تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الهواجس الأمنية لأوروبا الموحدة

خافيير سولانا مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي وجورج روبرتسن أمين عام الحلف الأطلسي

(Keystone)

إلى جانب المصادقة على دستور جديد للاتحاد الأوروبي، شهدت القمة الأوروبية في اليونان عرض تقرير حول تعزيز السياسات الأمنية للاتحاد.

التقرير الذي قدّمه منسّـق السياسيات الخارجية خافيير سولانا يركّـز على أهمية أن تكون السياسة الأمنية الأوروبية متماسكة ومتكاملة

يشارك الاتحاد الأوروبي الولايات المتحدة من خلال الورقة التي عرضها منسق السياسة الخارجية للاتحاد خافيير سولانا على القمة الأوروبية في نهاية الأسبوع الماضي في تهيسالونيك، في تحديد المخاطر الجديدة التي تتهدد أمن الدول الديموقراطية، وتتمثل في الإرهاب الدولي وإمكانات حصول المنظمات الإرهابية على أسلحة الدمار الشامل.

وإذا كان المفهوم الأمني الأوروبي يختلف عن المفهوم الأمريكي في التأكيد على أهمية إقامة نظام دولي متعدد الأطراف، فإنه يشاطره خيار استخدام القوة لتحييد مصادر الأخطار الاستراتيجية.

البيئة الأمنية الجديدة

وتتسم البيئة الأمنية التي خلفتها الحرب الباردة بانفتاح الحدود وتزايد المبادلات وتنقل الرساميل واستخدام تكنولوجيا المعلومات واتساع مساحات الحرية، وهي ظروف مناسبة لتطور نشاط الجماعات غير الحكومية بما فيها الجماعات المشبوهة.

وفي المقابل، فإن العديد من النزاعات الإقليمية ازدادت حدة وأثرت بشكل مباشر على حياة ملايين الناس الذين كثيرا ما يكونوا ضحايا النزاعات المسلحة في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط.

وتستنتج الورقة الأوروبية بأن "أزمات كشمير وشبة الجزيرة الكورية تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على المصالح الأوروبية مثلما هو الشأن بالنسبة للنزاع في الشرق الأوسط والخليج".

إلا أن اتساع الثورة التكنولوجية والاقتصادية لا يعني زيادتها في كافة الأقاليم والبلدان، بل إن بعضها ازداد فقرا. فلا يتجاوز دخل الفرد دولارين في اليوم بالنسبة لنصف سكان المعمورة. وتُـفني المجاعة وسوء التغذية 45 مليون نسمة سنويا. وقد ازدادت بلدان ما وراء الصحراء الإفريقية فقرا بالنسبة لما كانت عليه قبل عشرة أعوام.

وتتعدد أسباب الفقر ومنها انعدام الاستقرار السياسي. ويمثل سوء الإدارة السبب الرئيسي. وتلاحظ الورقة الأوروبية بأن سوء إدارة الشؤون العامة والفساد وهشاشة المؤسسات الدستورية، تقود نحو انعدام الاستقرار المحلي والإقليمي.

وتتوقف الورقة الأوروبية عند مخاطر ارتفاع حرارة الكون وتصنفها ضمن مسببات انعدام الاستقرار، خاصة لجهة تنفير السكان ودفع تيارات الهجرة نحو مناخات أفضل.

كما أن ارتباط البلدان الصناعية بموارد الطاقة من الجنوب، يمثل مصدر قلقها والخوف على أمن التزود بموارد الطاقة. وتغطي واردات الطاقة 50 من حاجيات السوق الأوروبية. ويتوقع أن ترتفع النسبة نفسها إلى 70% في 2030 وغالبيتها تأتي من مناطق تعاني عدم الاستقرار في شمال إفريقيا والشرق الأوسط والخليج وروسيا.

المخاطر الجديدة

بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، أصبحت مخاطر تعرض البلدان الأوروبية لاعتداءات واسعة النطاق واردة. وتتسم الأخطار الجديدة، التي تهدد أوروبا، بأنها "متنوعة ويصعب تكهنها".

