رغم الصعوبات والخيبات.. لا يزال الأمـل قائما في تونس

في الذكرى الثانية لسقوط بن علي، عاد التونسيون للتظاهر مجددا يوم 13 يناير 2013 في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة. Keystone

يحتفل التونسيون بالذّكرى الثانية لثورتهم في أجواء غير عادية، ينقُـصها الفرح الجماعي وتفتقر إلى الوِحدة بين مكوِّنات النُّخب السياسية، بما في ذلك، تلك القوى التي وقفت في لحظات سابقة ليوم 14 يناير 2011، مُتضامِنة ضدّ نظام بن علي.

هذا المحتوى تم نشره يوم 14 يناير 2013 - 15:39 يوليو,
صلاح الدين الجورشي - تونس, swissinfo.ch

وفي هذه المناسبة، بثَّـت قناة "حنبعل" التلفزيونية الخاصة، حلقة وجَّهت خلالها سؤالا لعدد من التونسيين، من مواقع وِجهات متعدِّدة، عمّا يتمنَّـونه في هذه الذّكرى التي زلزلت العالمين، العربي والغربي، فجاءت أغلبية الرّدود منتقِدة بقوّة للحكومة ولحركة النهضة.

"المسؤولون يتعلمون ويُـجرّبون.."!

وفوجِئ المُشاهدون بالشيخ عبد الفتاح مورو، الذي كان ضيْف الشّرف بالحلقة، يقول، رغم كونه النائب الشخصي لراشد الغنوشي رئيس الحركة: "إن من أسباب التعثّر، عدم امتلاك المسؤولين الحاليين بالحكومة للخِبرة الكافية"، وأنهم "لا يزالون يتعلّمون ويُجرِّبون". وأضاف أن الثورة الفرنسية عندما فشلت، أنتجت نابوليون، الذي فرض النظام بقوة.

وباستثناء التوقيع على عقد اجتماعي جديد بين الحكومة والنقابات وأرباب العمل، مرّت الذكرى بدون أيّ قرار له قيمة. وقال رئيس الجمهورية المؤقت د. منصف المرزوقي، إنه طلب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، بتقديم هدية للشعب التونسي في ذكرى ثورته، وذلك بالإعلان عن الإنتهاء من صياغة الدّستور، لكن النّسخة النهائية لم تجهـز بعدُ ولا تزال الخلافات مُستمرّة حول عدد من المسائل، وفي مقدمتها تحديد صلاحيات كلّ من رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية.

وعود لن تُـطبّـق

ومع أن الشيخ راشد الغنوشي، زعيم الحزب الرئيسي في الإئتلاف الحكومي الحاكم وعد بأن التعديل الوزاري، الذي بدأ الحديث عنه قبل أشهر طويلة، سيتِمّ الإعلان عنه قبل حلول 14 يناير، لكنه عاد قبل يوم واحد، ليُـصرِّح بأن الحكومة الجديدة لا تزال صعوبات تعترِض تشكيلها.

كما قيل، بأنه سيتم في هذه المناسبة أيضا، الكشف عن أسماء الإعلاميين الذين سيتولّون قيادة الهيئة المُستقلّة للإعلام السّمعي والبصري، وهي الهيئة التي يُـفترَض أن تتولى تنظيم القِطاع، وبالتالي، المساعدة على وضْع حدٍّ لنزاعٍ استمَـرّ طويلا بين الحكومة عموما وحركة النهضة خصوصا، وبين الإعلاميين الذين نظّموا خلال السَّنة المُنقضية إضرابا عامّا، هو الأول من نوعه، احتجاجا منهم على ما اعتبروه "محاولة فرْض وِصاية جديدة على الإعلام" من قِـبَل الحكومة. ومع ذلك، تأجّل الإعلان عن تركيبة هذه الهيئة إلى وقت لاحق.

"أسبوع الغضب"

كما حلَّـت هذه الذكرى بلا خُطب رسمية، ولكن تحت أصداء احتِجاجات شملت عددا من الجهات المحرومة، مثل الأحداث التي شهِـدتها مدينة بن قردان، التي تقع على الحدود مع ليبيا، والتي سبق لها أن انتفضت خلال الأشهر الأخيرة من حُكم الرئيس بن علي. كما نظّمت مدينة القصرين، التي قدّمت أكبر عددٍ من شهداء الحِراك الإحتجاجي طيلة أيام الثورة، أسبوعا كامِـلا تحت شعار "أسبوع الغضب".

