Navigation

مبادرة الخطيب: تكتيك بارع.. ولكن؟

معاذ الخطيب، رئيس المؤتمر الوطني السوري Keystone

"معاذ الخطيب، هو أبرع التكتيكيين الذين أفرزتهم المعارضة السورية. فاقتراحات جسّ النّبْـض التي قدّمها لبشار الأسد، كانت ذكية وبدا أنها تخلخل وِحدة الطائفة العلوية، كما أنها دفعت وزيريْ خارجية إيران وروسيا إلى طلب الاجتماع به".

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 فبراير 2013 - 13:00 يوليو,
سعد محيو - بيروت, swissinfo.ch

هكذا أطلّ الكاتب البريطاني في "فايننشال تايمز" ديفيد غاردنر (6 فبراير2013) على المُفاجأة التي أطلقها رئيس الائتلاف الوطني السوري، حين اقترح بدْء الحوار مع نظام الأسد من زاوية إنسانية (إطلاق سراح 160 ألف مُعتقل في مقدّمتهم المُعتقلات من النّسوة)، وهذا كان تقييماً في محله.

فالمبادرة أحدَثت ردود فِعل سريعة داخل الطائفة العلوية، التي كانت حتى الآن لا تزال مُتماسكة وراء آل الأسد - مخلوف، والتي وجدت فيها مَخرجاً من حرب أهلية زاحِفة لن يخرج منها العلويون بسلام، بسبب الخلل الديمغرافي الكاسح مع الأغلبية السُنّية.

وهكذا نسب صحفيون غربيون إلى رئيس عشيرة علوية (ومعظم العلويين من العشائر) قوله: "لقد بتنا في حاجة إلى معطف جديد، لأن المعطف الحالي (أي آل الأسد - مخلوف)، لم يعُد قادراً على حِمايتنا".

.. وردود دولية

بيْد أن التأثير الأهَم لمبادرة الخطيب، في حال لم تؤدِّ إلى تقسيم المعارضة بدل قسمة الموالاة بسبب معارضة جماعة الإخوان المسلمين السورية لها، كانت على الصعيد الدولي.

فإضافة إلى الشرخ الأولي، الذي أحدثته في الصف الروسي - الإيراني، كانت المبادرة تدعم عمَلياً العديد من الأطراف في الإدارة الأمريكية التي كانت تضغط لتغيير الموقف الاستنكافي الأمريكي حِيال الأزمة السورية، وهو ضغط كان واضحاً في شهادة وزير الدِّفاع السابق بانيتا أمام الكونغرس، والتي كُشِف النِّقاب خلالها عن أن كلاً من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (السي.أي آي) ووزارة الخارجية، أجمعوا كلهم على ضرورة تسليح بعض فصائل المعارضة السورية، بهدف حسْم الموقف هناك.

بيْد أن الرئيس أوباما، ولاعتبارات انتخابية بحْتة، علاوة على رغبته في عدم إغضاب إسرائيل، التي كانت لا تزال تعتبِر نظام الأسد ضمانة أمنية لها ولاستمرار سيطرتها على مرتفعات الجولان الاستراتيجية، رفض كل هذه المطالب واكتفى بالإختباء وراء الفيتو الروسي في مجلس الأمن لينأى بنفسه عن الأزمة السورية.

أما الآن فقد انتهت الانتخابات الرئاسية وسيكون على أوباما من الآن فصاعداً أن يكون واضحاً في الإختيار بين أحد أمريْن: إما إدارة الظهر نهائياً لسوريا أو الدخول بقوة على خطّ أزمتها لحسْم الأمور هناك، لغير صالح طرفيْن متناقضيْن معا: إيران والجهاديين معا.

صحيفة "واشنطن بوست"، التي تعبّـر عادة عن آراء أو توجّهات البنتاغون الأمريكي، نشرت قبل أيام تقريراً مُثيراً يعبِّـر عن القلق الذي يعتري المؤسسة العسكرية الأمريكية، من احتمال تعزيز النفوذ الأمني - العسكري الإيراني في سوريا، على رغم حالة الاستنزاف المالي -  الاقتصادي الكبير، التي تعاني منها طهران بسبب دعمها للنظام السوري.

