تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

بدأت منذ الأربعينات وساطات سويسرا في العالم العربي.. من الجزائر إلى لبنان!

بقلم


حفل توقيع اتفاق الهدنة في جبال النوبة بالسودان بوساطة سويسرية في منطقة بورغنستوك في 19 يناير 2002

حفل توقيع اتفاق الهدنة في جبال النوبة بالسودان بوساطة سويسرية في منطقة بورغنستوك في 19 يناير 2002

(Keystone)

تعرض سويسرا مساعيها الحميدة في العالم العربي منذ أربعينات القرن الماضي، بحيث استفادت منها كل من مصر، والعراق، والسودان، ولبنان وفلسطين. ومثّل تنظيمها لمفاوضات إيفيان التي أدت إلى استقلال الجزائر عن فرنسا في عام 1962 ذروة دور الوساطة السويسرية.

واليوم، يُؤكد المسؤولون أن الكنفدرالية لا زالت على استعداد لتقديم المزيد للإسهام في حل الصراعات بالمنطقة إذا ما توفرت الظروف، وطلبت منها الأطراف المعنية ذلك.

إلى جانب الكليشيهات التقليدية التي تُعرف بها سويسرا في الخارج (الشكولاتة والمصارف وصناعة الساعات)، هناك أيضا دور الوساطة الذي تقوم به الكنفدرالية في محاولات حل الصراعات والخلافات بين الدول، أو ما يُعرف بسياسة المساعي الحميدة.

وقد تتمثل تلك المساعي في مجرد حماية المصالح الدبلوماسية لدولة قطعت علاقاتها مع أخرى بسبب خلاف أو صراع، أو قد تتخذ شكل استضافة الأطراف المتنازعة، وتوفير الظروف الملائمة لها من أجل إجراء مفاوضات بشأن حل الخلاف القائم بينها. وعلى مدى العشريات الماضية، كانت لسويسرا تجارب كثيرة في هذين الميدانين مع بلدان المنطقة العربية.

تمثيل المصالح الدبلوماسية

وبالعودة إلى شيء من التاريخ، ومنذ أن أقامت سويسرا علاقاتها الدبلوماسية مع الدول العربية التي كانت مستقلة في ثلاثينات القرن الماضي، حتى وجدت مجالا لتطبيق سياسة المساعي الحميدة التي بدأت تتخذها كركيزة لسياستها الخارجية. 

وفي هذا السياق، تولت سويسرا تمثيل المصالح الدبلوماسية في مصر لكل من إيطاليا في عام 1940، وفرنسا وبريطانيا في عام 1956 (في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر)، ولا زالت تتولى رعاية مصالح إيران في القاهرة منذ عام 1979 (في أعقاب إسقاط الثورة الإسلامية لحكم الشاه رضا بهلوي).

كما سهرت سويسرا على رعاية المصالح الدبلوماسية لألمانيا في العراق، والمصالح الدبلوماسية العراقية في دول المحور أو الواقعة تحت احتلالها، خلال فترة الحرب العالمية الثانية (أي ما بين عامي 1939 و1945). واستمرت في رعاية المصالح الدبلوماسية لفرنسا في العراق، وللعراق في فرنسا ما بين عامي 1956 و1963. وسهرت أيضا على تمثيل مصالح العراق في ألمانيا الإتحادية ما بين عامي 1965 و1970.

وما من شك في أن المهمة الأكثر شهرة في هذه المساعي الحميدة، ولو أن الأمر لا يتعلق ببلد عربي، هي تلك التي تولت فيها سويسرا رعاية المصالح الأمريكية في إيران عقب قيام الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني في عام 1979 ثم قيام الطلبة الإيرانيين باقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز الرهائن في نوفمبر من نفس السنة. وقد مرت هذه المهمة بمراحل توتر كبيرة تطلبت من الدبلوماسية السويسرية بذل الكثير من الجهد والتحلي بالحذر للإستمرار في رعاية المصالح الأمريكية في إيران والمصالح الإيرانية في الولايات المتحدة.

المساعي الحميدة

يُـستعمل مصطلح المساعي الحميدة عندما يعرض طرف ثالث وساطته لمحاولة وضع حدّ لخلاف أو لتسهيل الاتصال بين الطرفين المتنازعين.

بشكل عام، يُـقصد بهذا المصطلح كل مبادرة أو مساهمة تساعد على إقرار السلام والتعاون الدولي.

جعلت سويسرا، باعتبارها بلدا محايدا، على الدوام من المساعي الحميدة أحد أعمدة سياستها الخارجية.

يمكن أن تتخذ المساعي الحميدة، أشكالا مختلفة، مثل تنظيم مؤتمرات دولية وتمثيل المصالح الأجنبية وإيواء المنظمات الدولية وما شابه ذلك.

نهاية الإطار التوضيحي

مفاوضات سلام برعاية سويسرية

الوجه الثاني للمساعي الحميدة يتمثل في استضافة الأطراف المتنازعة لإجراء مفاوضات أو مباحثات فوق الأراضي السويسري، وتوفير الظروف الملائمة لإنجاحها.

وقد استفادت المنطقة العربية من المساعي الحميدة السويسرية في هذا المجال في عدة مناسبات، لعل أهمها هو استضافة ممثلي الحكومة الجزائرية المؤقتة لإجراء مفاوضات مع السلطات الفرنسية المستعمرة ما بين عامي 1961 و1962.

هذه المفاوضات، التي عُرفت بمفاوضات إيفيان (وهو منتجع فرنسي على ضفاف بحيرة ليمان يقع قُبالة مدينة لوزان) جرى خلالها وضع اللمسات الأخيرة على استقلال الجزائر، انتهت مرحلتها الأخيرة فوق التراب الفرنسي، إلا أن وفد المفاوضين الجزائريين كان مُقيما في الأراضي السويسرية ويتم نقله كل يوم الى موقع المفاوضات على الجهة الأخرى  من الحدود.

إضافة إلى ذلك، شهد التمهيد لمفاوضات إيفيان عدة مراحل أنجزت فوق التراب السويسري في مدينتي نوشاتيل وبازل، إضافة الى لقاءات سرية عُقدت في جنيف. وقد لعب السويسريون دورا هاما في إنجاح هذه المفاوضات، بدءا بالصحفي السويسري شارل هنري فافرو الذي كان أول من ربط الإتصال بين رسميين فرنسيين وممثلين عن الثورة الجزائرية، ومرورا بالخارجية السويسرية، التي عيّنت - بالإضافة الى توفير الظروف الملائمة - ممثلا لها للسهر على سير تلك المفاوضات في شخص الدبلوماسي أوليفي لونغ، الذي لعب دورا نشيطا لتجنيبها مراحل التأزم.

لبنان هو الآخر استفاد من هذه المساعي الحميدة عندما تم تنظيم ندوة الحوار بين ممثلين عن مختلف الطوائف اللبنانية في مسعى لإنهاء الحرب الأهلية. وعُقدت المرحلة الأولية من الحوار في جنيف ما بين 31 أكتوبر و4 نوفمبر 1983، إلا أن الظروف الميدانية (في لبنان) لم تسمح حينها بنجاحها. ثم استضافت مدينة لوزان المرحلة الثانية ما بين 12 و20  مارس 1984، شاركت فيها رموز لبنانية بارزة من أمثال بيار الجميل، ووليد جمبلاط، ونبيه بري. وتمخضت عن اتفاق حول ورقة عمل تبنت طريقة جديدة في تقاسم السلطة بين الطوائف المختلفة، وترسيخ مبدأ الإستفتاء الشعبي، ومحاولة الإابتعاد عن المحاصصة الطائفية.

وفي عام 1988 كانت جنيف محط اهتمام الإعلام الدولي باحتضانها لمفاوضات طابا بين إسرائيل ومصر، والتي سمحت بالتحكيم في هذا الخلاف الذي كاد أن يعرقل تطبيق اتفاق السلام المبرم في عام 1979 بين البلدين؛ وهو التحكيم الذي انتهى باستعادة مصر لكافة المناطق التي كانت إسرائيل تنوي الإحتفاظ بها في شبه جزيرة سيناء بعد الانسحاب منها.

وفي ربيع عام 2002، رعت سويسرا مفاوضات بين الحكومة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان توصلت لاتفاقية لوقف إطلاق النار في جبال النوبة. هذه المفاوضات التي دعمتها الولايات المتحدة وانتهت بـ "اتفاقية بورغنستوك" كانت بمثابة مرحلة بينية من أجل التوصل الى تسوية للصراع القائم في السودان. وقد شاركت سويسرا بخبراء عسكريين ضمن اللجنة العسكرية المشتركة التي سهرت على مراقبة تطبيق اتفاق الهدنة.

  

من جهة أخرى، عادت الأطراف اللبنانية المختلفة في عام 2007 للإستفادة من المساعي الحميدة السويسرية، ولكن بشكل غير رسمي، في سياق حوار بين ممثلين عن مختلف الطوائف اللبنانية، رعته الجمعية السويسرية للحوار الأوروبي العربي الإسلامي، وبدعم من وزارة الخارجية السويسرية. هذه المفاوضات دارت في بلدة "مونبيلران" Mont Pélerin بضواحي لوزان، التي جمعت ممثلي الأحزاب السياسية، من مسيحيين وسنة وشيعة، وجامعيين ورجال قانون لمحاولة التوصل الى صيغة متفق عليها بخصوص "الديمقراطية التوافقية" التي قد تجنب لبنان الانشقاقات الطائفية.

دور هامشي في صراع الشرق الأوسط

في سياق متصل، يتحسر عدد من الدبلوماسيين السويسريين لعدم تجرؤ بلادهم على القيام بما أنجزه النرويجيون بدعوتهم لمفاوضات أوسلو بخصوص أزمة الشرق الأوسط، إلا أن الكنفدرالية استضافت تاليا ضمن مسار مدريد الشق الخاص بالتعاون الإنساني في منتجع مونترو.

إضافة إلى ذلك، تُساهم سويسرا منذ عام 1997 بمراقبين ضمن بعثة التواجد الدولي المؤقت في الخليل، الى جانب دول مثل النرويج، وإيطاليا، وتركيا، والدنمارك، والسويد؛ وهي البعثة الدولية المدنية الوحيدة لمراقبة الوضع في هذه المدينة ذات الأغلبية الفلسطينية.

وقد احتضنت سويسرا، بوصفها راعية معاهدات جنيف، العديد من الاجتماعات الخاصة بتطبيق القانون الانساني الدولي في منطقة الشرق الأوسط.

لكن أهم إنجاز بالنسبة لمشكل الشرق الأوسط يتم بدعم سويسري، ولو أنه تم على مستوى غير رسمي، يبقى مبادرة جنيف التي توصل فيها ممثلون إسرائيليون وممثلون فلسطينيون كانوا ولم يعودوا في السلطة، الى صياغة وثيقة تقدم حلولا عملية للمشكل الفلسطيني الإسرائيلي. فهذه الوثيقة، "مبادرة جنيف"، التي لم يتم اعتمادها رسميا لحد اليوم، تعتبر في نظر الخبراء أحسن وثيقة يتم التوصل إليها بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني لإيجاد حلول لمشاكل الحدود واللاجئين والقدس. ويبقى لدى الدبلوماسية السويسرية أمل في أن يتم استخدام هذه المبادرة كأرضية لتسوية مستقبلية  لهذا الصراع.

ووفاء لتقاليدها، أعلنت سويسرا مؤخرا على لسان وزير خارجيتها ديدي بوركهالتر عن استعدادها للوساطة في الصراع السوري إذا طلبت منها الأطراف المعنية ذلك، كما كانت تقوم بوساطة في الصراع المالي، أدت التطورات الأخيرة الى تعليقه، وقد يُستأنف بعد انتهاء التدخل العسكري.      

مجموعة الخبراء التابعة لوزارة الخارجية

تعتبر مجموعة الخبراء السويسرية للترويج المدني للسلام أداة لخدمة السياسة السويسرية الرامية لتعزيز السِّـلم وحقوق الإنسان والمساعدة الإنسانية.

تضم المجموعة حوالي 570 من الخبراء المتطوعين، الذين يتم الإستعانة بهم حسب الحاجة، للمشاركة في عمليات مدنية للمساعدة على إقرار السِـلم لفترات محدودة.

مجالات تدخل هذه المجموعة متنوعة جدا، وتشمل: مراقبة الانتخابات وتقديم استشارات في مجال عمل الشرطة أو في المسائل ذات الطابع الدستوري والوساطة أو تقديم النصائح في مجالات دولة القانون وحقوق الإنسان والقانون الإنساني.

تعمل مجموعة الخبراء طبقا لنظام المليشيات السائد في مجالات عدة في سويسرا، كالجيش والحماية المدنية والبرلمان، وهو يعني أن الخبير يضع نفسه على ذمة بلاده كي تستفيد من معارفه ومؤهلاته وتخصصه في مجال معين لفترة محددة.

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×