رغم هذا الوجه السَّـلبي من المشهَـد التونسي، هناك الجُزء الثاني من الكأس، الذي به قليل من الماء. صحيح أنه لا يكفي لتروِيَـة التونسيين العطْـشى والذين لا يزالون يرفعون نفس المطالب منذ عامين، وهي الشّغل والكرامة والعدالة والمُحاسبة ومحاربة الفساد.

في الجزء الثاني من الكأس، نجِد حرية التعبير التي تُـعتَـبر أهم مكسب على الإطلاق الذي وهبته الثورة للتونسيين. وثانيا تم استئناف الحراك الإقتصادي، وذلك بتحقيق نسبة نمو في حدود 3.4% مقابل 2% سلبي في سنة 2011، لكنها نسبة لم تلمس نتائجها مُعظم المواطنين، حسب اعتراف رئيس الحكومة. كما تم توفير الآلاف من الوظائف، غير أن ذلك لم يشمل جميع أصحاب الشهادات ولم يتّـسع ليحتوي أبناء الجهات المنكوبة تنمويا.

رغم التعثر هناك بعض التقدم

كذلك، رغم التعثُّـر الذي لازم ولا يزال أعمال المجلس التأسيسي، إلا أنه حلّ تقدّما ملموسا في صياغة الدستور الجديد، الذي قد يرى النور مع نهاية شهر مارس المُقبل، وليس بعد شهر، كما طالب بذلك المرزوقي. وبالنسبة للهيئة المستقلّـة للإنتخابات، فقد تمّ التصويت على القانون المُنظَّـم لها، في انتظار اختيار رئيسها وهيئتها عبْر التوافُـق بين الكُـتل النيابية.

مع ذلك، يعتقِـد كثير من التونسيين بأن رِهانهم لم يتحقّـق بعدُ. كما بدأ السياسيون يعترِفون بأخطائهم. ففي حديث أدلى به مؤخرا إلى صحيفة الشرق الأوسط، قال السيد حمّادي الجبالي: "كان هناك خطأ في التَّـقييم قبْل الدخول إلى الحُكم، وأن الأمر بدا أسهل من هذا، لكنه صعْب جدا ومعقّد"، وهذا اعتراف هامّ من مسؤول كبير في حركة النهضة، التي استسهلـت قيادة البلاد في ظروف صعْبة، ممّا قد يكلفها دفع ثمن سياسي مُرتفع في المحطات الإنتخابية المقبلة.

لا زالت تونس ضعيفة.. لكنها متفائلة!

في هذه الأجواء أيضا، يقوم رئيس الدولة بتنظيم لقاءات مكثّـفة من أجل تقريب وِجهات نظر السياسيين حول تنظيم حِوار وطني، ينظر في أبرز الأولويات المطروحة حاليا، خاصة فيما يتعلّق بالتوافق حول مواعيد انتخابية نهائية، حتى يتم استِكمال الجُزء المُتبقّي من مرحلة الإنتِـقال السياسي في أجواء مُستقرة نِسبِيا، وبأقل كُلفة ممكنة.

مع ذلك، لا زالت الخلافات بين الأحزاب واسعة، بل ترتكز أحيانا على منطِق الإقصاء. وبالرغم من أن الغنوشي اعتبر في ندوة "الإسلاميون وخيارات الحُكم"، التي نُظِّـمت مؤخرا بتونس، أن البلاد في مُفترق طُرق "فإما التوافُق وإلاّ الصَّوْملة أو العسْكرة "، إلا أن قياديين بحركة النهضة يتمسّكون برفض التعامل مع حزب نداء تونس، الذي يقوده الوزير الأول السابق الباجي قايد السّبسي، ويُصِرّون على استصدار "قانون تحصين الثورة"، الذي بمُوجبه سيقع منْع عشرات الآلاف ممَّن يُتَّـهمون بكونهم كانوا مسؤولين في هياكل الحزب الحاكم السابق.

المؤكّد، أن تونس بعد الثورة خرجت ضعيفة، لكن مُستقبلها السياسي قد يكون أفضل. ومن الواضح أن التونسيين تعِبوا من حالة الإحتِقان المُستمِرة منذ سنتيْن، لكن الأمل لا يزال يُراوِدهم في أن حُلمهم في إقامة نظام عادل وديمقراطي، لا يزال قائما.           

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة