تحديات جسام تُواجه السلطات والشعوب في بلدان الربيع العربي

رغم بعض المنجزات السياسية، لا زالت المطالب الإجتماعية حاضرة بقوة في بلدان الربيع العربي. في الصورة: محتجون يُلوّحون بأيديهم في سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر 2012 احتجاجا على الرئيس التونسي المنصف المرزوقي. Keystone

بالرغم من اختلاف التفاصيل والأسماء، تبدو تجربة دُول الربيع العربي بعد عاميْن من سقوط الأنظمة السابقة، مُحمَّـلة بالتحدِّيات السياسية والإقتصادية والأمنية الجسام.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 يناير 2013 - 06:00 يوليو,
د. حسن أبوطالب - القاهرة, swissinfo.ch

صحيح هناك خُطوات اتُّخِـذت وأشخاص ظهرت وأخرى اخْتفت، وبعضُ مؤسّسات بُـنيت، إما بصورة مؤقّـتة أو على عجَـل، والصحيح أيضا، أن حالة من التذمُّـر الشعبي ما زالت موجودة، وبعض ملامِح انقسام مجتمعي آخذة في البروز على نحوٍ مُـتزايد، وبعضٌ من الناس البُسطاء يروْن أن تحقيق أهداف الثورة، ما زال بحاجة إلى ثورة شعبية جديدة.

القلق من دولة دينية

ففي مصر التي انتهت بعدَ مُعاناة شديدة من وضع دستور يُتًّهم بأنه يؤسّس لدولة دينية ويصنَع من الرئيس حاكِما يتغول على باقي السلطات، تُعِـدّ القِوى المُعارِضة، خاصة الإئتِلافات الشبابية، العدة لجعل يوم 25 يناير الجاري، وهو الذكرى الثانية للثورة، يوما لانطِلاق ثورة جديدة لتصحيح أوضاع السلطة التي آلت إلى الإسلاميين، وظلّت فيها القِوى المدنية في جانب المُعارضة تبحَث عن وسيلة للتأثير في التوجّهات الشعبية، للحدِّ من سيْطرة القِوى الدِّينية الآخذة في الإنتِشار والامتِداد، مُستفِيدة من تدنِّي الوعي الشعبي وقابلية الطبقات المهمَّشة، على التأثر السَّلِـس بالدعاية الدينية، التي تُـقسِّم المجتمع بيْن كافرين ومؤمنين، وبين دُعاة الشريعة والكارِهين لها.

المشكلة نفسها تعيشها قِوى الحداثة والمدنية في تونس، التي تواجه أزمة الإنقسام الداخلي من جانب، وأزمة مواجهة سطْـوَة حزب النهضة الإسلامي وبجواره القِوى السلفية من جانب آخر، رغم أن السَّـلفِيين فى تونس يُـنظَـر إليهم باعتبارهم امتداد للقاعدة وجماعات إرهابية.

فالأحزاب التي برزت بعد الإطاحة بنظام بن علي، مثل المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وهما المشارِكان في الحكومة مع حزب النهضة، لم يستقطِـبا كلّ أنصار الحِفاظ على مدنِية الدولة، وحين تشَـكَّل حزب نداء تونس بقيادة الباجي قائد السبسي، ذي 86 عاما في النصف الثاني من 2012، واستقطب عددا من رموز السياسة والثقافة والإعلام من العهد السابق إلى جانب المتخوِّفين من تحوّل تونس إلى دولة شِبه دينية، صوَّر البعض الأمر باعتبارِه حِزبا يُـريد استعادة الماضي، وتكرّر الحديث مرّة أخرى وبِـقوّة عن العزْل السياسي لمن شارك في أي منصب تنفيذي أو حزبي إبَّان نظام بن علي.

عزل سياسي أم إقصاء للمنافسين؟

وتنسِّق حركة النهضة برئاسة راشد الغنوشي مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، من أجل تمرير مشروع قانون في المجلس الوطني التأسيسي، يمنع المسؤولين بالحزب الحاكم السابق من حقّ الترشّح للإنتخابات القادمة وممارسة العمل السياسي لخمسِ أو عشر سنوات. 

