Navigation

يديّْ من تلمس؟ Sadia Khatri

كلنا نعلم بوجود تقنية الواقع الافتراضي منذ فترة، لكن إمكانيات هذا الواقع وشعبيته تفوق التوقعات وتتزايد وتنتشر بسرعة كبيرة. في الدورة الثانية والسبعين لمهرجان لوكارنو السينمائي التي انتظمت في صيف 2019، تم تخصيص حيّز من برنامج المهرجان، للاهتمام باستكشاف الجنسانية والهوية والحياة الجنسية. وكجزء من تكريم ضيف الشرف لهذا العام، المخرج الأمريكي جون ووترز، طُلب من ثماني مؤسسات، تقديم مشاريع في الواقع الافتراضي تحت شعار" العبث بالجنسانية Gender Bender". وجاء من بين هذه المشاريع وسائل وتجهيزات للواقع الافتراضي VR تُدعى "تبادل النوع الجنساني"، طورها فريق برشلونة التابع لمجموعة "الآلة التي تجعلك إنساناً آخر". 

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 مارس 2020 - 11:00 يوليو,
ساديا خاتري وصوفيا كاتو ماس (أكاديمية النقاد في الدورة 72 لمهرجان لوكارنو)

إن هذه الوسائل والتجهيزات متعدّدة التخصصات والمتطورة باستمرار، والتي أنشأتها مجموعة من الأصدقاء في برشلونةرابط خارجي، لم يكن الغرض منها أبداً أن تصبح جزءاً من دائرة مهرجان الأفلام. ومع ذلك، فقد لاقت قبولاً عند جمهورٍ عريضٍ من المهتمين بقطاع السينما، وتم تقديمها في العديد من المهرجانات السينمائية، بما في ذلك مهرجان روتردام السينمائي الدولي في عام 2016.

صوفي كاتو ماس طالبة وناقدة هولندية تتخذ من لندن مقراً لها، حيث تدرس دراسات الأفلام في جامعة كينغز كوليدج. وتركز صوفي في دراستها على تاريخ السينما المثيرة والإباحية. عملت في العديد من المهرجانات السينمائية، ومن بينها مهرجان روتردام السينمائي الدولي، و شاركت في لجنة تحكيم "موفي زون MovieZone " في متحف "آي للأفلام" في مدينة أمستردام عام 2016. كما شاركت في لجنة تحكيم "28 مرة للسينما" في مهرجان البندقية السينمائي عام 2018 وكذلك لجنة تحكيم الرسوم المتحركة في مهرجان ووتسبريت السينمائي- كامبريدج في عام 2019. وتقوم صوفي حاليًا بكتابة ملاحظاتها حول "أيام المؤلفين Giornate Degli Autori" في مهرجان البندقية السينمائي ، وتعمل على برنامج قصير ثلاثي الأبعاد لـ Delaware Road، وهو مهرجان الفنون الإلكترونية والبصرية المستقلة الذي يقام بالقرب من موقع ستونهنغ الأثري في المملكة المتحدة. Sofie Cato Maas

تقوم الفكرة الأساسية لهذه التجهيزات على "مبادلة" شخص لهيئة جسمه مع شخص آخر في الواقع الافتراضي المؤقت الذي يعيش فيه كلاهما. حيث يتم فصل شخصين يرتديان سماعات الواقع الافتراضي VR بواسطة ستار. وعندما ينظر كل منهما إلى نفسه، فإنه لا يرى جسده، بل جسد الشخص الآخر. وعلى أنغام الموسيقى التي تسمعها من خلال سماعات موضوعة على الرأس، يرشدك صوت هادئ إلى ما يجب القيام به تباعاً: أي جزء من جسمك عليك تحريكه، وما الذي يجب إمساكه بيديك، وكيف تتفاعل مع المساعديْن في الموقع. مفتاح نجاحك في التجربة هو أن تتحرك ببطء قدر الإمكان، وتعكس حركات شريكك في التجربة على الجانب الآخر من الستار.

