بعد "أسطول الحرية".. الخيارات الإستراتيجية لتركيا على المحكّ

من اليسار إلى اليمين: ستيفان فولي، المفوض الأوروبي لسياسية التوسعة والجوار الأوروبي وكاترين أشتون، مسؤولة السياسة الخارجية والأمنية في الإتحاد الأوروبي ووزير الخارجية التركية داود أوغلو في صورة تذكارية التقطت لهم يوم 13 يوليو 2010 في إسطنبول. Keystone

تداخلت العناصِـر المشكّـلة للمشهد التركي، داخليا وخارجيا، بحيث يمكِـن القول أن المرحلة المقبلة المُـمتدّة من الآن حتى يوليو 2011 موعد الإنتخابات النيابية المقبلة، ستكون حبْـلى بكل المُـفاجآت والتجاذُبات بين الفرقاء المحليِّـين والقِـوى الخارجية، التي وضعت تركيا تحت مجهر المراقبة الشديدة في الأشهر والأسابيع الأخيرة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 14 يوليو 2010 - 10:35 يوليو,

ولا شك أن الإعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية، ولاسيما استِـهداف سفينة "مرمرة الزرقاء" التركية وقتل تسعة أتراك في أعالي البحار، كان نقطة التحوّل الأساسية في تغيير الأجندة التركية نفسها، كما أجندات الدول المعنِـية بالشأن التركي.

وإذا كانت الحادثة قد أوجدت مشكِـلة ثنائية بين تركيا وإسرائيل، ولاسيما أن الدّم التركي قد سَـال للمرّة الأولى على الطريق بين أنقرة وتل أبيب، فإن الحدث كان أبعَـد من هذا التّـوصيف الثنائي، ليطُـول منظومة العلاقات الدولية على اعتبار أن الإعتداء كان بأداة إسرائيلية، لكنه كان - برأي مراقبين أتراك وأجانب - أقرب إلى "تحالف دولي" منه إلى أي شيء آخر.

رسالة أكثر "مصداقية ووضوحا"

بعض التقديرات تشير إلى أن "دولية" الحادثة تضغَـط في اتجاه منطوق تحليلي، يضع تركيا في عين العاصفة، ذلك أن ردود الفعل الأمريكية تحديدا على الإعتداء الإسرائيلي، تقطع بأن الإدارة الامرييكة كانت - بشكل أو بآخر - في مناخ الاعتداء الإسرائيلي بل مُـؤيِّـدة له، برأي البعض.

فالبيان الرِّئاسي الذي صدَر عن مجلس الأمن الدولي مساء اليوم نفسه (31 مايو 2010)، لم يُـدِن الهجوم الإسرائيلي. وفي اليوم التالي، كان نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن يُـدافع على إسرائيل ويمنحُـها الحقّ في ما فعلَـته.

أما ردود الفِـعل الغربية الأخرى، فلم تختلف عن الموقِـف الأمريكي، بل أعطى بعضها صِـفة "المعركة" بين الجنود الإسرائيليين المُـعزّزين بالطائرات والسُّـفن الحربية، والمدنيِّـين الأتراك والأجانب العُـزّل من السِّـلاح. وبدا واضحا أن الاعتداء على أسطول الحرية كان رسالة إلى تركيا مغمسة بالدّم هذه المرّة، لتكون (الرسالة) أكثر "مِـصداقية ووُضوحا"، حسب تعبير ورد في عدد من التحاليل التركية لما حدث.

اتفاق طهران "تهديد للسلم الدولي"

وعنوان الرسالة، أن تركيا بالَـغت، بل تخطَّـت دوْرها كقُـوة إقليمية لها حيْـثيتها، في اتِّجاه أن تكون قوة عالمية "متوسطة القوة"، ولاسيما في ملف له بعدٌ عالمي، مثل البرنامج النووي الإيراني. وفي هذا السياق، بدا غريبا جدّا أن تصِـف وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون اتِّـفاق طهران النَّـووي الذي أنجزته تركيا والبرازيل، بأنه "تهديد للسِّـلم الدولي". واندفعت الإدارة الأمريكية مُـباشرة بعد التوقيع عليه إلى الدعوة لتشديد العقوبات على إيران عبْـر قرار يصدر عن مجلس الأمن.

