Navigation

انتخابات تونس.. ثم ماذا بعد؟

الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وحرمه ليلى يدليان بصوتهما في الانتخابات الرئاسية والتشريعية يوم 24 أكتوبر 2004 في ضواحي العاصمة التونسية Keystone

أسدل الستار على الانتخابات الرئاسية والتشريعية التونسية، بعد جدل صاخب استمر أربعة أعوام وبلغ أوجه خلال الاستفتاء الشعبي الذي حسم في شهر مايو 2002 مسألة تعديل الدستور ومكن الرئيس بن علي من التمتع بولايتين رابعة وخامسة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 أكتوبر 2004 - 17:43 يوليو,

واليوم يتساءل المراقبون في تونس عن طبيعة الخطوات المقبلة للرئيس بن علي ولمعارضيه.

لم تكن النتائج التي أعلن عنها وزير الداخلية التونسي مفاجئة لأحد. فباستثناء بعض التفاصيل الصغيرة، كان الجميع يعلمون مسبقا بأن الرئيس بن علي والتجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سيفوزان بأغلبية ساحقة.

فقواعد اللعبة التي وضعت بدقة وميزان القوى المهيمن من شأنهما أن يعيدا إنتاج نفس المشهد السياسي الذي قبلت به معظم أطراف المعارضة وأفرزته انتخابات 1994. لكن رغم تكرار نفس السيناريو الذي طبق خلال الانتخابات السابقة (1999)، فإن انتخابات 24 أكتوبر 2004 اختلفت شيئا ما عن سابقتها.

لقد حاولت السلطة أن تكون هذه المرة أكثر صبرا على خصومها ولو بقدر قليل. فهي لم تعترض على مرشح حركة التجديد (الشيوعي سابقا) للرئاسيات رغم علمها بالتغيير الهام الذي طرأ على خطها السياسي وانتقالها من خيار المعاضدة للسلطة إلى الوقوف على أرضية المعارضة المستقلة والاحتجاجية.

لقد كان بإمكان السلطة، خاصة بعد الحركية التي خلقتها "المبادرة الديمقراطية" في أوساط عديد المستقلين المغضوب عليهم، أن تضع العراقيل أمام المرشح للرئاسة محمد علي الحلواني، مثلما فعلت للحيلولة دون ترشح الأستاذ محمد نجيب الشابي الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي في مناسبتين متتاليتين.

وبالرغم من مصادرة السلطات للبيانين الإنتخابيين للمرشح الحلواني وللحزب الديمقراطي التقدمي وإسقاط خمس قوائم لهذا الأخير، إلا أنها سمحت بتمرير نوعية من الخطاب النقدي غير المسبوق عبر أجهزة الإذاعة والتلفزيون الرسميين. كما قررت - ولأول مرة - أن تتنازل عن الرقم السحري الذي لازم مختلف الانتخابات التي عرفتها تونس منذ استقلالها والمتمثل في نسبة 99 بالمائة وما فوق.

خطة السلطة .. تنجح

وبقطع النظر عن مصداقية الأرقام التي تم الإعلان عنها، فإن القول بأن حوالي 200 ألف تونسي قد صوتوا ضد الرئيس بن علي لم يكن أمرا مقبولا في المرحلة الماضية. لهذا فسر بعض الديمقراطيين وحتى جزء من الأوساط الديبلوماسية الغربية بأن ذلك "قد يكون مؤشرا عن استعداد الحكم للقيام ببعض التنازلات" في مجال الإصلاح السياسي.

كذلك أحجمت السلطة عن تطبيق القانون الذي أثار ضجة وردود فعل داخلية وخارجية، والمتعلق بمعاقبة كل تونسي يدلي بتصريح لوسيلة إعلام أجنبية خلال الحملة الانتخابية، وذلك بتغريمه بخطية مالية لا تقل عن 25 ألف دينار. وهو القانون الذي تحداه عديد المعارضين، الذين لم يكتفوا باستغلال كل فرصة أتاحتها لهم الفضائيات والإذاعات العربية والدولية، بل وتضمنت تصريحاتهم انتقادات لاذعة وتشكيكا ليس فقط في شرعية الانتخابات، بل وأيضا في شرعية النظام.

يمكن القول إذن بأن السلطة قد نفذت خطتها بنجاح. إذ بالرغم من أن الأرقام التي أعلنتها لم تقنع المعارضين والمراقبين والصحافيين الأجانب والأوساط الديبلوماسية، فقد تمكنت من فرض الأمر الواقع، وحافظت دون صعوبة على استمرارية الوضع السياسي برمته دون اللجوء إلى القيام بأي تعديل جوهري.

فإعلاميا لم تحتل الانتخابات التونسية على الصعيدين الإقليمي والدولي مكانة شبيهة بتلك التي فرضتها الانتخابات المغربية أو الجزائرية.

وباستثناء بعض اللوم المخفف الذي عبر عنه ناطق باسم الخارجية الأمريكية وتضمنه بشكل أكثر استبطانا بيان الاتحاد الأوروبي، فإن الأطراف الدولية الفاعلة، وفي مقدمتها واشنطن وباريس، قد عبرت عن عميق رغبتها في دعم النظام، وبالتالي "رحبت " ضمنيا بعدم حصول أي مفاجئات سلبية قد تنعكس على مصالحها الاستراتيجية في تونس.

إن أقصى ما طالبت به هذه الأطراف هو أن يغير النظام أسلوبه قليلا في التعامل مع معارضيه من الديمقراطيين، وذلك بفتح مجالات التعبير والتنظيم والحركة أمامهم، مع اقتناعهم بأهمية احتفاظ السلطة بالمبادرة. أي أنهم يريدون سلطة مركزية مرنة لكنها في الآن نفسه قوية تقف في وجه أي "توسع أصولي" غير مرغوب فيه.

تساؤلات

هل يتجه الحكم خلال المرحلة القادمة نحو تفريج الوضع السياسي، من خلال اتخاذ بعض الإجراءات النوعية، والاستجابة لبعض المطالب التي تضمنتها بيانات عديد الأحزاب التي شاركت في الحملة الانتخابية، ومنها أحزاب غير معادية للسلطة؟.

فعلى سبيل المثال خاضت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين حملتها تحت شعار " من أجل الإصلاح والمصالحة "، وطالب عديد المرشحين بإفراغ السجون من مساجين الرأي. وقد جاء الرد على على لسان علي الشاوش، الأمين العام للحزب الحاكم الذي اعتبر بأنه «لا توجد لدينا أزمة سياسية تستدعي الحديث عن مصالحة وطنية، فالقوى والأحزاب السياسية في بلادنا لا يمكن ان تشتغل او تنشط الا في اطار القانون الذي يمنع تشكيل الاحزاب السياسية على أساس ديني او عرقي او جهوي، او على أساس الجنس، والأحزاب التي تتشكل حسب قوانين البلاد تعمل بكل حرية، ومعنى ذلك وجوب امتثال الجميع للقانون». وأكد على أن " الغاية ليست الإصلاح من اجل الإصلاح، وإنما الإصلاح الذي يفيد والذي يمكن من التقدم».

رغم هذا التصريح الذي يتعارض كليا مع تطلعات جزء هام من الطبقة السياسية التونسية، غير أن البعض لا يستبعد احتمال أن تدخل السلطة بعض التعديلات غير الجوهرية على أسلوب تعاطيها مع الشأن السياسي. وينتظر هؤلاء خطاب الرئيس بن علي الذي سيلقيه بمناسبة الذكرى السابعة عشر لتوليه السلطة يوم 7 نوفمبر القادم، والذي يفترض أن يحدد التوجه السياسي لمرحلة ما بعد الانتخابات.

فالواضح أن عودة السلطة إلى أسلوب العصا الغليظة لتأديب من "أطال لسانه" هو احتمال ضعيف إن لم نقل مستبعدا. لهذا تستمر حالة انتظار "انفراج ما" لدى بعض الأوساط السياسية، خاصة وأن السلطة خرجت قوية من الانتخابات الأخيرة رغم إخفاقها في بعض عناصر الإخراج وحتى الذين يشككون في شرعيتها لا يمكنهم إنكار أنها هي التي تملك بمفردها زمام المبادرة، وأن المعارضة لا تزال تبحث عن الوسائل التي تمكنها من فرض نفسها كطرف مؤثر على المعادلات الداخلية.

فعلى سبيل المثال، لقد عجزت منظمات حقوق الإنسان وحركة النهضة، رغم سنوات طويلة من الاحتجاج وممارسة الضغوط، عن تحريك ملف المساجين السياسيين. وهو في مقدمة الملفات التي أحدثت ولا تزال ضررا فادحا بسمعة النظام وتونس على الصعيد العالمي، ومع ذلك فإن قرار غلقه نهائيا هو بيد الرئيس بن علي. وفي اللحظة التي يفصل فيه هذا الموضوع بين بعديه السياسي والإنساني، فإنه قد يأخذ طريقه نحو الحل ولو بشكل تدريجي وعبر مراحل. إنه ميزان القوى الذي تدور حوله سياسة المرحلة.

قطب ديمقراطي في الأفق؟

أما بالنسبة للمعارضة الاحتجاجية التي تميزت بنشاطها المكثف خلال الأسابيع الأخيرة، فهي تجد نفسها مدعوة لتدعيم التنسيق بين أجزائها، وتجاوز خلافاتها السابقة. ورغم أن اجتماع باريس الذي جمعها يوم 16 أكتوبر كان أشبه بتقاطع فرضته مناسبة الانتخابات الأخيرة، إلا أنه أعاد الأمل لدى البعض في احتمال تنشيط المساعي السابقة من أجل بناء "قطب ديمقراطي"، أو جبهة تعمل من أجل توسيع دائرة الحريات العامة. ولعل البيان الذي أصدرته أربعة أحزاب (الديمقراطي التقدمي والتكتل الديمقراطي من أجل الحريات والعمل والمؤتمر من أجل الجمهورية وحزب العمال الشيوعي التونسي)وضمنته طعنا في شرعية الانتخابات، قد يشكل بداية العودة للتنسيق بين هذه الأطراف.

لكن اللافت للانتباه أنه بالرغم من أن حركة التجديد قد أصبحت، أكثر من أي وقت مضى أقرب إلى هذه الدائرة بعد أن أبعدتها تجربة "المبادرة الديمقراطية" نهائيا عن السلطة وحساباتها، إلا أنها لم تكن من بين الموقعين على ذلك البيان. ومهما تكن الأسباب الظرفية التي يمكن أن تكون وراء ذلك، فالمؤكد أن كل تأجيل لبناء هذا "القطب" سيزيد من تهميش المعارضة، ويجعل التونسيين وكذلك الأطراف الدولية المعنية على اقتناع بأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان.

صلاح الدين الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.