هذه التجربة تستغرق خمس عشرة دقيقة، تمر بها بعدة مراحل، تزداد معها حدّة التوتر بشكل تدريجي. ففي البداية، أنت جالس، وتحاول استيعاب هذا الجسم الجديد، الذي تقوم باستكشافه شيئاً فشيئاً، من خلال ملاحظة أجزائه من زواياه المختلفة. ثم يرشدك الصوت المصاحب للوقوف والنظر إلى مرآة حيث ترى وجهاً آخر، ثم ينعكس جسم الشخص الآخر بالكامل في المرآة، ليبدو وكأنه جسمك.

وفي نهاية المطاف، يتم فتح الستار الذي يفصل بينك وبين شريكك في التجربة، ويكتمل الانتقال: تشاهد نفسك من خلال عيون الآخر.

فهم أعمق للآخـر

بعدما قمنا بتجربة التجهيزات في المهرجان بأنفسنا، تحدثنا إلى اثنين من أعضاء الفريق، وهما دانييل غونزاليس ومارت رويل، حول الهوية الجنسانية والتفاهم المتبادل والمستقبل الصاعد لإمكانيات الواقع الافتراضي.

في الواقع، تعرّف التسمية الأصلية لهذه التجهيزات: "الآلة التي تجعلك إنساناً آخر"، إلى حد ما عن نفسها. ويلعب الصوت الذي يرشدك خلال التجربة دوراً على درجة عالية من الأهمية. ويشرح مارت أن عملية السرد أساسية وحيوية: فهي تصلك بجسم الشخص الآخر وهويته من أجل تسهيل فهم أعمق له.

وعلى عكس الإصدارات الأخرى من المشروع، فإن عملية السرد في التبادل الجنساني لا تعتمد على اللغة، بل على الحركة؛ فعلى مدى خمس عشرة دقيقة، تستكشف تدريجياً هيئة جسم آخر وتتكيّف معه، لترى نفسك في نهاية المطاف من منظور الآخر، أي من منظور شخص ثالث. لكن التجسيم ليس فورياً؛ فهو نتيجة بناء متواصل يعتمد على السرد الذي تساعد أنت في إيجاده عبر إيماءاتك الخاصة.

نبعت فكرة "الآلة التي تجعلك إنساناً آخر" الأصلية، مما أسماه مارتي "فكرة أن تكون أو تصبح شخصاً آخر". ونظراً لأن الفريق كان قد بدأ بمجموعة من الأصدقاء من مختلف أنحاء العالم، فقد وجدوا أنفسهم يناقشون مراراً وتكراراً موضوع أن يتصور كل منهم نفسه مكان الآخر. وكان هذا المشروع، الذي أرادوا من خلاله تطوير الفكرة بإنشاء “آلة" تسمح بتجربة واقع وحقيقة شخص آخر، حتى وإن كانت هذه التجربة لفترة وجيزة. 

ساديا خاتري كاتبة وصحفية باكستانية. وعلى الرغم من أن نشأتها كانت في بوليوود، إلا أنها أصبحت ناشطة نسائية. وتكتب ساديا عن الخيال والقصص الروائية – كما تكتب عن المدن والجنسانية والهدوء والخيال العلمي – وهي تعمل حالياً على كتابها الأول عن حياة الشاعر الكشميري آغا شهيد علي. في عام 2015، شاركت ساديا في تأسيس مجموعة نسائية باسم "بنات دهاباس Girls at Dhabas"، تسعى إلى إعادة تصور وأرشفة تجارب النساء والأفراد غير الثنائيين جنسانياً، في الأماكن العامة، من خلال الصور والنصوص. ("دهاباس" هي مطاعم صغيرة على جوانب الطرق في باكستان. وهي - كمعظم الأماكن العامة في البلاد - يهيمن عليها الرجال). Sadia Khatri

تطبيقات تلبي الاحتياجات

يؤكد كل من دانيال ومارت على أن هذه التجهيزات لن تكون أبداً منتجاً نهائياً، بل إنها متحولّة ومتطورة دائماً، بحيث تتكيّف مع أغراض وغايات جديدة. وقد قاما باختبار أنواع عديدة من الموسيقى والقصص والعروض، كما عملا مع جماعات من الفئات الشعبية من أجل أن تلبي هذه التجهيزات احتياجات محددة.

فعلى سبيل المثال، تم تصميم نسخة معدّلة من المشروع لأطفال المدارس، الذين تم إخضاعهم لتجربة عسر القراءة (dyslexia)، في واقعهم الافتراضي من أجل أن يتفهموا وضع الأشخاص ذوي المهارات المختلفة. كما تم استخدام مبادلة النوع الجنساني على وجه التحديد مع أشخاص كانوا يفكرون في تغيير جنسهم وأرادوا تجسيد جسم تقليدي لأنثى أو لذكر.

وخلاصة القول بالنسبة لدانيال ومارت، أن المشروع يتمحور حول إنشاء مجموعة من الاحتمالات، والتعامل معه باعتباره "مساحة مفتوحة مسلية". 

إن "تبادل النوع الجنساني" إذن، لا تبدو التسمية الدقيقة والمناسبة كعنوان لهذه التجهيزات التي تستكشف انسيابية كل من الهوية والجنس. وفيما يتعلق بالمهرجان، فقد تمت التوصية بتجربة جهاز الواقع الافتراضي VR مع شخص آخر تم تعريفه على أنه شخص من جنس يختلف عنك. 

في الدورات الأخيرة، اكتسب الواقع الافتراضي مساحة متزايدة في مهرجان لوكارنو السينمائي مما يؤشر إلى أنه سيكون - على الأغلب - جزءا ثابتاً من المهرجانات المستقبلية. وتشدد ليلي هينستين، المديرة الفنية للمهرجان، على أن خياراتها مبنية على الجانب السردي والإبداعي في البيئة الافتراضية أكثر من الجانب التكنولوجي. Sofie Cato Maas

الجنسانية مقابل الجسد

قد تدفع هذه التسمية إلى التساؤل: لماذا تمت تسمية هذه التجهيزات بـ "تبادل النوع الجنساني"، في حين أن التسمية الأنسب هي "مبادلة الجسد"؟ ربما استُخدمت هذه التسمية لجعل الفكرة متناسبة مع موضوع "العبث بالجنسانية" في مهرجان لوكارنو. ومع ذلك، فعندما بدأت المجموعة البحث في هذا المشروع، كان ذلك بالفعل من أجل استكشاف الهوية الجنسانية.

يقول مارت إن لمبادلة الجسد تأثيراً كبيراً على هويته الجنسانية الخاصة به، من خلال السماح له باستكشاف جسده بطريقة مختلفة، بينما يوضح دانيال أن هدف المشروع بالنسبة له هو النظر إلى الآخرين بحب ودفء، في محاولة لتوسيع مفهومنا "للآخر".

وستكون الخطوة التالية في مشوارهما، هي استخدام الواقع الافتراضي لعرض قصص حياة اللاجئين والمهاجرين، بهدف تعزيز التعاطف والتفاهم، من خلال الحد من التحامل على الآخرين. فالهدف الأساسي لهذا المشروع بالنسبة لهما هو خلق الحوار بين الأطراف، وهو أمر لا يحدث دائما بشكل تلقائي.  

إن تجهيزات الواقع الافتراضي ليست بالضرورة آلة لنتحول إلى الآخر، وإنما هي آلة لنتحول إلى أنفسنا وإلى بعضنا البعض. فأنت حين تجرب هذه الآلة، فأنت لست أنتَ كلياً ولست الآخر كلياً، بل أنت كلاكما في هذا الفراغ الذي يفصلكما. 

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.