وفي هذا السياق، كان التأييد الرّوسي والصِّـيني غير المتحفِّـظ على قرار فرْض العقوبات، رغم توصّـل تركيا والبرازيل إلى اتفاق طهران النووي، مؤشِّـرا على أن استهداف أنقرة كان الهَـدف المركزي للتحرّك الدولي، لأن "قتل" اتفاق طهران، هو بمثابة إلغاء للدّور التُّـركي في التوصّـل إليه وقرار العقوبات رقم 1929، هو في الوقت نفسه عقوبات على تركيا المتضرّرة الأكبر من أية عقوبات على جارتها ومن مناخات توتير الأجواء في المنطقة عموما.

ارتباك تركي

في سياق متصل، يمكن القول أن الهجوم على "أسطول الحرية" لم يُـواجه بعدُ من جانب تركيا بما يتناسب مع حجْـم الحدث. ربما كان التردد التركي في اتِّـخاذ إجراءات فورية وكبيرة، مردّه إلى أنها فهمت الرسالة الدولية ولا تريد أن تواجه بمُـفردها الطَّـواحين الدولية، خصوصا أن الوضع العربي والإسلامي لم يكن صارِما في دفاعه عن تركيا، بل إن قرار لبنان في مجلس الأمن الدولي بالإمتناع عن التصويت على قرار العقوبات الجديدة المفروضة على إيران، تناقض مع الموقِـف التركي وبدا أنه معارضٌ لدور أنقرة، خصوصا أن لبنان عكَـس في تصويَـته موقف المجموعة العربية أو جزءا مهما منها على الأقل.

لم تتَّـخذ تركيا مواقف نارية ضدّ إسرائيل، بل كانت حريصة على أن تترك للحلّ السِّـلمي مجالا من خلال مطالب تُـعيد الوضع فقط إلى النقطة التي كان عليها قبل الإعتداء على أسطول الحرية، مثل الإعتذار والتّـعويض وتشكيل لجنة تحقيق دولية، ولا تصل المطالب التركية إلى حد مُـعاقبة إسرائيل على جريمة الإعتداء على السيادة التركية وفي المياه الدولية وقتل تسعة مدنيين أتراك.

لا يمكن فصل العلاقات التركية الإسرائيلية الآن ولا أمس ولا في الغد عن العلاقات التركية مع الغرب عموما، وخصوصا الولايات المتحدة. إن التضامن الغربي العملي مع إسرائيل كان رسالة واضحة على أنه "ينظُـر إلى إسرائيل على أنها جزء منه وأن أي انهيار لها هو انهيار للغرب"، كما قال رئيس الوزراء الإسباني السابق خوسي ماريا أزنار.

ومما يزيد في الإرباك التركي وحراجة الموقِـف، أن الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) أيضا، لم تقف عمليا إلى جانب تركيا، عضو الحِـلف وحليفتهم على امتداد ستّـة عقود ونيف.

انحياز وتطلّـع

إن "انحياز" تركيا إلى القضية الفلسطينية وتطلُّـعها إلى دور عالمي وإلى أن تكون لاعبا مؤسّـسا في نظام إقليمي ودولي جديد، قد ارتبط بحكومة حزب العدالة والتنمية والسياسة الجديدة، التي اتّـبعها منذ وصوله إلى السلطة عام 2002.

ومع أن الحزب ليس بهذه الدّرجة من الحِـدّة في موقِـفه من القضية الفلسطينية أو غيرها من الموضوعات، حيث أنه حاول أن يكون على مسافة واحدة من الجميع، بما في ذلك من إسرائيل والفلسطينيين وسوريا، غير أن مجرّد الوقوف في منطقة حيادية أو رمادية، لا يبدو أنه مقبول أو محبذ من جانب الغرب ومن طرف أمريكا، بل تعتبِـره خطرا يهدِّد أمن إسرائيل كما أمن الغرب.

