بعد 28 عامًا.. أصبح مشروع القرن حقيقة!

خلال مرحلة الاختبار، تم تسيير رحلات لقطارات بسرعة قصوى بلغت 275 كلم في الساعة داخل نفق "مونتي تْشِينِيري". © Keystone / Gaetan Bally

بافتتاح نفق مونتي تْشِينِيري للسكك الحديدية بطول 15,4 كيلومترًا ، تكون سويسرا قد وصلت إلى استكمال المرحلة الأخيرة في أضخم مشروع للبنية التحتية في تاريخها الحديث.

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 سبتمبر 2020 - 09:12 يوليو,

من المؤكد أن السويسريين يُحبون الحَفْر، فلو جمعنا أطوال أنفاق السكك الحديدية الرئيسية في البلاد، لناهزت المسافة المقطوعة تحت الأرض على طول البلاد من كياسو جنوبا إلى بازل شمالا، أي ما يعادل مائتي كيلومترا، علاوة على نفق غوتهارد الأساسي الذي تم افتتاحه في عام 2016 وسط أجواء بهجة عارمة، والذي يحق له - بطوله البالغ 56 كيلومترًا - أن يزهو بكونه أطول نفق حديدي في العالم، وأن يسجل رقما قياسيا يستأثر به لعقد من الزمن، إلى أن يتم افتتاح نفق برينّيرو (Brennero) الرابط بين إيطاليا والنمسا. 

بالإضافة إلى هذا النفق العملاق، هناك حاليا نفق "مونتي تْشِينِيري" الجديد، الذي ستُقام مراسيم افتتاحه يوم الجمعة 4 سبتمبر الجاري، وسيقتصر الحفل، بسبب انتشار فيروس كورونا، على عدد قليل من الحضور بدلا من 650 ضيفا كانوا متوقَّعين في البداية، ناهيك عن أنه لن يكون هناك أي جديد بالنسبة للمُستخدِمين إلى حين الموعد السنوي لتغيير التوقيت في شهر ديسمبر المقبل وتشغيل النفق، والذي سيكون مرهونا بالتأخير جراء انتشار الوباء، ويستوجب الانتظار حتى بداية شهر أبريل 2021 لكي يتسنى ربط جميع خطوط الاتصال. 

مشروع تفوق قيمته 20 مليار فرنك

وفقًا للمكتب الفدرالي للنقل، ستبلغ تكلفة كامل المشروع الجديد للسكك الحديدية العابرة لجبال الألب 17,7 مليار فرنك (وفق أسعار 1998)، ويتماشى هذا المبلغ مع ما كان مقدرا قبل التصويت في عام 1992 (حيث كان يدور الحديث عن 15 مليار فرنك دون اعتبار لغلاء الأسعار ومصاريف الفائدة ونحوه).

وفقا للأسعار الحالية ، أي بالنظر إلى ارتفاع الأسعار وضريبة القيمة المضافة وفوائد البناء، تبلغ تكلفة كامل المشروع حوالي 22,8 مليار فرنك.

وقد بلغت تكلفة نفق مونتي تْشِينِيري لوحده حوالي 3,6 مليار فرنك.

End of insertion

بالمقارنة مع نفق غوتهارد أو نفق لوتشبيرغ (34,6 كلم)، يبدو نفق مونتي تْشِينِيري بنسبة العود إلى العمود، حيث لا يزيد طوله عن 15,4 كلم. هل هذا قليل؟ قبل عشرين عاما فقط، كان من الممكن أن يُعتبر بمثل هذا الطول أحد أطول عشرة أنفاق حديدية في العالم. أما في نهاية هذه العشرية، أي عندما سيتم استكمال بُنى تحتية أخرى مماثلة، كنفقيْ "فرِيجوس" أو "برينيرو"، فسوف يتراجع إلى حدود المرتبة الثلاثين.

عمليا، سيضع افتتاحه حدا لمغامرة هندسية بدأت في سويسرا منذ ما يقرب من 30 عامًا. ويُعتبر المشروع الجديد للسكك الحديدية العابرة لجبال الألب "NTFA" أو "ألب ترانزيت Alptransit" ، والذي يضم على وجه الخصوص الأنفاق الثلاثة لوتشبيرغ وغوتهارد ومونتي تْشِينِيري، مثالا حيا على مزايا النظام السياسي السويسري، فبرغم التأخير والأخذ والرد ، تبقى إيجابيات الديمقراطية المباشرة السويسرية حاضرة، وإجازة صناديق الاقتراع للمشروع تفتح أمامه أبواب التنفيذ على مصراعيها، وليس كالمشاريع المماثلة الأخرى، مثل الخط الحديدي بين تورينو الإيطالية وليون الفرنسية، الذي توقّف بناؤه بسبب الاحتجاجات المتكررة، أما المشروع السويسري فلم تواجهه أية احتجاجات وبمجرد أن نال الموافقة الشعبية في اقتراع سبتمبر 1992 بنسبة 63,6٪ تهيأ للتنفيذ ولُجم الاعتراض ، حتى أن أولئك الذين عارضوا المشروع لأسباب مالية أو بيئية، كحزب الخضر، أذعنوا لنتيجة التصويت بلا مواربة. 

ثورة في نظام النقل بكانتون تيتشينو

يمثل دخول نفق مونتي تْشِينِيري الخدمة ثورة في عالم النقل السويسري عموما، وفي كانتون تيتشينو تحديدا. فعلى سبيل المثال ، ستتقلص مدة الرحلة بين مدينتيْ بيلِنْتزونا ولوغانو بمقدار الثلث، أي من 27 دقيقة إلى 19 دقيقة، وأكثر من ذلك بين مدينتي لوغانو ولوكارنو، أي من 50 دقيقة إلى 29 دقيقة. أضف إلى ذلك، أن بعض الخطوط الأخرى ستتعزز ، بينما يرى البعض أن النقلة الجديدة ستُعجّل في إنشاء "مدينة تِيتْشينو"، أي كتكتل حضري كانتوني مُوحّد وكبير.

كذلك، سيكون هناك مردود إيجابي على حركة النقل الدولية أيضًا ، وسيكون بالإمكان في العام القادم الوصول إلى ميلانو من زيورخ في أقل من 3 ساعات و 20 دقيقة، وباستكمال جملة أشغال أخرى، بعضها على الجانب الإيطالي، سيتقلص وقت الرحلة إلى حوالي 3 ساعات، أي أقل بـ أربعين دقيقة عن الزمن الحالي، الذي سبق وأن تقلص بنصف ساعة بافتتاح نفق غوتهارد الأساسي في عام 2016.

ولكي ندرك تطورات الأمور خلال عقود من الزمان، يكفي مجرد إلقاء نظرة على الرسم البياني التالي، وهو خاص بنفق الغوتهارد وليس بنفق "مونتي تْشِينِيري":

محتويات خارجية

زخم جديد لحركة الشحن بالسكك الحديدية

جدير بالذكر أن تقليص الزمن الذي تستغرقه الرحلات ما هو إلا أحد أهداف مشروع ألب ترانزيت، بينما هناك هدف آخر أكثر أهمية ، نصّ عليه الدستور السويسري إثر الموافقة الشعبية على مبادرة جبال الألب عام 1994، وهو تحويل حركة الشحن من الطرق البرية إلى السكك الحديدية، وبناء على هذا القانون يتوجّب خفض عدد المركبات الثقيلة التي تمر عبر جبال الألب من 1,4 مليون سنويًا في عام 2000 إلى 650 ألفًا، وكان مفترضا بلوغ هذا الهدف بعد عامين من افتتاح نفق غوتهارد الأساسي، إلا أن الهدف لا يزال بعيد المنال مع أن عدد المركبات الثقيلة يتناقص بالفعل.

محتويات خارجية

واللافت ، أن المحور الرئيسي لهذه الاستراتيجية هو الأنفاق الأساسية ، باعتبارها تسمح بزيادة المسارات الخاصة بقطارات الشحن ، وأيضا زيادة طول القطارات من 500 متر إلى 740 مترًا، نظرًا لاستواء مساراتها. ومن شأن نفق مونتي تْشِينِيري أن يعزز قدرات الخط الحديدي المتجه إلى كياسو وميلانو ، وبالتالي، يتيح لحركة الشحن على طول الممر الواصل بين الشمال بالجنوب ، والمتمثل حاليًا بشكل رئيسي بخط لوتشبيرغ/سِمْبْيوني وخط بيلينزونا/لوِينو/غَلّراتِي، منفذًا جديدًا ومهمًا. 

مع ذلك ، لا ينبغي أن نتوقع حدوث قفزة مفاجئة على مستوى النقل بالسكك الحديدية، فنفق مونتي تْشِينِيري الحديث، بالرغم من كونه يُشكل عنصرًا أساسيًا جديدا في سياسة النقل، إلا أنه ليس حلا سحريا لكافة المشاكل، وبغض النظر عن كون القطارات لا تصلح لجميع أنواع النقل، فإن وجود أنفاق على أعلى المستويات التقنية، أو تكنولوجيا السكك الحديدية، لن يكون ذا فائدة بدون طرق وصول مناسبة.

في هذا الصدد، تم عمل الكثير من أجل تهيئة البنية التحتية، وأصبح الممر عبر نفق بارتفاع 4 أمتار شبه جاهز، ليتكيّف مع تزايد الإقبال في أوروبا على نقل البضائع بواسطة شبه مقطورات يبلغ ارتفاعها 4 أمتار، كما تم أيضا إنجاز بعض الأشغال المهمة في إيطاليا بمساهمة من سويسرا بما يخدم الخط الواصل بين بيلينزونا وغَلَّراتي.

ولكن لا تزال هناك عقبات أخرى ، وبالذات على الخط المؤدي من تْشِينِيري إلى ميلانو، فالقطارات ستستمر في جنوب لوغانو بسيرها البطيء على ذات المسار الذي أنشئ منذ عام 1874 ولن يحصل أي تغيير قبل عام 2050، أما بخصوص المسار الرابط بين كياسّو وميلانو، فهناك خطة لاستثمار بضع مئات من الملايين في حلول تكنولوجية من شأنها أن تعزز قدرات خطوط السكك الحديدية، بينما سيتم في الوقت الحاضر تأجيل استثمارات البنى التحتية "المادية"، كإنشاء سكك أو أذرع ووصلات حديد جديدة، إلى موعد يتم تحديده فيما بعد.

أما أكثر ما يثير القلق فعلا ، فهو الوضع في جنوب ألمانيا، فلا يزال هناك تأخير كبير في الأشغال الخاصة بترقية المسار إلى أربعة خطوط على محور وادي الراين ، وفي هذا الصدد، تشير "هوباك"، أكبر شركة أوروبية للنقل متعدد الوسائط، إلى أن هذا التأخير يجعل من المستحيل حاليا مرور القطارات التي يبلغ طولها 740 مترا .

أما ملخص القول فهو أن الثورة في عالم النقل تحتاج إلى الكثير من الصبر.

مشاركة