تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

بعد ضغوط دولية.. الحكومات العربية تتحرّك لمُـحاربة الاتِّـجار بالبشر

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ظاهرة "الإتجار بالبشر" تحتل "المركز الثالث من مصادِر دخل الجريمة المنظّـمة" في العالم

لم يعُـد الحديث في العالم العربي عن ضرورة محاربة الاتِّـجار بالبشر مُـقتصِـرا عن نشطاء حقوق الإنسان، وإنما أصبح أيضا من بيْـن أولويات الحكومات.

فخلال السنوات القليلة الماضية، اتّـخذت الأجهزة الرّسمية لدُول عربية عديدة، وخاصة بمنطقة الخليج، عددا من الإجراءات والمُـبادرات، تهدِف إلى الحدّ من هذه الظاهرة التي أصبحت تُـثير قلق أطراف دولية عديدة. فهل الأمر مجرّد ضوْضاء إعلامية لتلْـميع الصورة أم أنها بداية واعدة لتغيير ممارسات توطّـدت عبْـر السنوات؟

يطلقون عليها "تجارة عبودية القرن الحادي والعشرين"، ويقصِـدون بذلك ظاهرة (الاتجار بالبشر)، التي قدّرت منظمة الأمم المتحدة، بناءً على الأرباح الضّـخمة التي تترتّـب عنها، أنها "تحتلّ المركز الثالث من مصادِر دخل الجريمة المنظّـمة، أي بعد الاتِّـجار بالمخدِّرات والأسلحة".

"تجارة عبودية القرن الحادي والعشرين"

أما منظمة العمل الدولية (مقرها جنيف)، فتضعها كأكبر تِـجارة غيْـر شرعية في العالم، حيث تقدّر المنظمة أرباح الإستِـغلال الجِـنسي للنساء والأطفال بـ "حوالي 28 مليار دولار سنوياً"، كما تقدّر أرباح العمَـالة الإجبارية بحوالي 32 مليار دولار سنوياً. وأما ضحايا هذه التجارة الوسخة، فإن عددهم في العالم لا يقِـل عن ثلاث ملايين سنويا، من بينهم 1.2 مليون طفلا.

تتعرّض المنطقة العربية، وبالأخص دُول الخليج، إلى ضغوط خارجية مُـتزايدة في مسألة الاتِّـجار بالبشر. كان آخر هذه الضغوط، دعوة مفوّضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نافي بيلاي خلال زيارتها الأخيرة لدول الخليج (اختتمتها يوم 23 أبريل في العاصمة العُمانية مسقط)، إلى إلغاء نظام "الكفيل" المطبّـق على العمال الوافدين في دول مجلس التعاون الخليجي.

وتشُـن الولايات المتحدة بدورها منذ سنوات حمْـلة قوية ضدّ الدول العربية في هذا المجال. ففي تقريره الصادر عام 2009، لم يُدرج مكتب مراقبة الاتِّـجار بالبشر ومكافحته، التّـابع لوزارة الخارجية الأمريكية، أيّ دولة عربية أو إسلامية ضِـمن الدائرة الأولى التي تجمَـع الدول المُـلتزمة بكافة حقوق العمَـالة وحِـمايتهم من الإتِّـجار بهم، لكن التقرير أورد ضِـمن الدائرة الثالثة، التي تضُـم الدول المتّـهمة بكونها لا تبذُل أيّ جُـهد لمقاومة هذه الظاهرة، كلا من الكويت والسعودية وسوريا والسودان.

"المناطق القذرة"

وقد سبق لتقرير سابق صادِر عن نفس الجهة، أن اعتبر سوريا والسودان وإيران، دولا تنتمي إلى ما وصفها بـ (المنطقة القذِرة). أما تقرير الخارجية الأمريكية الثامن، الذي غطّـى سنة 2008، فقد صنَّـف المغرب في المرتبة الثانية عالميا إلى جانب مجموعة من الدول التي "لا تمتثل حكوماتها كُـلِـيا للحدّ الأدنى من معايير قانون حماية ضحايا المتاجرة بالبشر"، ووصفه بكونه بلد "مُـنتج ومُـولِّـد لظاهرة استغلال الأطفال، سواء في خِـدمة البيوت أو في الجِـنس داخل ترابه الوطني".

كما جاء في التقرير أيضا أن "المغرب هو أيضا بلد يُـصدِّر ويستضيف نساءً ورجالا يتعرّضون باستمرار للإستغلال الجِـنسي من أجل غايات مادية"، لكن حكومات المِـنطقة تنفي ذلك بشدّة، وتعتبر أن مثل هذه التقارير "مغلوطة" وأن أصحابها يرمون من وراء ذلك إلى "الإبتزاز السياسي".

يكمُـن جانبٌ من المشكِـل في غياب الدِّراسات والأرقام الدّقيقة لتحديد حجْـم الظاهرة في العالم العربي. مع الملاحَـظ، أن الدول العربية تختلِـف من حيْـث الدّور الذي تلعَـبه في هذه التجارة. فبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي قسَـم المِـنطقة إلى ثلاث دوائر.

هناك دول جاذِبة لظاهرة الاتِّـجار بالبشر، وهي بالأساس دول الخليج بلا استثناء، وإلى حدٍّ ما الأردن ولبنان. وهناك أخرى تُـوصف بدول العُـبور، وهي الأردن والجزائر ولبنان ومصر والمغرب. أخيرا، دول مصدِّرة لضحايا هذه الظاهرة، مثل تونس والمغرب والأردن والسودان والصومال.

ونظرا، للتوسّـع الذي عرفه مُـصطلح ومفهوم "الإتِّـجار بالبشر"، الذي أصبح يشمَـل التسوّل والخِـدمة المنزلية والسَّـمْـسرة في الزّواج وعمَـالة الأطفال والتبنّـي والسياحة الجنسية واستِـغلال الأشخاص في النِّـزاعات المسلّـحة ونقل الأعضاء واستخدام الأشخاص في التّـجارب الطبية أو في العمليات الإرهابية، فإن العالم العربي مُـتَّـهم بكونه يُـعاني من ثلاث أنواع رئيسية من هذه التجارة. أولها، تجارة الجِـنس التي لا تكاد تخلُـو منها أي دولة من دُول المنطقة، سواء كمُـصدِّرة أو مستقبِـلة أو باعتبارها دولة عُـبور.

أما النوع الثاني، الذي تَـضاعَـف التركيز عليه خلال السنوات الأخيرة، فهو يتعلّـق بنِـظام الكفيل الذي تخضع له العمَـالة الأجنبية في كامِـل دول الخليج، والذي بمُـوجبه، يفقِـد العامِـل جزءً واسعا من حريّـته وحقوقه، ويتحوّل – حسب بعض التقارير – إلى أشبَـه بالرهينة.

أما النوع الثالث من تجارة البشر، الذي عَـرف رواجا واسعا في المنطقة خلال الثلاثين سنة الماضية وركزت عليه منظمات حقوق الإنسان منذ بداية الألفية الثالثة، فيتعلّـق بعامِـلات المنازل، خاصة بدول الخليج.

عمَّـال أم رهائن؟

فعلى سبيل المثال، تذكُـر بعض المصادر أن أكثر من 660 ألف إمرأة سريلنكية تعملن في منازل خارج بلادهن، 90% منهُـنّ موزّعات بين الكويت والسعودية والإمارات ولبنان، ويخضعن لإجراءات خاصة، مثل احتِـفاظ أصحاب العمل بجوازاتِـهن واحتجازهن في مكانِ العمل، وقد تُـحرمن من أجورهِـن لأشهر، وربما لسنوات حسب ما ذكرته بعض التقارير الدولية، بسبب جشع وكالات التوظيف التي تقوم بتصديرهِـن، والتي وصفتها مفوِّضة الأمم المتحدة بكونها "شركات لا تعرف الرحمة"، ويبدأ استغلالهن من مكاتب التوظيف المُـنتشرة في البلد المصدِّر، التي تفرض عليهِـن ضرورة دفع رسوم باهضة.