وبينما نجحت مصر في تطبيق العزل السياسي لأعضاء الحزب الوطني المُـنحل بطريقة دستورية، من خلال تضمين مادّة انتقالية في الدستور، تعزل أعضاء الحزب الوطني المُنحلّ لمدّة عقد كامل، فيما يُحقق مِيزة كُبرى لأعضاء الإخوان في الانتخابات البرلمانية المُقبلة، فما زال الأمر خاضِعا للنِّـقاش السياسي الصَّاخِـب في كلٍّ من ليبيا واليمن، وكان المجلس الوطني الإنتقالي الليبي تبَـنّى بالإجماع، قبل تشكيل الممؤتمر الوطني العام، قانون العزْل السياسي للمُوالين للنظام السابق من الحياة السياسية، لفترات تراوحت بين خمس وعشر سنوات. لكن الاتِّجاه الشعبي العام كان ضدّ الفِكرة، ممّا عطَّـل صُدور القانون مؤقَّـتا.

لكن الوضع في اليمن له طابعه الخاص. فالتسوية التي أنهت حُكم علي عبد الله صالح، وفَّـرت له ولِـرموز نظامه، حصانة قانونية وأعطت لحزبه نصيبا في الحُكم والمرحلة الإنتقالية والمشاركة في مؤتمر الحِوار الوطني، الذي يتمّ الإعداد له بالتّنسيق مع الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي.

غيْـر أن الصعوبات التي تواجه الحكومة الانتقالية برئاسة الرئيس التوافُقي عبد ربه منصور هادي، خاصة في مجال إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والجيش، تجِد تفسيراتِها لدى الثورِيِّين في بقاء فُـلول نظام صالح في مراكز حيوية في الحكم، دون القدرة على إزاحتهم، ولذلك، حين اتَّخذ الرئيس هادي قرارات أدّت إلى سيْطرة جُزئية على وَحدات عسكرية، كان يقودها إبن الرئيس السابق، اعتُـبِـر الأمر "خطوة كبرى" استحقّـت الخروج بمظاهرة شعبية لتأييد ودعْـم قرارات الرئيس.   

الإسلاميون وقواعد الديمقراطية

لقد حدث تغيير جوهري طوال عام 2012، وجاء حُـكّام جُدد إلى مواقع السلطة عن طريق الإنتخابات. بيْـد أن الأمر لم يعُد يتعلّق بآليات الديمقراطية والتّوازُن بيْن السلطات، بل بالإقتِناع بهذه الآليات والحِفاظ عليها واحترام المؤسسات.

ففي مصر مثلا، بدا الأمر مُثيرا حين توقّف الرئيس المُنتَخَب عن فِعل أي شيء لوقْف حِصار المحكمة الدستورية العُليا ومنعها من النّظر في قضايا تهُـمّ مستقبَل البلاد ككُـل. وكان الأمر قرينة حسب المعارضين على أن جماعة الإخوان لا يهمّها القانون وأحكام القضاء، بقدْر ما يهمّها أن تصوغ أوضاعا تُحقِّـق لها الإستِمرار على قمّة السلطة.

لقد بدا الأمر وِفقا لخِبرة 2012، أن أخطر مظاهِـر التغيير بعد ثورات شعبية نبيلة، هو أن قِـوى الحُكم الجديدة من الإسلاميين، كجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب السلفية في مصر، وحزب حركة النهضة الإسلامي في تونس وبعضٌ من حركة الإخوان المسلمين في ليبيا، والذين ظهروا إلى النور بعدَ الثَّـورات الشعبية ووصلوا إلى قِـمّة السلطة، مُنفردين أو مشاركين مع آخرين، جاؤوا بآلية ديمقراطية عبْر صناديق الإنتخابات، ولكنهم - حسبما يبدو من الممارسة وعديد المؤشرات - لا يثِـقون أساسا في الدولة الوطنية ولا في مؤسساتها، خاصة الأمنية التي عانَـوْا منها في السابق، وبدا أنهم يتصرَّفون كثيرا بمَنطِق الإنتِقام وتصفِية الحسابات، فضْلا عن اعتمادِهم على كِيانات ذاتِية بديلة لمؤسسات الدولة، لحماية أنفسهم. وفي المُـحصِّلة، باتت قِوى الإسلام السياسي وهي في الحُـكم، مكْـرُوهة مِن قِطاع واسِع من المواطنين، خاصة من الطبقة الوسطى.

الاقتصاد.. تحدِّيات بالجُـملة

وما دامت الحالة السياسية متوتِّـرة لم تحسِم أمرها بعدُ، تبدو اقتصادات دول الربيع العربي في تراجُع. وبينما تناقَـص الإحتياطي النقدي المصري إلى أقل من 15 مليار دولار (ما يكفي لاستيراد الحاجات الأساسية لمدة ثلاثة أشهر فقط) وتراجعت العُملة المصرية بنسبة 8% في مواجهة الدولار الأمريكي قبل نهاية العام الماضي وبعد أيام محدودة من إقرار الدستور الجديد، وانخفض المُستوى الإئتماني للاقتصاد المصري ككُـل، وأثير بقدْر من المُبالغة البلاغية موضوع إفْلاس مصر، وارتفع الدَّيْـن العام إلى ما يقرب من كامل الإنتاج الوطني في عام، وتعثَّـر التعديل الوزاري، جاءت أخبار تونس معلنة أن أن الخزينة العامة تُعاني من بعض المشاكل وأن مصادِر الدّخل الرئيسية للبلاد (السياحة والفوسفاط والصادرات الفلاحية وعائدات العمالة التونسية في الخارج والمساعدات الخارجية خاصة الأوروبية) سجلت المزيد من التراجع.

في اليمن يضجّ الناس بالشّكوى من البطالة وتدهوُر قيمة الرِّيال وارتفاع أسعار المواد الغذائية وارتفاع نِسبة الفقْـر إلى أكثر من 70%، ناهيك عن قلّة الموارِد وضعف المساعدات التي وعد بها أصدقاء اليمن. أما في ليبيا، فالوضع المالي جيِّـد، لكن سوء الإدارة وقلّة الحيلة للحكومة الجديدة وعدم وجود سياسة اقتصادية واضحة، يجعَل اللاّيقين أمرا طبيعيا لدى الليبيين جميعا.

والمفارقة الأكبر، أن القِوى الإسلامية التي حكمت، لاسيما في مصر وتونس، لم تأتِ بجديد في السياسات الاقتصادية ولم تُـفصح بعدُ عن بديل يحقِّق أهداف الثورة ولم تُـظهِـر اهتماما أكبر بالحقوق النقابية للعمال أو المُستثمرين الصِّغار أو الفئات المهمَّـشة.

الأمن الغائب

الإنْفِـلات الأمني كان سِمة أساسية في بلدان الربيع العربي. فالأجهزة الأمنية التي انكسَـرت مع الثورة وما بعدَها، واستمرار حالة الإستنفار الشعبي والإعلامي ومن بعض القِـوى السياسية (لاسيما السلفية) ضدّ هذه الأجهزة، جعلها لا تتعافى بالقدْر المطلوب لِمُـواجهة حالات الخروج عن القانون وتطوّر مظاهِـر الجريمة وارتفاع معدّلاتها وانتِشار السِّلاح وتهريبه عبْر الحدود، بصورة غير مسبوقة.

في هذا السياق، تُـعدّ ليبيا نموذجا لحالةٍ وسَط بيْن غياب المؤسسات الأمنية التابعة للدولة، وبين محاولة صعْبة لإحْياء هذه المؤسسات، وبينهما كمّ هائل من المسلّحين وقِطَع سلاح تصل إلى 20 مليون قطعة سلاح بلا رقيب أو حسيب، وهناك أكثر من 250 ألف مسلّـح، بعضهم شارك في مواجهة الوحدات العسكرية التابعة للقذافي وأبنائه، والبعض الآخر ظهر كبديل لغِياب الأجهزة الامنية الحكومية وبات يُمثِّـل عقبة كبيرة أمام بناء دولة القانون.

وإذا كانت كلٌّ من تونس ومصر ما زالت تحتمِيان بوجود مؤسسات للدولة، خاصة الجيش والأمن العام والمُخابرات، مصحوبة بقناعة أولوية وضرورة التّوازن بين السلطات الثلاث، التنفيذية والقضائية والتشريعية، فإن الوضع العام في ليبيا أكثر تراجُعا وربّما أكثر خُطورة.

فليبيا القذافي لم تنجح في بناء دولة المؤسسات، وحين انْهار النِّظام، استعادت التَّكوينات الأولية للمِنطقة وللعشيرة وللقبيلة، الأولوية على حِساب الوطن، وهو ما أفضى لاحِقا إلى بروز التيارات الإنقِسامية تحْتَ مسمَّيات الفدرالية والكنفدرالية، على حساب ليبيا الموحَّدة.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة