موريتانيا، تتصل بمشكلات أمنية تهم أمن أوروبا - وقبلها أمنها ومصالحها – مباشرة، كالسيطرة على حركة عناصر التنظيمات الإرهابية وتسلل اللاجئين غير الشرعيين، كما أنها تتصل بنوعية تعاون عسكرى "من العيار الثقيل" تتعلق بالتنسيق بين جيوش تلك الدول وقيادة القوات الأمريكية بأوروبا، مع إقامة بعض التسهيلات العسكرية فى تلك المناطق، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة فى الصحراء الكبرى، مع إمكانية مشاركة عناصر من قوات دول شمال إفريقيا فى عمليات أفغانستان.

هنا، فإنه بعيدا عما يثار أحيانا بشأن اهتمام الولايات المتحدة المتصاعد بتلك المنطقة، والتنافس الأمريكى – الأوروبى ( الفرنسى) على ساحتها، فإن المسألة الأهم هى أن السياسة الأمريكية ربما تكون أكثر "براجماتية" وتحديدا من السياسة الأوروبية التى يحدد "تيار أوروبا" (مقابل "تيار الأطلسى") بعض معالمها داخل الناتو، وذلك على الرغم من الأمر يتعلق بمنطقة توجد رغبة لدى دولها فى التعامل مع الناتو، وقواعد حقيقية يمكن بناء تعاون أمنى فعال استنادا عليها، فما البال بدول أخرى فى نطاق المتوسط لاتزال تحمل حساسيات إزاء فكرة "الأحلاف" برمتها.

وتتمثل أهمية تلك المسالة فى أنها تمس مباشرة أى تقييم خاص بفعالية التحول الذى شهدته توجهات الناتو فى الفترة الأخيرة، فعندما ستقرر دوله "الأوروبية" أن تتعامل بالحسم الكافى مع مشكلة تطبيق التوجهات الجديدة التى قررتها بشأن دور الحلف الخارجى، ربما ستكون أمور كثيرة قد تم ترتيبها بالفعل فى الجوار.

د. محمد عبد السلام – القاهرة.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.