تواجه أوروبا ثلاثة أخطار، ويمثل الإرهاب الخطر الاستراتيجي الأكبر، وهو يهدد حياة عدد كبير من السكان، وتقتضي مواجهته كلفة عالية، ويهدد أيضا انفتاح المجتمعات والديموقراطية وقيم التسامح.

تختلف التنظيمات الإرهابية اليوم عن تلك التي شهدتها البلدان الأوروبية قبل ثلاثة عقود. كما أن الإرهاب يكتسي اليوم صبغة دولية، حيث ترتبط المنظمات بين بعضها البعض عن طريق شبكات الاتصال الإلكتروني.

وبينما كانت منظمات الإرهاب التقليدي تبحث عن المساندة في الوسط السياسي في مقابل عروض الاعتدال، فإن شبكات الإرهاب الحديث لا تتردد في استخدام العنف غير المحدود وقتل الكثير من الضحايا.

ولتحقيق هذا الغرض، فإنها تجد خيار البحث عن أسلحة الدمار الشامل أمرا مغريا. وتستنتج الورقة التي قدمها منسق السياسة الخارجية خافيير سولانا بأن "أوروبا تمثل هدفا للمنظمات الإرهابية وقاعدة لعملياتها. وقد اكتشفت أجهزة الأمن خلايا لتنظيم القاعدة في كل من بريطانيا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا".

والى جانب الإرهاب الدولي، فإن أمن البلدان الأوروبية يبدو مهددا بخطر انتشار أسلحة الدمار الشامل. وتعتبر الورقة الأوروبية أن هذا الصنف من الأسلحة يمثل "التهديد الأكبر لأمن البلدان"، وذلك على رغم إجراءات ومواثيق حظر الانتشار.

وتبرز الورقة الخطر الشديد الذي تمثله هذه الأسلحة في منطقة الشرق الأوسط على أمن أوروبا "، إلا أن الكابوس المزعج يتمثل في خطر تزود المنظمات الإرهابية بأسلحة الدمار الشامل"، وهو خطر متزايد مع اتساع انتشارها.

ويمكن لمجموعة إرهابية صغيرة أن تكبد بلدا خسائر جسيمة لا تحدث عادة سوى في النزاعات المسلحة. ويعتقد الخبراء بأن "الردع لا يكفي ولا يؤدي إلى أية نتيجة، لأن تطور العلوم البيولوجية سيزيد في غضون الأعوام المقبلة قدرات تنفيذ هجمات جرثومية".

وتمثل الجريمة المنظمة خطرا إضافيا على أمن الشعوب. وكثيرا ما يقود سوء إدارة الشؤون العامة والنزاعات المسلحة وتهريب الأسلحة الخفيفة والمخدرات، إلى إضعاف البنى التحتية للدول والمجتمعات.

واعتبرت الورقة الأوروبية التي قدمها سولانا في القمة الأخيرة باليونان أن الأوضاع السائدة في الصومال وليبيريا وأفغانستان نماذج حديثة تجسّـد انهيار مؤسسات الدولة جراء تراكم عناصر تفكك المؤسسات والبنى التحتية السياسية والاقتصادية. وعندما ينتفي دور الدولة، فإن الجريمة المنظمة تسود البلاد، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على أمن أوروبا التي تتعرض لتزايد نفوذ شبكات تجارة المخدرات والهجرة الوافدة عبر البلقان من آسيا ووسط أوروبا.

ويمكن أن تتداخل مخاطر الإرهاب، الذي يستخدم أقصى وسائل العنف وإمكانات التزود بأسلحة الدمار الشامل وانحلال أنظمة بعض الدول والجريمة المنظمة، فتشكل خطرا هائلا على الأمن الجماعي الأوروبي.

الأهداف الاستراتيجية

وتقترح الورقة الأوروبية "أن يساهم الاتحاد في دعم وترسيخ الاستقرار وتحسين إدارة الشؤون العامة في مناطق الجوار القريب من جهة، والمشاركة في وضع نظام أمني دولي متعدد الأطراف من جهة ثانية، ومواجهة التهديدات الأمنية، التقليدية منها والجديدة، من جهة ثالثة".

ويُـلـحّ منسق السياسة الخارجية في التحليل، الذي عرضه على القادة الأوروبيين، بأن مصلحة الاتحاد "تكمن في حسن سير البلدان المجاورة لأوروبا وحل النزاعات التي تشقها". وقد يكون توسيع الاتحاد أضاف عناصر الاستقرار والأمن. إلا أن امتداد حدوده في اتجاه الجنوب والشرق، قد جعلها تلامس مناطق التوتر.

لذلك، فإن أمن الاتحاد يقتضي أن يكون الحكم في بلدان الجوار مقبولا من شعوبها في الجنوب والشرق، وأن تقيم معها البلدان الأعضاء علاقات وثيقة على الصعيدين السياسي والاقتصادي".

ويمثل حل النزاع في منطقة الشرق الأوسط أولوية استراتيجية، ومن دونه سيكون حل المشاكل الأخرى المترتبة عنه مستحيلا. وعلى رغم اتفاقيات التعاون مع دول الجنوب، فإن منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط تظل تعاني مشاكل خطيرة ترتبط بركود الوضع الاقتصادي والتوتر الاجتماعي والنزاعات العالقة. ويتطلب الوضع متابعة مكثفة لبرامج التعاون في نطاق مسيرة الشراكة الأوروبية المتوسطية.

وعلى الصعيد الدولي، ولتعزيز روح النظام الدولي المتعدد الأطراف، يشجع الاتحاد الأوروبي تعزيز دور المنظمات والمؤسسات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية ومؤسسات النقد الدولية، وتشجيع الانخراط في عضويتها.

وتمثل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من خلال حلف شمال الأطلسي عنصرا أساسيا في النظام الدولي، وذلك بالنسبة للعلاقات والمصالح الثنائية، وأيضا لأغراض تعزيز دور المجموعة الدولية.

وتقول الورقة الأوروبية "إن الاستعداد للتحرك لفرض احترام القانون الدولي يمثل شرط مصداقية منظمة الأمم المتحدة". وتنصح الورقة بنشر الديموقراطية ودولة القانون وحماية حقوق الإنسان، كوسيلة لتعزيز النظام الدولي.

وتستنتج الورقة بان التهديدات القائمة اليوم تتسم بكونها متحركة ومعقدة، وتكمن في مناطق بعيدة. وقد ردت البلدان الأوروبية على تفجيرات 11 سبتمبر بإجراءات توحيد أنظمة تسليم المطلوبين بين البلدان الأعضاء، وإبرام اتفاقية التعاون القضائي بين الاتحاد والولايات المتحدة.

ووافقت البلدان الأعضاء في الفترة الأخيرة على برنامج مكافحة أسلحة الدمار الشامل، الذي يتضمن إجراءات تقوية وكالة الطاقة الذرية من ناحية، وإحكام مراقبة تصدير التكنولوجيا من ناحية أخرى. كما بدأت بلدان الاتحاد الأوروبي في الاضطلاع بمهام عسكرية في البلقان وأفغانستان وتيمور الشرقية وإفريقيا.

ولمواجهة الأخطار الجديدة، يجب استخدام وسائل الاستخبارات والإمكانات السياسية والعسكرية وغيرها". وتستنتج الورقة الأوروبية بأن استخدام الوسائل العسكرية ضروري في البلدان التي تنهار فيها مؤسسات الدولة، فيما تستخدم الوسائل الاقتصادية لإعادة الإعمار.

وتعتبر وثيقة خافيير سولانا أيضا أن الاتحاد الأوروبي يملك قدرات متعددة للتحرك، وتنصح البلدان الأوروبية بزيادة موازنة الدفاع وتجاوز ازدواجية الأدوار بين مختلف القوات المسلحة، وإعداد هياكل التخطيط المدني التي تمكن من إدارة الأزمات، والشؤون المدنية بعد حسم المعارك.

وسيرتبط جدوى التدخل الأوروبي بقدرة البلدان الأعضاء على توحيد وسائل استغلال معلومات الاستخبارات والتحاليل الدبلوماسية بشكل مشترك. وستتعزز هذه الجدوى الأمنية في حال تظافرت جهود كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، رغم اختلاف الأولويات والوسائل بينهما في كثير من الأحيان.

نورالدين الفريضي - بروكسل


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×