أما من حيث ظروف العمل، فهي مُـتعارضة مع الشروط الدولية، حيث تعملن بمعدّل لا يقِـل عن 16 ساعة في اليوم، حسبما تقدِّره هذه المنظمات، وهو ما تعترض عليه حكومات المنطقة، التي تتَّـهم الحكومة الأمريكية وجهات دولية أخرى بالتّـحامل عليها ونشر معلومات خاطِـئة عن هذه الدول.

لم تعُـد الحكومات العربية تكتفي بإنْـكار ما يُـنسب إليها في هذا المجال، وإنما أصبحت تُـحاول إبراز ما تقوم به من جُـهود في هذا السياق. فماذا أعدّت المنطقة العربية لمُـواجهة هذه الظاهرة؟

على الصعيد الهيكلي، أنشأت 22 دولة عربية أجهزة حكومية معنِـية بمكافحة الاتِّـجار بالبشر. أما على الصعيد الحقوقي، فقد أدرج الميثاق العربي لحقوق الإنسان جريمة الاتِّـجار بالبشر ضِـمن بنوده العشر الأوائل من مجموع 53 مادة التي شمِـلها الميثاق.

التصدّي للجريمة أولوية بارزة

فالبند العاشر، نصّ صراحة على "حظْـر السّـخرة والاتِّـجار بالأفراد من أجل الدّعارة أو الاستغلال الجِـنسي أو استغلال دعارة الغيْـر أو أي شكل آخر أو استغلال الأطفال في النِّـزاعات المسلحة"، وهو ما جعل التصدّي لهذه الجريمة يشكل أولوية بارزة لدى الجهات التشريعية في معظَـم دول المنطقة، كما أصبحت حكومات المنطقة مُـلتزمة بإصدار تقارير سنوية تستعرِض مُـجمل الإجراءات العملية التي تمّ اتِّـخاذها رسميا لمحاربة الاتِّـجار بالبشر.

من جهتها، أقدَمت مملكة البحرين على إلغاء نظام الكفيل أو على الأقل مراجعته بشكل واسع، فكانت بذلك أول دولة خليجية تتخلّـى عن هذا النّـمط الشاذ في التعامل مع العمّـال الأجانب. وهناك مؤشرات عديدة تؤكِّـد بأن بقية دول مجلس التعاون الخليجي قد تخطُـو خُـطوات ملموسة في نفس الاتِّـجاه خلال السنوات القليلة القادمة. فالمنطقة تشهد حركية ملحوظة تدُور حوْل كيفية التخلّـص من الصورة السلبية القاتِـمة، التي أصبحت تُـلازم هذه الدول على الصعيد العالمي.

حماية الضحايا ومقاومة مرتكبي الجرائم

كانت آخر مظاهر هذه الحركية المنتدى التأسيسي الذي عقدته "المبادرة العربية لبناء القُـدرات الوطنية لمكافحة الاتِّـجار بالبشر"، في العاصمة القطرية يومي 22 و23 مارس 2010 بمشاركة حوالي 500 شخصية خليجية وعربية وأجنبية. والهامّ في هذا السياق، أن هذه الجهود بدأت تتّـخذ طابَـعا مؤسساتيا. كما أن عشر دول عربية أقدَمت أو تستعدّ لإدخال تغييرات هامَـة على تشريعاتها لتشديد العقوبات في هذا المجال، كما يتم حاليا مراجعة أسلوب معالجة هذه الظواهر.

فبعد أن كانت العقوبة الأساسية تسلّـط على ضحايا هذه التجارة، بدأت تتّـجه الحكومات إلى التفكير في وضْـع السياسات والآليات التي من شأنها أن تحمي الضحايا وتُـقاوم من يقِـفون وراء هذه الجرائم "مهما كانت مواقعهم" أو هكذا يُـفترض، لكن المشكلة التي أثارتها أطراف دولية عديدة، تتمثّـل في أنه إلى حدِّ الآن، لم تسجّـل حالة واحدة في المنطقة العربية لمُـحاكمة مُـرتكبي جريمة الاتِّـجار بالبشر، وهذا يعني أن ما ينتظِـره العالم المتقدِّم في هذا المجال، ليس مجرد خطاب جميل وتشريع قد لا يكون أقل جمالا، ولكن الأهم من ذلك التِـزامٌ فِـعلي ومُـمارسات عملية على الأرض.

صلاح الدين الجورشي – الدوحة – swissinfo.ch

مقتطفات من البيان الختامي للمنتدى التأسيسي

اختتم منتدى الدوحة التأسيسي للمبادرة العربية لبناء القدرات الوطنية العاملة في مجال مكافحة الاتجار بالبشر أعماله يوم 23 مارس 2010 بالدوحة بإصدار إعلان تضمن جملة من التوصيات في مجالات التعاون الدولي والإقليمي لمكافحة الاتجار بالبشر وبناء القدرات الوطنية للقائمين على إنفاذ التشريعات ودور وسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني إضافة إلى مواجهة أثر تقنيات المعلومات الحديثة على الاتجار بالبشر ومساعدة الضحايا ومواجهة أثر الأزمة المالية على الاتجار بالبشر.

ودعا المشاركون الدول العربية إلى التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة والبروتوكولين الملحقين بها واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وتعزيز التعاون الدولي ودعم قدرات الدول على مكافحة الاتجار بالبشر وتوفير آليات مناسبة لهذا التعاون تكفل رصد هذه الظاهرة ومواجهتها.

كما أوصى المنتدى بإنشاء مكاتب وطنية لمكافحة الاتجار بالبشر في الدول العربية يكون من مهامها رصد الظاهرة وإنشاء قاعدة بيانات والنظر في إنشاء مكتب عربي تحت مظلة جامعة الدول العربية وإلغاء القيود غير المبررة على حق الأشخاص في التنقل عند تنفيذ تدابير مكافحة الاتجار بالبشر.

وطالب الدول العربية بالإسراع بمواءمة تشريعاتها الوطنية مع أحكام الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمنع الاتجار بالبشر وبإصدار قانون خاص لمكافحة الاتجار بالبشر في الدول العربية التي لم يصدر فيها هذا القانون حتى الآن، مع الاستعانة بالقانونين الاسترشاديين الصادرين عن جامعة الدول العربية والأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي.

وتضمن الإعلان توصية بوضع خطة متكاملة لتأهيل وإعادة تأهيل الكوادر البشرية العاملة في مجال مكافحة الاتجار بالبشر على صعيد الوقاية والحماية والرعاية من أجل بناء قدرات عربية تتعامل بفاعلية مع قضايا الاتجار بالبشر وتنظيم مجموعة من البرامج التدريبية على شكل ندوات وورش عمل تعتمد على الدراسات العلمية والفعاليات التدريبية التي تحدد فيها الاحتياجات والمواد التدريبية وقياس أثر التدريب وسبل تبادل الخبرات ذات العلاقة والاستفادة من خبرات مؤسسات التدريب الأمني العربية في تنظيم برامج تأهيل المدربين ونشر الخبرة والمعرفة في مجال مكافحة الاتجار بالبشر ومن الخبرات الدولية «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الهجرة الدولية، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة اليونيسيف، ومركز الأمم المتحدة للتدريب والتوثيق في مجال حقوق الإنسان لجنوب غرب آسيا والمنطقة العربية بالدوحة» في مشاريع مكافحة الاتجار بالبشر، وفي رفع كفاءة وقدرات العاملين ذوي العلاقة.

كما تمت التوصية بتوفير الدعم المالي الكافي لتمويل المشاريع التدريبية في كل دولة عربية لتأهيل وتدريب الكوادر العاملة في مختلف مجالات مكافحة الاتجار بالبشر المتعلقة بـ«الوقاية والحماية وتقديم الرعاية الشاملة لضحايا الاتجار».

وفيما يتعلق بدور وسائل الإعلام في مكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر أكد المنتدى ضرورة وضع إستراتيجية إعلامية عربية لمكافحة هذه الظاهرة تعتمد من جامعة الدول العربية وتقوم على معايير وقواعد أخلاقية تحفظ التوازن بين حرية الإعلام ومقتضيات حماية المجتمع العربي من تأثيرات الإعلام السلبية وتكثيف برامج التوعية بظاهرة الاتجار بالبشر وخطورتها وأسبابها والآثار المترتبة عليها...

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×