تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

بعد 100 يوم على تشكيلها.. إنجازات الحكومة التونسية وإخفاقاتها

بقلم


يوم 14 مارس 2012، تحول حمادي الجبالي رئيس الحكومة التونسية إلى برلين حيث أجرى محادثات مع المستشارة أنجيلا ميركل وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين الألمان.

يوم 14 مارس 2012، تحول حمادي الجبالي رئيس الحكومة التونسية إلى برلين حيث أجرى محادثات مع المستشارة أنجيلا ميركل وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين الألمان.

(Keystone)

أدت الأحداث التي جدت يوم 9 أبريل الجاري بشارع الحبيب بورقيبة وما حوله بوسط العاصمة التونسية إلى حدوث هـزة قوية لحكومة ناشئة تجاوزت منذ أيام عتبة المائة اليوم من تاريخ تشكلها.

فالصدامات التي حصلت بين قوى الأمن والمتظاهرين من الفعاليات السياسية والمدنية خلفت وراءها مزيدا من الإحتقان بين حركة النهضة تحديدا وكل خصومها بمختلف المواقع، الذين استغل بعضهم تلك الأحداث للمطالبة بإسقاط الحكومة.

في هذه الأجواء المتوترة التي لم يخفف منها تراجع وزير الداخلية عن قرار منع التظاهر بالشارع الرئيسي في العاصمة، يتواصل الجدل في الساحة التونسية بين من يرى أن حكومة حمادي الجبالي تحتاج إلى فرصة إضافية، وبين من يعتقد بأنها فاشلة وعاجزة.

عودة إلى الواقعية

لقد هيأ رئيس الحكومة نفسه لتقبل القصف المضاد، فاعترف في حديث أدلى به إلى يومية "لابريس" بأن الفريق الحكومي لا يملك خبرة سابقة في مجال إدارة شؤون الدولة، وهو تشخيص تم رفضه بشدة في الفترة السابقة، لكنه في المقابل أكد أن حكومته حققت عديد المكاسب.

وبالرغم من العاصفة التي هبت في وجه وزير الداخلية، إلا أن الإئتلاف الثلاثي الحاكم في تونس الذي يتشكل من حزب حركة النهضة والتكتل من أجل العمل والحريات والمؤتمر من أجل الجمهورية، لا يزال مُصرا على مواجهة التحديات والإستمرار في إثبات قدرته على إدارة المرحلة الإنتقالية الثانية.

كذلك تواضعت الحكومة فأكدت أنها اكتشفت من موقع المسؤولية حجم المشاكل وتعقد الملفات الموروثة منذ سنوات طويلة، وهو ما جعل الخطاب السياسي الرسمي يخفف كثيرا من حجم الثقة في الذات، ويعمل على التقليل من حجم الإنتظارات الشعبية التي تتجاوز بكثير قدرات الحكومة، ويجنح نحو مزيد من الواقعية بعد السقف العالي للوعود.

إيجابيات هنا..

في هذا السياق، يمكن القول بأن الحكومة الإئتلافية التي أفرزتها انتخابات 23 أكتوبر 2011 قد تمكنت رغم الظروف الصعبة وتصاعد ضغوط المعارضة من تسجيل عديد النقاط لصالحها. ومن بينها:

- صمود الائتلاف الحاكم، وذلك رغم التباينات الفكرية والسياسية القائمة بين مكوناته. مع العلم أن هذه التجربة هي الأولى من نوعها في تونس والعالم العربي تقريبا، بعد أن كان الحزب الحاكم هو الطرف الوحيد الذي يحتكر السلطة ويهيمن على أجهزة الدولة. كما أنه لم يسبق أن تحالف إسلاميون وعلمانيون على إدارة حكومة تنطلق من مرتزكات ومرجعيات ديمقراطية.

- حقق بعض الوزراء نجاحا نسبيا في مهامهم، وذلك بالرغم من فقدان التجربة وصعوبة بعض الوزارات. من بينهم على سبيل المثال علي العريض وزير الداخلية، الذي تقمص - بالرغم من الإنتقادات التي وجهت له في عديد المناسبات - خصائص الدور، وهو ما جعل صحيفة المغرب التي يعتبرها الإسلاميون "خصما لدودا لهم " تصفه بـ "رجل دولة ". غير أن التطورات الأخيرة هزت من صورته، وجعلته عرضة لسيل من الإنتقادات دفعت بالبعض إلى المطالبة باستقالته. كما تمكن نور الدين البحيري من إدارة وزارة العدل التي تشقها خلافات وصراعات حادة حول مجمل المسائل الخاصة باستقلالية القضاء، وذلك بالرغم من استمرار الجدل حول ملف إصلاح القضاء. كما لعب حسين الديماسي وزير المالية دورا هاما في صياغة الميزانية التكميلية التي وإن أثارت جدلا واسعا في صفوف المعارضة والنقابيين ورجال الأعمال، إلا أنها حاولت أن تقدم معالجة جزئية وظرفية لبعض الملفات الحساسة، وجعلت الحكومة تملك على الأقل تصورا – ولو عاما – عن كيفية الإستمرار في مهمتها خلال الأشهر القادمة.

كذلك بذل رئيس الحكومة جهودا ملحوظة لمواصلة المساعي التي بدأها سلفه الباجي قايد السبسي في مجال كسب ثقة المحيط الإقليمي والدولي. وهي جهود ما أخذت تؤتي أكله خاصة مع الحكومات الغربية، وفي مقدمتها دول الاتحاد أوروبي. كما توجد مؤشرات عديدة على وجود انتعاشة محدودة في بعض القطاعات مثل السياحة ونوايا الإستثمار والتصدير، وهو ما جعل الحكومة تتوقع تحقيق نسبة نمو قد تتجاوز ثلاثة بالمائة بعد أن كانت النسبة سلبية، غير أن المعارضة تشكك في ذلك.

.. وسلبيات هناك!

في مقابل هذه الإيجابيات، ارتكبت حكومة الجبالي أخطاء عديدة، أثرت على أدائها طيلة المرحلة الماضية. من بينها:                                  

1.غياب سياسة إعلامية واضحة ومدروسة، مع الدخول في اشتباكات متكررة مع الإعلاميين، كان آخرها الإعتداءات التي تعرض لها بعض الصحافيين خلال أحداث 9 أفريل الأخيرة، وهو ما دفع بنقابتهم إلى مطالبة العاملين بالقطاع بحمل الشارة الحمراء، ومقاطعة نشاط وزير الداخلية لمدة أسبوع.

2. ضعف إدارة العلاقة مع المعارضة التي - بدل السعي إلى احتوائها أو تشريكها - تم العمل على تهميشها داخل المجلس الوطني التأسيسي، عن طريق تمرير مختلف القرارات عن طريق تصويت الأغلبية. وفي مقابل ذلك اختارت بعض الفصائل منذ تشكيل الحكومة أسلوب التصعيد والمواجهة. وهو ما طبع الحياة السياسية بأجواء تبادل الاتهامات، بلغت حدتها عندما دافع أعضاء في الحكومة عن فرضية وجود مؤامرة لإسقاط الحكومة بدعم من أطراف أجنبية. وهي الفرضية التي تم التراجع عنها فيما بعد، بعد أن عجزت هذه المصادر عن تقديم الأدلة عن ذلك. كما تنظر المصادر الرسمية بعين الشك والريبة للمحاولات التي تقوم بها المعارضة من أجل ترميم صفوفها، وترى فيها عملا معاديا لحركة النهضة.

3. الدخول في مواجهة غير مدروسة مع الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر النقابات في تونس)، وذلك على إثر الإضراب الذي شنه عمال النظافة التابعين للبلديات. وقد اتهمت قيادة الإتحاد أنصار حركة النهضة بالوقوف وراء إلقاء أكياس الفضلات أمام مقرات الإتحاد في الجهات، وهو ما نفته قيادة الحركة.

4. الإضطراب الذي صاحب إدارة ملف العلاقة بالتيار السلفي الجهادي، الذي صعّد من تحركاته منذ الإطاحة بالرئيس السابق، وإطلاق سراح رموزه. وبالرغم من محاولات حركة النهضة احتواء هذا التيار، ومحاولة ترشيده، إلا أنه استمر في تنفيذ أجندته بقطع النظر عن مصالح الحركة وأولوياتها، ودون الأخذ بعين الإعتبار التغيرات الضخمة التي حصلت في البلاد. وقد بلغ الأمر بأطراف في هذا التيار حد العمل على تهريب الأسلحة، والتدرب عليها، والعمل على خزنها، وهو ما كشفته المواجهة المسلحة التي تمت بمنطقة بئر علي بن خليفة القريبة من مدينة صفاقس، والتي أفاد على إثرها وزير الداخلية بأن المجموعة كانت تنوي إعلان إمارة إسلامية بتونس. ومع ذلك بقيت حركة النهضة والحكومة عاجزتين عن احتواء الظاهرة السلفية بكل تشعباتها، رغم تأكيد علي العريض بأن الخطر الأساسي على التجربة الديمقراطية قادم من التيار السلفي، وهو ما فسره بعض خصوم الحكومة بالعجز أو "التواطئ ".

5 - حصول تعثر في معالجة بعض الملفات الحساسة مثل ملف الشهداء وجرحى الثورة، الذي شكل صداعا قويا للحكومة، وفتح المجال أم تحركات عديدة خلفت وراءها مزيدا من الإحتقان، قبل أن يتم اتخاذ عدد من الإجراءات الإيجابية. كما أن ملف الفساد لا يزال يثير جدلا واسعا في تونس، خاصة بعد أن قررت الحكومة تسوية ملفات أكثر من 400 رجل أعمال منعوا من السفر طيلة المرحلة الماضية، وذلك من خلال التفاوض معهم حول تقديمهم لتعويضات مالية مقابل رفض الحظر عنهم.

صراع وتجاذبات

بين الإيجابيات والسلبيات، تواصل حكومة حمادي الجبالي عملها في ظل استمرار التجاذبات الحزبية والأيديولوجية، وفي مناخ تسوده أزمة الثقة، وتسيطر عليه حسابات حزبية متعارضة، تزيد من تغذيتها إغراءات الحكم والاستعدادات المحمومة لخوض المواعيد الإنتخابية القادمة.

فأحزاب الترويكا تريد أن تضمن استمرارها في الحكم بعد أن بدأت تكتسب المعرفة الدنيا بسير دواليب الدولة. أما المعارضة التي مُنيت بهزيمة قاسية يوم 23 أكتوبر 2011، تعمل حاليا على توظيف أخطاء الحكومة لصالحها، وتراهن على مزيد الضغط على الإئتلاف الحاكم لإقناع الرأي العام بعدم تجديد الثقة فيه. وبين هذا وذلك، يتوصل التعثر في صياغة الدستور من طرف المجلس التأسيسي، وتزداد الحيرة في صفوف قطاعات واسعة من التونسيين.

الحكومة التونسية تواجه ملف شهداء الثورة الشائك

تواجه السلطات التونسية ملف ضحايا الثورة الذي يسبب الكثير من الآلام والاحباط والمعرض لكل انواع التلاعب.

ويرفع المصابون وعائلات الضحايا الذين يثير استياءهم بطء التعامل الاداري والقضائي مع ملفاتهم، الصوت عاليا.

فقد دعت هيئات الى التظاهر يوم الاثنين 9 أبريل، في "يوم الشهداء" المخصص للاحتفال بذكرى ضحايا قمع تظاهرة من قبل القوات الفرنسية في التاسع من نيسان/ابريل 1938 في العاصمة التونسية.

وتحول اعتصام نظم الاسبوع الماضي امام وزارة حقوق الانسان صدامات عنيفة مع قوات الامن.

وتعرب العائلات التي تعتبر انها تعرضت للخيانة وتقول انها لم تحصل على المساعدات والتعويضات التي وعدت بها، عن اسفها بالقول "هكذا يعاملون ابطال الثورة".

وردت وزارة حقوق الانسان بالقول ان "هذا الملف تحول اداة ويجري التلاعب به"، مشيرة الى مشاركة احزاب سياسية في التظاهرات. كما دانت ظهور "جرحى مزيفين" على الوائح المصابين.

كم يبلغ عددهم؟ من هو الذي يستطيع ان يطلب اعتباره "شهيدا" او جريحا في الثورة؟ هذا السؤال اساسي. ويفيد احصاء اعدته الامم المتحدة ان 300 تونسي قتلوا و700 اصيبوا خلال الانتفاضة الشعبية التي بدأت في 17 ديسمبر 2010.

لكن متى ينبغي ان يتوقف الاحصاء؟ يحدد مرسوم قانون صدر في 24 تشرين الاول/اكتوبر 2011 حول تعويض المصابين والشهداء، فترة تصل حتى 19 شباط/فبراير 2011، اي ما يفوق الشهر بقليل بعد فرار الرئيس زين العابدين بن علي.

وقال توفيق بودربالة رئيس لجنة التحقيق التي انشئت في فبراير 2011 حول التجاوزات لدى اندلاع الثورة، "تسلمنا ملفات لها علاقة بأحداث وقعت بعد هذا التاريخ".

وسيتسلم رئيس الجمهورية التقرير النهائي "للجنة بودربالة" في الايام المقبلة. وسيتضمن هذا التقرير الذي طال انتظاره اللائحة الرسمية الاولى للمصابين والشهداء.

وقال بودربالة لوكالة فرانس برس "تسلمنا حوالى ثلاثة اآاف ملف، منها 2200 للجرحى واقل من 300 ملف للقتلى، اما الملفات المتبقية فتتعلق بأضرار مادية". ولدى صدور اللائحة ستتولى الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات (التابعة لرئاسة الجمهورية) تحديد الاشخاص الذين يستطيعون المطالبة بتعويضات.

وقد توزعت الملفات على بضع وزارات (الصحة وحقوق الانسان) وبضع لجان وما لا يحصى من الهيئات التي تدعي تمثيل الضحايا.

وقالت المحامية لمياء فرحاني وشقيقة "شهيد" ورئيسة مؤسسة "اوفياء" التي تعد ابرز واقدم مؤسسة تعنى بهذا الشأن، "اننا فعلا حائرون". واضافت "لم يعد في وسع الناس ان ينتظروا. الملح في نظر المصابين هو الحصول على العلاج، اما في نظر عائلات الشهداء فالأمر الملح هو احقاق الحق".

ومنذ سنة، تسلم ذوو المتوفين حتى الان 20 الف دينار (حوالى 10 الاف يورو)، والمصابون ثلاثة الاف دينار (1500 يورو).

لكن الطالب شادي عبيدي الذي اصيب في فخذه في التاسع من يناير 2011 يقول: "من هو أحق منا في الحصول على بطاقات المعالجة والنقل المجاني والوعود بالحصول على وظيفة في القطاع العام؟".

من جانبه، يرد عمر كسرى الذي اصيب في يده "نحن اول من يحق له بفرص العمل في القطاع العام، نحن من قام بالثورة". لكن عددا من عناصر مؤسسة "اوفياء" يقرون بوجود "جرحى مزيفين" حصلوا على تعويضات عن عير حق.

وقال المتحدث باسم وزارة حقوق الانسان شكيب درويش "نتفهم نفاد صبر الناس ونعمل بأقصى طاقتنا". وأشار الى وحدة العناية المخصصة للمصابين التي يجرى انجازها في مستشفى المنوبة (غرب تونس العاصمة) وتوزيع اولى بطاقات النقل ونقل عشرة من المصابين قريبا الى الخارج لخطورة حالاتهم.

(المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية أ ف ب بتاريخ 7 أبريل 2012)

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×