Navigation

انتخابات "حيادية" بنتائج "مضمونة" سلفا !؟

swissinfo.ch

قبل 3 أشهر عن موعد الانتخابات الرئاسية، تتضارب التوجهات حول كيفية تسيير البلاد بين الرئيس بوتفليقة والمعارضة الوطنية والعلمانية، والإسلاميين.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 يناير 2004 - 16:55 يوليو,

لكن الصورة أكثر تعقيدا من هذا الطرح المبسط، لأن كل طرف يُخفي أفكارا لا يمكن إعلانها بصراحة، رغم تأكيد الجيش الجزائري أنه "على علم بنوايا الجميع"..

من الدوحة، طالب عباسي مدني، زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ بوقف لإطلاق النار بين الجماعات المسلحة والجيش، أي أن البلاد لا زالت، حسب تقديره، تعيش حالة حرب خطيرة تتساوى فيها المؤسسة العسكرية مع الجماعات الإرهابية، طبقا لتعريف القواميس الأمنية في حقبة ما بعد أحداث 11 سبتمبر.

وبطبيعة الحال، رفض الجيش الجزائري طرحا كهذا، لأنه يُسوي بين الجزائر الجمهورية العلمانية، وأخرى "فوضوية غير آمنة"، حسب تصور عباسي مدني والسيدة لويزة حنون، زعيمة حزب العمال اليساري التي أخبرت الرئيس الجزائري في لقاء جمعهما في قصر الرئاسة في غضون الأسبوع الثاني من شهر يناير، أنه "يجب تأجيل الانتخابات الرئاسية، لأن الجو السياسي غير مناسب، وقد تتعفّـن الأوضاع بعد الانتخابات بسبب الانقسامات داخل جبهة التحرير الوطني".

وفيما لم يبتعد عباسي مدني في تصريحاته يوم 15 يناير في العاصمة القطرية عن رؤية لويزة حنون، إلا أنه أضاف أشياء أخرى نأت بالجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة عن شبهة مساندة عبد العزيز بوتفليقة أو علي بن فليس، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني. ومن بين الإضافات تأكيده على أن الجبهة لن تُـناصر أحدا خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأنها تطالب بإقرار دستور جديد تتّـفق عليه الطبقة السياسية الجزائرية.

عمليا، خلطت تصريحات مدني أوراق حسابات سياسية كانت تخمـن بأن جزءا من الأصوات المحتملة لأنصار الإسلاميين (التي تقدّر بثلاثة ملايين)، ستتجه إلى بوتفليقة أو إلى علي بن فليس، حيث تأكّـد أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ لن تصوّت إلا على مرشح إسلامي قد يكون أحمد طالب الإبراهيمي، وزير الخارجية الأسبق أو عبد الله جاب الله، زعيم حركة الإصلاح الإسلامية.

حسابات حركة "حمس".. الشـاذّة!؟

أما حركة مجتمع السلم الإسلامية التي يتزعمها أبو جرة سلطاني، فلن تحلم، حسب أغلبية المراقبين، بأن يُـصوت أنصار الجبهة المحظورة لفائدة مرشّـحها، هذا إن كان لها مرشح أصلا، لأن أسلوب "حمس" في التعاطي مع مفردات السياسة الجزائرية تُـحيّـر الكثيرين بمن فيهم أغلب الإسلاميين.

ففي الأيام الماضية، اتّـهمت عـدّة قيادات إسلامية جزائرية حركة مجتمع السلم "بالخيانة"، لأنها قدّمت وعودا بمنح أصواتها للإسلاميين في محافل برلمانية، ثم تراجعت دون سابق إنذار وأدلت بأصواتها لفائدة علمانيين مقربين من الرئيس بوتفليقة أو تابعين لحزب رئيس الحكومة أحمد أويحيى.

وتمثل حركة مجتمع السّـلم "توجّـها شاذا" مقارنة بطريقة تفكير معظم الإسلاميين في الجزائر. فعندما تريد أغلبيتهم التقدم بمرشح واحد يضمَـن وصول ممثل عن التيار الإسلامي إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية المقبلة، تَـرد حركة مجتمع السلم بأن الجيش لن يقبل بوصول مرشح إسلامي إلى الرئاسة في كل الأحوال. لذلك، "تصبح عملية دعم إسلامي في الدور الأول دون معنى"، حسب رأيها.

على العكس من ذلك، يعتبر معظم الإسلاميين أن وصول مرشح منهم إلى الدور الثاني سيُـعزز من وضعهم على الساحة السياسية الوطنية، بما يخدم تقدم مجمل التيار في السنوات المقبلة، إلا أن ما يُـناقض هذا الاتجاه هو تأكيد قيادات حركة مجتمع السلم على أنها مهتمّـة بالحصول على وزارات جديدة وسفراء من أعضاء الحركة (يُـعيِّنهم بوتفليقة أو غيره) أكثر من اهتمامها بتقدم التيار الإسلامي ككل.

ورغم هذا الانقسام داخل الحركة الإسلامية الجزائرية، لا تعتقد الطبقة السياسية أن تحركات "حمس" ستغيِّـر كثيرا في المُـعطيات الرئيسية للانتخابية الجزائرية، لأن نسبة مهمة من أنصار الأحزاب والتيارات الإسلامية تُـعارض توجّـهات أبو جرة سلطاني وزملائه.

كابـوس الدور الثاني

ومن ناحية أخرى، أكّـد الشيخ عبد الله جاب الله، زعيم حركة الإصلاح أن تصريحات الشيخ عباسي مدني لم تأت بجديد، وأنها تكرار لما قاله زعيم الجبهة المحظورة منذ شهور عديدة.

وتجدر الإشارة إلى أن كثرة الحديث عن حظوظ الإسلاميين في الوصول إلى الدور الثاني، سببها تخوف هائل من قِـبل المعارضين لبوتفليقة داخل التيار الوطني والعلماني من الحسابات الانتخابية التي تؤكّـد أن بوتفليقة سيصل إلى الدور الثاني بنسبة تتراوح بين 30 و35%، وهو ما من شأنه أن يحصِـر هوية الفائز الثاني في الدور الأول بين علي بن فليس، أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني، وعبد الله جاب الله، زعيم حركة الإصلاح، والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، زعيم حركة الوفاء، وهو تنظيم محسوب على الإسلاميين. كما أن هناك احتمالا ضعيفا قد يصل بمُـوجبه مولود حمروش، رئيس الحكومة الأسبق إلى الدور الثاني.

هذه الاحتمالات دفعت المراقبين إلى الاعتقاد بأن الجيش الجزائري لن يتدخّـل هذه المرة إلا في فرضية واحدة كي يحدد نتائج الانتخابات، أي في حالة وصول مرشح إسلامي إلى الدور الثاني ممثلا بجاب الله أو الإبراهيمي. وعندها، سوف تستعمل مفاهيم من قبيل "حماية الجمهورية والدستور" من أجل ُمنع إسلامي من الوصول إلى قصر المرادية.

غير أن عدم وصول إسلامي إلى الرئاسة بسبب عرقلته في الدور الثاني من الانتخابات بشتى الوسائل الممكنة، سيعني أن "أصحاب القرار" اضطروا إلى الإقدام على فعل ذلك، وهذا يمثل بحق أسوأ كابوس يُـمكن أن يحدُث للتيار الممثل لحزب جبهة التحرير الوطني التي يتزعّـمها علي بن فليس.

خيــط دقــيــق

هذا الكابوس تحوّل في واقع الأمر إلى حلم يُـراود بوتفليقة ومجموعة من الإخوانيين "المتميّـزين" في حركة مجتمع السلم، بالإضافة إلى وزير الخارجية عبد العزيز بلخادم، قائد ما يُعرف بالحركة التصحيحية داخل جبهة التحرير الوطني، وأحمد أويحيى، زعيم التجمع الوطني الديمقراطي.

