تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

النخب العربية: الشجرة التي تخفي الغابة؟

رغم إدانة النخبة التونسية القاطعة للهجوم الأرهابي الذي إستهدف الولايات المتحدة فإن موقفها يظل متباينا عن الموقف الرسمي للحكومة

(swissinfo.ch)

يمكن القول بأن الحكومة الأمريكية قد ضمنت وقوف الأنظمة العربية إلى جانبها في حربها ضد الإرهاب، فهل تمكنت من تحقيق نفس التجاوب لدى النخب العربية؟ النخبة التونسية قد تقدم لنا بعض ملامح الإجابة.

وإذا كان المثقف العربي المستقل فاقد التأثير على مراكز القرار بحكم حالة التهميش التي يتعرض لها منذ فترة طويلة، إلا أن صوته لا يزال مسموعا في أوساطا لا تقل أهمية عن الطبقات السياسية الحاكمة. في هذا السياق تعتبر النخبة التونسية مثالا نموذجيا للإجابة عن هذا السؤال، نظرا لما تتمتع به هذه النخبة من عدة مواصفات ترشحها لأن تكون، على الأقل متفهمة لبعض جوانب ردود الفعل الأمريكية.

فهي نخبة عصرية في تكوينها، منفتحة على الغرب إلى حد كبير، ملقحة ضد التعصب الديني، معادية للعنف بمختلف أشكاله، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستهويها نظام طالبان شكلا ومضمونا. إنها تلتقي في الكثير من الجوانب مع النخبة التركية، دون أن يعني ذلك طمس الفوارق الكثيرة بين البلدين.

رغم الإدانة فهناك تباين بين موقف النخبة والموقف الرسمي

أول ما يلاحظ في الحالة التونسية أن هذا الحدث الكبير الذي هز العالم، لم يحدث جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والثقافية مثلما حصل إبان اندلاع أزمة الخليج الثانية، أو بالمقارنة مع ما يجري في دول عربية وإسلامية عديدة. قد يعود هذا الأمر لحالة ركود فكري مزعج يربطه البعض بتراجع الحريات العامة، وربما علله آخرون بتوقف حركة إنتاج الأفكار وإصابة المثقفين والجامعيين بخمول مزمن. أما إذا رجعنا لمجمل التعاليق التي صدرت في قالب تصريحات صحفية نجدها جاءت مخيبة لآمال الجهات الأمريكية أو الأوروبية، ومتباينة في الكثير منها مع التوظيف السياسي القصير المدى الذي ميز الموقف الرسمي.

لم يؤيد المثقفون التونسيون العمليات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر، فبنيتهم الفكرية لا يمكن أن تستسيغ قتل المدنيين بتلك الطريقة أو بغيرها، لكنهم لم يكتفوا بإدانة تلك الهجمات من حيث المبدأ كما فعلت الحكومة، وإنما حاولوا أن يفهموا دلالاتها السياسية والفلسفية، وأن يضمنوها معاني ودلالات تتجاوز لغة بيانات التنديد. يقول أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية د. فتحي التريكي " أنا لست موافقا على هذا النوع من التصدي، لكن لابد من الانتباه إلى هذه الظاهرة الجدلية الكبرى أنه كلما تغطرس بلد وحاول أن يضم العالم أجمع تحت أجنحته إلا وتعرض إلى هذه الأزمات ". وانطلق منها آخر ليؤكد أن ما حدث لم يثبت فقط أن الأيديولوجيا لم تمت، بل وأيضا أن الأيديولوجيا قد انتصرت على التكنولوجيا.

أما المؤرخ الكبير د هشام جعيط الذي يدين كل حركة إرهابية، اعتبر أن العملية " أشعرت الأمريكيين في عقر دارهم أنهم كغيرهم من البشر يضربون ويقتلون، وأنهم ليسوا في منأى عما يجري في فلسطين أو في أماكن أخرى من العالم ".

رؤية نقدية لسياسات الولايات المتحدة

من جهة أخرى كاد أن يجمع المثقفون على إدانة علاقة أمريكا والغرب ببقية العالم، وخاصة سياستها تجاه العرب والمسلمين. لم يكشف ذلك فقط عن موقف نقدي ومعادي أحيانا للولايات المتحدة، وإنما رفع الغطاء أيضا عن نزوع عميق نحو الدفاع عن الذات والهوية العربية الإسلامية لدى نخبة لا تخفي طابعها العلماني. واللافت للنظر أن العديد من هؤلاء مثل هشام جعيط رفض فكرة أن يكون مرتكبي تلك العمليات من العرب المسلمين " فالذين قاموا بالعملية هم أناس من الداخل، فهناك قوات مضادة أو حتى من الحركات الدينية المهمشة التي أفرزها العالم الحديث ".

بل إن الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي نفى أن يكون أسامة بن لادن قد اعترف في حديثه الأخير بأنه وراء التفجيرات. كما اعتبر جعيط ما تم " حدثا وقتيا لا يمس بفكرة التوازنات العالمية، وأن علينا نبذ الفكرة التي تروج لها خاصة وسائل الإعلام الفرنسية من أن ما يقع هو صراع بين الإسلام والغرب. فهذا غير وارد الآن، وأن النظام الدولي بالرغم من عيوبه سيستمر في تطير الإنسانية، وأن الحداثة ستستمر ".

كذلك لم يكتف المثقفون من اتخاذ موقف واضح من الحرب ضد أفقر بلد في العالم، بل أدانوا بشكل صريح مخاطر العقلية الأمنية التي سيطرت على خطاب السياسة الدولية في الأسابيع الأخيرة. ينطلق التريكي من مقولة المفكر السياسي توماس هوبز القائل " إنك لا تستطيع بالقوة أن تقضي على القوة )، فالقوة ( تتغذى من القوة، والظلم يتغذى من القوة )، ليؤكد من جهته أن من يستعمل القوة " للإخضاع فإنه سيجد من الخاضع إمكانية أن يكون إرهابيا ".

موقف النخبة من الإسلاميين

كما أظهرت النخبة وعيا جديا بمخاطر توظيف ذلك على الأصعدة المحلية سواء في تونس أو في البلاد العربية. ورغم أن الأجواء مناسبة لتعميق هاجس الخوف مرة أخرى من ملامسة موضوع الإسلاميين غير أن ذلك لم يمنع البعض من يتناول الأمر بشكل مثير وجريء، كقول د عبد السلام المسدي، وزير الثقافة السابق في إحدى حكومات الرئيس بن علي إن " الغرب سيتخذ من أسامة بن لادن رمزا للخلط بين الإسلاميين". ثم يتقدم خطوة أخرى فيقول " من يبق له شيء يخاف أن يفقده يصبح قويا بقوة اليأس".

وإذا كان د. أبو يعرب المرزوقي قد أيد مبدأ التحالف مع الغرب لمقاومة الإرهاب "حقيقيا كان أو وهما" بحجة الاستفادة مما اعتبره " فرصة تاريخية لحسم مسألة الاندراج المتدرج والنسقي في الحداثة وتحقيق شروط الاستقلال الحقيقية"، إلا أنه من جهة أخرى برأ الغرب من تهمة تعمد المماهاة بين الإرهاب والإسلام السياسي، وحمل مسؤولية ذلك إلى نخب العالم الإسلامي ذات الأيديولوجية العلمانية الشمولية والمتحالفة مع الأنظمة العسكرية الحاكمة بالإرهاب".

وأعتبر هذا الصنف من النخب هو الذي " يرفض كل تنويع وتدريج في النخب الدينية ". كما انتقد بسخرية الجهات التي وصفها ب " الأبواق التي تدعي السبق التاريخي في فهم ظاهرة الإرهاب الدولي قبل الغرب نفسه، وعدم فهم ما حذرته منه قياداتها الحكيمة بنباهتها وبعد نظرها المعهود ".

رغم غياب الجدل الواسع كما حصل في حرب الخليج الثانية، ورغم أن هذه الردود ينقصها العمق والتأسيس النظري، إلا أنها تعكس حرصا معرفيا على الاستقلال في الرأي، ورغبة في مواجهة خطاب مسطح يريد مسوقوه أن يجعلوا من الحرب على أفغانستان الشجرة التي تخفي الغابة. فمرة أخرى تكتشف أطراف عديدة أن النخب المحلية ليست طابورا خامسا.

صلاح الدين الجورشي/ تونس

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×