إن الغرب قد لا يكون قد اتّـخذ بعدُ قرارا بإسقاط حزب العدالة والتنمية وإخراجه من السلطة. ومع أن شرعية الحِـزب وقوته تستمِـد من الشعب الذي أعطاه ثقته مرّتيْـن في انتخابات ديمقراطية، فإن الهدف الأساسي، حسبما يبدو في المدى المنظور، قد يقتصر على إضعاف سلطة الحزب والضّـغط عليه لاتخاذ مواقِـف "معتدِلة" وأقل تطرّفا من إسرائيل وأكثر تشدّدا من القضايا المتّـصلة بإيران.

وفي هذا الإطار، تستخدم الولايات المتحدة أدوات ضغط قد يشتَـمّ منها الحزب أنها تشكِّـل خطرا على شعبيته وإمكانية الفوز في الإتخابات النيابية المقبلة في صيف 2011.

من ذلك، موقف فتح الله غولن، رجل الدِّين التركي المُـقيم في الولايات المتحدة والذي انتقد موقِـف الحكومة التركية من إرسال قافلة أسطول الحرية، وقال إنه كان يجب أن تأخذ إذْنا مُـسبقا من إسرائيل. وموقف غولن هذا، بما له من نفوذ وقاعدة اجتماعية داخل تركيا، رسالة أمريكية واضحة إلى أن تأييد غولن (وأنصاره الذين يُعدون بالملايين داخل تركيا) لحزب العدالة والتنمية قد لا يستمِـر.

حِـرص على العلاقات مع واشنطن

على صعيد آخر، هناك حزب العمال الكردستاني الذي وإن كان يعتنق إيديولوجيا معارضة لسياسات الهيْـمنة الأمريكية، غير أن تزامن عملياته العسكرية الكبيرة والنوعية في الاسكندرونة وفي شمدنلي وفي إسطنبول وغيرها من المناطق التركية، مع الإعتداء على "أسطول الحرية" وقرار العقوبات على إيران والضغوط الغربية على تركيا، يُـمكن أن يكون فرصة تستفيد منها الولايات المتحدة وإسرائيل للضغط على حكومة حزب العدالة والتنمية بمعزل عمّـا إذا كانت هناك صِـلة مباشرة أم لا بين العمليات الدموية الأخيرة والاعتداء الإسرائيلي على القافلة البحرية المتجهة إلى غزة.

في هذه المناخات، كانت تركيا تحرِص على التّـواصل المباشر أو الهاتفي مع المسؤولين الأمريكيين، من الرئيس باراك اوباما إلى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. ومن الواضح أن تركيا، التي عانت الأمرّيْـن في عهد جورج بوش، ولاسيما من خلال التوجهات الرامية إلى تقسيم العراق، تريد أن تواصِـل سياسة ترميم العلاقات مع واشنطن بعد وصول أوباما إلى الرئاسة.

تواصل مع الغرب وعدم القطع مع إسرائيل

ومع أن غضبها من الموقف الأمريكي من أسطول الحرية ومن اتِّـفاق طهران النووي كان كبيرا، لكن حِـرصها على اعتماد أسلوب الدبلوماسية لحلّ المشكلة مع إسرائيل، يعكِـس رغبة تركية في استمرار التّـواصل مع الغرب، وفي الوقت نفسه، عدم القطْـع مع إسرائيل، حيث أن الدور الوسيط لتركيا هو من عوامل قوّتها ونفوذها وهو أيضا مطلب سوري، كما أشار غلى ذلك الرئيس السوري بشار الأسد مؤخّـرا.

الأكيد أن الأيام والأسابيع، بل الفترة الفاصلة عن الانتخابات النيابية المقبلة في تركيا، ستحمل في طياتها علامات ومؤشرات حوْل السلوك التركي تُـجاه التحدِّيات التي تُـواجهها البلاد والتي ستحدّد أكثر ملامح المرحلة المقبلة، وما إذا كانت تركيا ستُـواصل سياساتها السابقة أم أنها ستكون أكثر حذرا في الإقدام على أية خُـطوة مستقبلية. والواضح أن القرار لن يكون سهلا، لأنه يتّـصل في نهاية المطاف بالخِـيارات الإستراتيجية لتركيا.

د. محمد نور الدين – بيروت – swissinfo.ch

تقارير: إسرائيل فشلت في التخطيط لاعتراض قافلة مساعدات غزة

القدس (رويترز) - نقلت وسائل إعلام إسرائيلية يوم الاثنين 12 يوليو نتائج تحقيق عسكري، خلّـص إلى أن الجيش الإسرائيلي فشل في الاستعداد بشكل مناسب للهجوم الذي تحوّل إلى غارة مُـميتة على قافلة سُـفن مساعدات كانت متّـجهة إلى غزة.

ومن المقرّر أن تعلن في وقت لاحق يوم الاثنين لجنة عسكرية يقودها الجنرال الإسرائيلي المتقاعد جيورا ايلاند نتائج التقرير الرسمي عن الهجوم، الذي وقع في 31 مايو وقتل فيه تسعة نشطاء أتراك مؤيدين للفلسطينيين. وتجري لجنة مدنية تحقيقا منفصلا في الهجوم الذي فجر موجة غضب دولي وأحدث توترا شديدا في علاقات إسرائيل بتركيا التي كانت يوما حليفا مقربا لها.

ونشرت صحيفة يديعوت أحرونوت مقتطفات قالت إنها من تقرير اللجنة العسكرية. وقالت إن النتائج أشارت إلى "قصور في الاستعدادات (في معلومات المخابرات) قبل وصول" سفينة مرمرة التي ترفع علم تركيا. وأضافت أن "توجيهات المعركة" الصادرة لرجال الكوماندوس الذين اعتلَـوا السفينة، كانت قاصرة، وهو نفس الشيء بالنسبة لمعلومات المخابرات.

وقالت إسرائيل إن الجنود تصرّفوا دفاعا عن النفس عندما فتحوا النار على الركّـاب الذين هاجموهم بالقضبان الحديدية والسكاكين لدى نزول الإسرائيليين على السفينة. وقال الجيش الإسرائيلي آنذاك، إن بعض جنود الكوماندوس كانوا مسلّـحين بمسدسات تطلق كرات طلاء ومسلحين أيضا بمسدّسات حقيقية متوقّـعين أنهم سيواجهون مقاومة محدودة.

وقالت يديعوت أحرونوت ووسائل إعلام إسرائيلية أخرى، إن تقرير لجنة ايلاند لن يدعو لاستقالة أي شخصية عسكرية، لكن النتائج أثارت تكهّـنات بأن السجل العسكري لضباط كِـبار قد يتأثر. وتقول إسرائيل إن قوات الكوماندوس التابعة لها، تفرض حصارا بحريا ضروريا لمنع وصول الأسلحة إلى قادة حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في قطاع غزة.

واستجابة لانتقادات غربية، جاءت أيضا من جانب حليفها الأكبر الولايات المتحدة، خففت إسرائيل منذ ذلك الحين حصارا بريا للقطاع الذي يقطنه 1.5 مليون فلسطيني وسمحت بدخول مُـعظم السلع المدنية، بينما واصلت فرض الحصار البحري. وتقرير ايلاند، هو أول تقرير يُـنشر عن الحادث. أما لجنة التحقيق المدنية المنفصلة، فهي برئاسة يعقوب توركل القاضي السابق بالمحكمة العليا الإسرائيلية، وتضم مراقبيْـن دولييْـن اثنين. ولا يتضمن تفويضها المحدود التحقيق في العملية السياسية لاتخاذ قرار شن الغارة، رغم أن توركل قال إنها ستستدعي رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو للإدلاء بشهادته.

ويركز التحقيق بدلا من ذلك على ما إذا كان الحصار البحري واعتراض قافلة المساعدات يتّـسق مع القانون الدولي. كما ستحقق اللجنة أيضا في الأعمال التي قام بها منظمو القافلة والمشاركون فيها. ووصفت تركيا الهجوم الإسرائيلي المميت بأنه "إرهاب دولة" وسحبت سفيرها وألغت مناورات عسكرية مشتركة مع إسرائيل.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 12 يوليو 2010)

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة