تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

بعد المؤتمر التاسع للحركة "النهضة" تحشد قواها للعمل على الإستمرار في السلطة



راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة يُلقي كلمة الإفتتاح أمام المؤتمرين والضيوف يوم 12 يوليو 2012

راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة يُلقي كلمة الإفتتاح أمام المؤتمرين والضيوف يوم 12 يوليو 2012

(AFP)

بعد ثمانِ مؤتمرات عُـقِـدت في السرية أو في المهاجر، نظَّـمت حركة النهضة مؤتمرها التاسع في أكبر قاعة لفجتماعات بالعاصمة التونسية، الذي حظـي بتغطية كل وسائل الإعلام التونسية والأجنبية، وبحضور عشرات الضيوف، في مقدِّمتهم خالد مشعل، الذي ألقى خطابا حماسيا، سبقه انسحاب عديد السفراء الغربيين من القاعة.

كان مؤتمرا مختلفا في شكله وشعاراته وأجوائه الداخلية وعكس إلى حدٍّ كبير مشاغل الحركة - التي انتقلت بفضل الثورة وبعد حصولها على المكانة الأولى في السِّباق الانتخابي الأول من نوعه يوم 23 أكتوبر 2011 - من وضعية الجماعة المُطاردة إلى حزب يحكم البلاد بالشراكة مع حزبيْن عِلمانيين.

ولإثبات جَدارتها بقيادة البلاد في هذه المرحلة الإنتقالية الحرِجة والصّعبة، عملت الحركة على استعراض قُدراتها التنظيمية (ثلاثون ألف شخص حضروا جلسة الإفتتاح يوم 12 يوليو 2012)، وذلك بهدف التأكيد على أن هذا الحدث، هو مؤتمر حزبٍ حاكمٍ يعملُ من أجل الإستمرار في السّلطة.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول، بأن كل الذين واكَبوا فعاليات المؤتمر، من داخل تونس ومن خارجها، خرجوا بهذا الإنطباع وتأكَّـد لديهم، على الأقل، بأنهم في حضرة حركة قوية وجماهيرية بعد ثلاثين سنة ونيف من تأسيسها، بل والكثير منهم قارنوا، من حيث الشكل، بين ما كان عليه الأمر في عهد الرئيس السابق وبين ما أصبحت عليه الأمور اليوم.

تبايُـنات واختلافات

الأمر الثاني، الذي كشفت عنه فعاليات المؤتمر، يخصّ الحياة الداخلية لأعضاء الحركة. فالألف و132 مؤتمِـر لم يكونوا على كلمة واحدة في كل القضايا التي تمّت مناقشتها. وكشفت المُداولات عن وجود تبايُنات واضحة بينهم، وذلك بعد انقطاع دام طويلا بين مَن بقوا في الداخل ودفعوا ضريبة قاسية وبين من ابتلعتهم المَهاجِر وتفاوتت بينهم ظروف اللجوء. هذه الإختلافات شكّلت داخل الحركة تيارات متمايزة عن بعضها، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى الأجنحة المنظمة.

وخلافا لكثير من الأحزاب الرئيسية العامِلة في الساحة التونسية هذه الأيام، فإن اختلاف الآراء والمواقف داخل حركة النهضة لم يؤدِّ بالضرورة إلى الإنشقاق والتمرّد، وهو ما عكس حِـرصا شائعا في صفوف المُنتمين للحركة على التمسّك بوحدة التنظيم، رغم تبايُن الآراء والمواقع. ومما ساعد على ذلك المقترح الذي تمّ العمل به، والخاص بتأجيل النِّقاش حول المسائل السّاخنة المتعلِّقة أساسا بتقييم المرحلة السابقة من سنوات الجَمر.

فعند استعراض التقرير الأدبي، لاحظ عديد المؤتمرين بأنه لم يتعرّض للمسائل التي تُـعتبر أساسية من وجهة نظرهم، وهو ما أثار عاصِفة من النّقد والملاحظات. وكاد التقرير أن يسقُط لولا تشكيل لجنة صِياغة أضافت بعض التّعديلات، مع ترحيل مسائل أخرى خِلافية هامة إلى مؤتمر استثنائي تمّ الاتفاق على تنظيمه بعد سنتين.

الإستمرارية وتجنب تغييرات جوهرية

بدا واضحا أيضا أن الحركة اختارت انتِهاج منهج الإستمرارية وتجنّب إحداث تغييرات جوهرية في خِطابها أو في قياداتها السياسية. ويُـعتبر التّصويت بكثافة لصالح الشيخ راشد الغنوشي لتقلد منصب رئيس الحركة مجددا، أهمّ مؤشِّر على ذلك.

فبعد أن راجت أخبار إعلامية حول احتِمال تفرّغه لمهام أخرى - بناءً على تصريحات سابقة له - أكّد فيها بعد عودته من المهجر، أنه لن يقبل البقاء على رأس الحركة، وأنه ينوي توجيه جهوده للدّعوة والإهتمام بقضايا المسلمين في العالم، اختاره المؤتمرون بمختلف توجّهاتهم للإستمرار في رئاسة الحركة. ولم يكُن ذلك بالأمر المفاجِئ بالنسبة للعارفين بشؤون الحركة، حيث لا يزال الغنوشي يتمتّع بالقدرة، أكثر من غيره، على توحيد صفوفها، خاصة في هذا الظرف الاستثنائي والانتقالي، الذي تتعرّض فيه لاختبار إدارة السلطة، والتهيُّـؤ لخوض انتخابات صعبة برلمانية، وربما رئاسية بعد أقل من سنة، حسب تأكيدات رئيس الحكومة ورئيس المجلس الوطني التأسيسي.

هناك من يختلف مع السيد راشد الغنوشي حول قضايا كثيرة، لكن المُنعرج الذي دخلته الحركة بعد الثورة، وبالخصوص انتقالها إلى الحُكم في ظرف دقيق، جعل بقاءه على رأس الحركة ضرورة مرحلية، ليلْعب دَور المِظلّة الجامعة لمختلف التيارات التي وُلِدت من رحِم المسارات المتبايِنة.

   

كذلك، أكّدت أجواء المؤتمر، وجود تيار محافِظ قوي داخل الحركة، له رموزه ومرجعياته ومنهجه في تحليل القضايا، لكنه وخِـلافا لما يروِّجه الكثيرون، فإن هذا التيار مختلِف عمّا يطرحه عموم السّلفيين، وإن تقاطع معهم في عديد المسائل والأفكار. من ذلك، أنه لا يقاسمهم العداء للديمقراطية أو التشكيك في مشروعية الدولة الوطنية. كما أنه لا يبرِّر اللجوء إلى العنف ولا يدعو له، بل يُـدينه بشدّة. لكن بالرّغم من قوة هذا التيار وحضوره الفاعل داخل أوساط الحركة، إلا أنه غير قادِر على الإنفراد بالقرار والقيادة، وبالتالي، فهو مضطر – على الأقل الآن - للتفاعُل والتعاوُن مع التيار الإصلاحي داخل الحركة.

عودة مفاجئة لمؤسس الحركة

في هذا السياق، تعتبر عودة الشيخ عبد الفتاح مورو إلى صفوف الحركة، بمثابة المفاجأة التي ميّزت أشغال المؤتمر. فتاريخيا، يُعتبر هذا المحامي والخطيب المفوّه، الذي نادرا ما تخلّى عن زيه الأعجمي، الرجل الثاني في الحركة، والذي اختلف معها في أكثر من محطّة، قبل أن يتِم إبعاده عن الهيئة التأسيسية للحركة، وهو ما دفعه إلى الترشّح في الإنتخابات الماضية، كشخصية مستقلة، وهدّد في أكثر من مناسبة بأنه ينوي تأسيس حزب سياسي منافِس للنهضة، التي هاجَمها بقوة في أكثر من تصريح، مذكِّـرا باستمرار بأنه المؤسِّـس للحركة.

لقد حرص الغنوشي كثيرا على استِعادة رفيق دربه إلى صفوف الحركة، لأنه أدْرك مدى الخَسارة التي ترتّبت عن عملية إقصائه، غير أن ذلك لا يؤشِّر إلى حدِّ الآن على احتمال حدوث تغيير كبير في موازين القِوى داخل الحركة، لكن مع ذلك، فإن عودة مورو إلى مطبخ صناعة القرار، من شأنه أن يعزِّز صفّ التيار الإصلاحي، وقد يتولى قيادته في المرحلة القادمة، رغم وجود معارضين له كُـثر داخل الحركة وفي صفوف التيار المحافِظ. كما أن مورو الذي يتمتّع بقدرة عالية على الإقناع والتواصل، قادر أيضا على تنضيج سياسات الحركة والتقليل من حجم الأخطاء.

دعم الترويْكا وحمايتها من الإنهيار

في سياق متصل، كشفت فعالِيات المؤتمر أيضا عن حِرص النهضة على توثيق تحالُفها مع شركائها في الحُكم، لكنها أبدت ميْلا أكثر للدكتور مصطفى بن جعفر، رئيس المجلس الوطني التأسيسي والأمين لحزب التكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وهو تقارب ازداد وضوحا بعد أن تعدّدت الخلافات بين رئاسة الحكومة ورئيس الجمهورية د. منصف المرزوقي.

وإذا كانت بعض الأوساط قد روّجت لاحتمال دعم النهضة لبن جعفر حتى يكون الرئيس المقبل، إلا أن ذلك الأمر لا يزال سابقا لأوانه، خاصة وأن الحركة قد هدّدت، بأنه في صورة عدم الأخْذ بالنظام البرلماني الذي تُـدافع عنه باستِماتة، فإنها ستضطرّ لخوض الإنتخابات الرئاسية القادمة، وذلك بترشيح أحد قادتها.

وإلى أن تتضح الصورة، دافع مؤتمر الحركة بقوة على مسألة دعم الترويْكا الحاكمة، وأبدى حِرصا شديدا على استمرارها وحمايتها من التصدع أو الإنهيار.

قضايا ساخنة عديدة في الإنتظار

تلك أبرز ملامح المؤتمر التاسع لحركة النهضة. ولاشك في أن الحركة تشعُر بأنها حالِيا هي أقوى وأقدر على منافسة خصومها، أكثر من أي وقت مضى. لكن مع هذه الصورة الوردِية، هناك قضايا عديدة لم يَسمحْ الوقت للخوْض فيها، وذلك مثل الضّعف الفكري والثقافي، الذي تشكو منه الحركة، وكذلك تعثّر عمل الحكومة في أكثر من مجال، وهو ما أثَّـر سلبِيا على شعبِيتها، إلى جانب تقييم المرحلة الماضية. ومع ذلك، فإن الأشهُر القادمة قد تحمِل في طيّاتها متغيِّرات عديدة، من شأنها أن تكشف مدى قُـدرة الحركة على معالجة المشكلات الكُبرى التي لا تزال تُعاني منها البلاد بعد ثورتِها.

استعادة الأموال المنهوبة لن تكون مهمة سهلة!

وجدت الحكومة التونسية نفسها مضطرة لإعلام الرأي العام والمجتمع المدني بأنها فشلت إلى حد الآن في استرجاع الأموال المهرّبة من قِبل الرئيس السابق زين العابدين بن علي وأفراد أسرته، وهو ما جعل حمادي الجبالي، رئيس الحكومة يصرّح في ندوة نظّمتها وزارة العدل يوم 18 يوليو 2012 حول هذه المسألة، أن ما تمّ استرجاعه إلى حدّ الآن والذي يتمثّل في طائرة ومنزل بكندا و28 مليون دولارا مودعة بحساب ببيروت "لا يساوي إلا قطرة في بحر الأموال المنهوبة".

أما شوقي الطبيب، عميد المحامين، فقد حمّل الحكومة مسؤولية هذا الفشل، بسبب اعتمادها على "استراتيجية خاطئة منذ البداية". ولامَها بالخصوص على عملية التعاقُد مع محامٍ سويسري الجنسية، دون تنصيص العقد على أجل أو واجبات يلتزم بها، مع نسبة انتفاع تتراوح بين 3 و8% عن كل حصيلة استرجاع، مهْما كانت قيمتها أو طريقة استرجاعها، وأن هذا المحامي تلقّى "تسبقة" على الأتعاب قدِّرت بمليون دولار، رغم أن مكتبه صغير ومحدود الإمكانات العملية. غير أن وزير العدل نفى بعض هذه المعلومات، مشيرا بالخصوص إلى ما أبدته الجهات السويسرية من تعاون، رغم أن الحصيلة إلى حدّ الآن لا تزال ضعيفة جدا.

كما ذكر مستشار الوزير القاضي محمد العسكري أن السلطات السويسرية مكّنت الطرف التونسي من الاطِّلاع على الحسابات السرية لأفراد عائلة بن علي، بعد أن قامت الجهات التونسية بتجميع معلومات حول 100 حساب مفتوح في سويسرا لوحدها لصالح أفراد من أسْرة الرئيس السابق، غير أنها لم تتلقّ سوى ردّ وحيد يتعلّق بحساب جار محدود القيمة.

على صعيد آخر، أدّى وفد من الخبراء السويسريين زيارة استطلاع إلى تونس، وهو ما كشف عن وجود رغْبة سويسرية للتعاون، غير أن قرار تجميد الحسابات لبعض أعضاء الأسْرة الحاكمة سابقا في تونس، لم يُصاحِبه تعاوُن حقيقي وسريع من أجل تمكين التونسيين من استِرداد أموالهم المنهوبة.

كما أن ممثل سويسرا قد غاب عن الإجتماع، الذي موّله الاتحاد الأوروبي وحضره وفد من الخبراء التونسيين، الذين وجدوا أنفسهم لوحدهم، بسبب غياب ممثلي جميع الدول الأوروبية، وهو ما كشف عن عدم تعاوُن دولي مع تونس لتحريك هذا الملف، خلافا للتّصريحات الرسمية لعديد الحكومات الغربية المؤكِّدة على تضامُنها مع هذه القضية المشروعة، الأمر الذي جعل البعض يصِف ذلك بـ "النِّفاق الدولي".

هذا وقد تقدّمت الجهات القضائية التونسية بتِسع إنابات عدلِية أصلية لسويسرا، لكن لم يحصل تتبّع في هذا المجال، ما جعل البعض يتساءل: هل توجد اتفاقية تعاون ثنائي بين تونس وسويسرا فيما يتعلق باسترداد الأموال المُهرّبة؟ وهل هناك استعداد حقيقي من قبل الجِهات السويسرية لمساعدة تونس على تسوية هذا الملف؟

كما دافع ممثلون عن جمعيات تونسية عن الدور الذي يمكن أن يقوم به المجتمع المدني في هذا السياق. وذكر هؤلاء بخِبرات المنظمات الدولية، مثل المنظمة العالمية للشفافية، التي لعبت دورا رائدا في بعثت شبكة عالمية عام 2004 لمساعدة الدول والمنظمات المحلية على استرجاع الأموال المهرّبة (نيجيريا مثالا).

كذلك مشروع "ستار"، الذي أطلقه البنك الدولي بالتعاون مع الأمم المتحدة، وأيضا شبكة العدالة الإجتماعية. كما تمّت الإشارة إلى الدور الذي قامت به منظمات المجتمع المدني السويسري في هذا المجال في بلد مثل بيرو، ورأى البعض أهمية التنسيق والتعاون مع هذه المنظمات للدفاع عن مصالح الشعب التونسي.

من جهته، أشار المحامي التونسي محمد صالح بن حديد، الذي سبق له أن تقدّم بطلب تجميد أموال بن علي إلى الجهات السويسرية، غير أن طلبه رُفِض من الناحية الشكلية، وقد سبق له أن قدّر في بداية الثورة حجم الأموال المهرّبة إلى سويسرا من قبل بن علي وأسْرته بحوالي 620 مليون فرنك سويسري، لكن هذا الرقم تراجَع حسب قوله اليوم، ليصبح في حدود 60 مليون فرنك، وذلك بسبب عمليات الإخفاء التي تقوم بها البنوك حماية لمصالحها، مثلما حصل مع حالات بوكاسا وموبوتو في البنوك السويسرية.

وقد أقر المسؤولون التونسيون بأنه توجد صعوبات جدية لضمان استرجاع الأموال المهرّبة، وذلك بحُكم أن القرار بيَد الدولة الحامية للأموال، وهو يتّخذ وِفق قوانينها الداخلية وسلطتها التقديرية، وكذلك في ضوء مصالحها، أي أن علمية الاسترجاع ليست قانونية بالأساس، وإنما هي "عملية سياسية بامتياز".

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×