فقد تحدّث التقرير عن قِيام إيران بتشكيل وتدريب وتسليح ميليشيا علوية - شيعية في سوريا، تضم 50 ألف عُـنصر، كوسيلة لضمان الحِفاظ على وجودها في المناطق العلوية على ضِفاف البحر المتوسط، في حال سقط نظام الأسد. والأخطَـر، أن التقرير أشار إلى احتِمال إقامة تواصُل جغرافي بين هذا الكِيان العلوي وبين الشيعة، شرقِي لبنان.

هذا التطور، لن يكون بالطبع مقبولاً، لا لدى البنتاغون ولا لدى تل أبيب، لاعتبارات استراتيجية واضحة، تتعلّق بالصِّراع العام مع إيران على كلّ الرّقعة الشرق أوسطية، وبالتالي، كان نشْـر هذا التقرير على هذا النحو المثير، رسالةً واضحةً من فوق الماء إلى الرئيس أوباما نفسه، الذي يتعيَّـن عليه الآن أن يستبدِل اعتباراته الانتخابية بالاعتبارات الاستراتيجية، التي تمس الأمنيْن القومييْن، الأمريكي والإسرائيلي معاً.

لقد أعلن أوباما، في خطابه أمام الكونغرس يوم 12 فبراير 2013 عن حالة الاتِّحاد، أنه "سنواصل الضّغط على النظام السوري الذي يقتل شعبه، وسندعم قادة المعارضة الذين يحترمون حقوق كل سوري".

فهل كانت هذه إشارة إلى بدْء تغيّر ما في موقفه؟ نعتقد ذلك، على رغم أن العديد من المحلِّلين لم يرَوْا في ذلك جديداً، لأن أوباما كان يدعو منذ أغسطس 2011 إلى رحيل الأسد عن السلطة ولم يفعل شيئاً لوضع ذلك موضِع التنفيذ.

سبب هذا الإعتقاد هو أن هذا الموقف يعني أن المفاوضات الأمريكية - الروسية لإيجاد تسوية سياسية للأزمة السورية، لم تفض بعدُ إلى أيّ اتِّـفاق وأن واشنطن ستكون مدفوعة في قادِم الأيام إلى "التفاوض بالرّصاص" مع الروس على الأرض السورية نفسها.

كيف؟ عبر الانضمام المُباشر إلى الحرب بالواسطة ( Proxy war) التي تنغمِس فيها الآن السعودية وقطر وتركيا من جهة، وإيران وروسيا (وإلى حدٍّ ما الصين مالياً) من جهة أخرى. وإذا ما حدث ذلك، والأرجُح أنه سيحدُث، خاصة بعد الغارة الجوية الإسرائيلية على قافلة صواريخ سام -17 التي كانت متَّجهة من سوريا إلى لبنان والتي أشّـرت على دخول تل أبيب على خط الأزمة ضد إيران وحليفها اللبناني حزب الله، فإن الحرب السورية ستدخُل مرحلة صاخِبة جديدة، ستزج فيها الأطراف الإقليمية - الدولية بكل أسلحتها لمحاولة تغيير الجمود الرّاهن في موازين القِوى لصالحها.


أي مَـخرج؟

هل ثمّة مخرّج ما من هذه الورطة الكارثية في بلاد الشام؟ التكتيكي البارع معاذ الخطيب قدّم للطائفة العلوية وأيضاً للأطراف الخارجية المتوجِّسة من انفجار كل المشرق العربي على يَد الصاعق السوري، مثل هذا المَخرج.

وإذا ما التقط حُكماء هذه الطائفة طرف خيْط هذه المبادرة، التي أشارت ضمناً إلى ضرورة رحيل الأسد عبْر دعوتها إلى الحِوار مع فاروق الشرع ومضوا قُدماً فيها ، فسيكون ثمّة بصيص نور في آخر هذا النفق المُظلم.

لكن هذا بالطبع إذا ما كان لا يزال بالمُستطاع بعد لمّ شمل الوطن السوري المُبعثر، في إطار كيان سياسي موحّد أو حتى فدرالي!

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.