وبين هذا وذاك، يرى الجيش الجزائري أن الأهم هو إجراء انتخابات حيادية نتيجتها عدم وصول إسلامي لمنصب الرئيس، وهذا اختيار دقيق جدا لأنه أشبه ما يكون باللعب بالنار. وتُـظهر بعض الحسابات البسيطة أن جبهة التحرير الوطني، حزب "الأغلبية المعارض"، لا يملك سوى أصوات مليوني مناضل، مقابل الملايين الثلاثة للإسلاميين، وملايين أخرى من المجهولين الذين يصوتون حسب مزاج الدقائق الأخيرة، وهو ما يجعل لأصواتهم وقعا هائلا على مصير المرشحين.

لذلك، تحاول المؤسسة العسكرية التحرك على خيط دقيق يسمح للإسلاميين بالمشاركة في الرئاسيات من دون أية قيود تُذكر، فيما تتحرّك بعض الدوائر لتؤثر بما تملك من قوة خفية على عرقلة وصول الإسلاميين إلى الدور الثاني، وهي لعبة يستغلها بوتفليقة بذكاء كبير دفع قيادات حركة مجتمع السلم إلى تبرير مساندتها لبوتفليقة بالخوف من إمكانية ضياع الوزارات والسفارات والنفوذ.

كل الاحتـمـالات

في ظل هذه الأوضاع والحسابات، لم يعد للطبقة السياسية الجزائرية من هـمّ، سوى محاولة الإجابة على سؤال يتيم: ما هي الاحتمالات التي ستعيشها الجزائر في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

فعندما يفوز بوتفليقة، لن تتغير الأوضاع عما هي عليه الآن، أما إذا ما فاز بن فليس، فقد يتعرف الجزائريون على جيل جديد من الوزراء لا يؤمن بعضه بتدخل الإدارة وبانغلاق البنوك. أما إذا ما تمكّـن مرشح إسلامي من الوصول إلى الدور الثاني، فقد تزداد احتمالات تدخل أنصار الجمهورية العلمانية، تماما كما حدث في موفى ديسمبر 1991.

ويُـعطي هذا الاحتمال صورة عن درجة الاحتقان التي لا زالت قائمة داخل الطبقة السياسية الجزائرية، ذلك أن عشرة أعوام من العنف الأعمى لم تُـسفر عن فهم متبادل للأفكار أو استعدادا للتعايش والقبول بالاختلاف، بل إن الشك في الآخر لا زال عُـملة رائجة.

وعلى ضوء هذه الاحتمالات المتفاوتة الخطورة والنتائج، تَـبيّـن أن الإسلاميين، ما عدا حركة مجتمع السلم، لا يُبالون بحدوث مكروه سياسي لمرشحهم في الانتخابات إذا ما وصل إلى الدور الثاني، لأن هذا يجسّـد قوتهم ووزنهم في الساحة السياسية، وهو ما يريد أكثرهم بيانه.

أما الوطنيون بقيادة جبهة التحرير الوطني، فسيعتبرون وصول بوتفليقة إلى الرئاسة للمرة الثانية كارثة وطنية تؤخّـر البلاد خمسة أعوام كاملة، لأن الرجل برأيهم لا يملك برنامجا واضح المعالم، كما أنه شغوف بالرأي الواحد، على حد تعبير علي بن فليس.

وبطبيعة الحال، سيرتاح بوتفليقة عند فوزه وسيفرح أنصاره وسيستمر في تطبيق برنامجه السياسي والاقتصادي، إلا أن العلمانيين الراغبين في دولة جزائرية على الطراز الغربي، سيرون في فوز بوتفليقة تأكيدا لرؤيتهم حول تطور الحياة السياسية بفوضويتها التي لا تنتهي.

أما الجيش، فقد يرتاح لوصول بوتفليقة إلى الرئاسة مرة ثانية، وسيرتاح أكثر إذا ما فاز غيره. أما هل سيرتاح إذا ما اضطر للتدخل كي يغيّـر نتيجة تعكس الواقع المتناقض في الجزائر؟ فذلك سؤال تصعب الإجابة عليه، لأن الأوضاع تغيّـرت عما كانت عليه قبل اثني عشر عاما.

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.