تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

بـغـداد: معركـة الحسـم؟

يعوّل النظام العراقي على حرب شوارع في بغداد لإطالة أمد الحرب

(Keystone)

منذ بداية الحرب، ما فتئت القيادة العراقية تؤكد أن معركة بغداد ستكون "مقبرة للغزاة"، وأن اقتحام تلك المدينة سيكون نهاية الحملة الأمريكية البريطانية.

وعلى الجانب الآخر، يصر الأمريكيون والبريطانيون على أن معركة بغداد هي الفيصل والنهاية للنظام العراقي وللحرب برمتها.

ما بين الثقة الأمريكية المتناهية والإصرار العراقي، يظل التساؤل قائما: هل يمكن للمقاومة العراقية أن تصمد وإلى متى؟ وهل يمكن للمتحالفين أن ينتصروا ويحققوا أهدافهم المعلنة؟ أما الإجابات فهي حائرة هائمة لا يمكن حسمها، ويظل الانتظار سيد الموقف، وربما الأكثر حكمة معا.

انتظار نتيجة معركة بغداد وما قد تتضمنه من مفاجآت عسكرية وسياسية، يجب ألا يُغفل أن المقاومة العراقية في حد ذاتها، وكما بدت في معارك المدن الواقعة في جنوب البلاد، ولمدة الأسبوعين الأولين للحرب، مثلت مفاجآت كبيرة بحد ذاتها.

فبالرغم من التفوق النيراني والتقني للقوات الأمريكية والبريطانية، لم تسقط سوى مدينة ميناء أم قصر (حسب نتائج نهاية الأسبوعين الأولين فقط)، فضلا عن غبار كثيف حول حقيقة الوضع في الناصرية.

أما باقي المدن الرئيسية، فما زالت عصية على القوات الغازية، كالبصرة وكربلاء والنجف والكوت وغيرها، حيث المعارك الضارية تدور حول تخومها المباشرة أو أجزاء منها، في الوقت الذي تندفع فيه قوات أخرى مدرعة وآليات محملة بالجنود نحو الجنوب والغرب من بغداد، والتي تشهد تخومها الجنوبية والغربية قصفا جويا مركزا وعنيفا، إضافة إلى وسطها المدني، بهدف إضعاف قوات الحرس الجمهوري التي تحمى بغداد والنظام العراقي في آن واحد.

مفاجآت الصمود والمقاومة

مثّـل الصمود والمقاومة العراقية، على الأقل في الأسبوعين الأولين، مفاجآت كبرى لأسباب عدة. فقد ضُربت الافتراضات السياسية التي قامت عليها الخطط العسكرية الأمريكية، وضُربت مصداقية البيانات والتصريحات الأمريكية حول سير العمليات، وأربكت القوات المتقدمة نحو العاصمة، وأثارت جدلا وتشكيكا في حُسن التخطيط الإستراتيجي من قبل مصادر أمريكية وبريطانية مرموقة، وأدت إلى تغيير الخطط العسكرية على الأرض، وهو ما تمثل في وقف التقدم، بعد ثمانية أيام من بدء العمليات، لعدة أيام لإعادة التنظيم ولجلب المزيد من القوات الأمريكية بعدد يناهز 120 ألف جندي آخرين مزودين بأحدث الأسلحة والتقنيات.

والأهم من كل ذلك، أن المقاومة عكست قدرا من تماسك النظام العراقي وسيطرة قيادته، حتى أسبوعين من بدء الحرب، على مجريات الأمور السياسية والعسكرية والإعلامية، إذ لم تحدث انتفاضة شعبية بعد لا في الجنوب الشيعي ولا في مناطق أخرى في الوسط العراقي السني، في حين بدا أن هناك مشاركة شعبية في صد القوات الغازية أثناء محاولاتها السيطرة على المدن الكبرى، الأمر الذي كشف أن تقديرات المعارضة العراقية الوثيقة الصلة بالمؤسسات الأمريكية، كانت أقرب إلى تمنيات منها إلى فهم مناسب لطبيعة رد الفعل العراقي الشعبي من جانب، وكشف أيضا أن هذه المعارضة نفسها لا تزيد عن مجموعة من العراقيين لا جذور راسخة لهم في الداخل العراقي.

على الصعيد السياسي - الإستراتيجي، تبدو افتراضات الحرب الوقائية، كما وردت في الاستراتيجية الأمريكية، وكما تعكسها الحالة العراقية في المقاومة والصمود، رغم الفارق في الإمكانات، مسألة قابلة للمراجعة الجذرية.

فإذا كان بلد معزول كالعراق يمكنه أن يسبب كل تلك المشاكل والإحراجات العسكرية للقوة الأكبر، فكيف يكون الأمر في حال مواجهة بلد أكثر قوة عسكرية، أو بلد يملك قوة شبه متكافئة في الإمكانات والموارد، أو لديه قوة ردع فوق تقليدية، ولو بدائية.

المقاومة .. أشكال ومستويات

المقاومة في أبسط معانيها، هي القدرة على توجيه ضربات للقوات الغازية، وفي أكثر مستوياتها تأثيرا، هي إفشال الحملة العسكرية ودحر العدوان. ويُذكر هنا أن الاستراتيجية العسكرية المُعلنة عراقيا تدور حول هدف رئيسي حدده الرئيس صدام حسين في أول خطاب له بعد بدء الحرب في 20 مارس الماضي، وهو إطالة أمد العدوان وتكبيده خسائر كبيرة قد تدفعه إلى مراجعة حساباته السياسية لاحقا، تحت ضغط الخسائر البشرية والفشل في تحقيق الأهداف المعلنة.

وبهذا المعنى، فإن المقاومة العراقية بشقيها النظامي أو شبه النظامي أو الشعبي الخالص الذي تقوده مجموعات قبلية أو أفراد عاديون يصب كله في إطالة أمد العدوان، واستنزاف قدرات القوات المتحالفة عبر استراتيجيات الاستنزاف المختلفة، بما في ذلك عدم الدخول في معارك نظامية كبرى بعيدا عن تخوم المدن الرئيسية.

والُمرجح هنا، أن دوافع المقاومة تختلف من قطاع إلى آخر. فما يرتبط بحماية النظام والدفاع عن الذات الذي يمكن به تفسير صمود القوات النظامية أو قوات الحرس الجمهوري، يختلف عن مقاومة القطاعات الأخرى التي لا علاقة مباشرة لها بالنظام، وإنما تنطلق من قناعات وطنية ودينية بحتة تقوم على إيلاء الاستقلال وعدم الخضوع لقوة احتلال أجنبية، الأولوية على ما عداها من أولويات أخرى تتعلق بمواجهة نظام قاسي وديكتاتوري، وأيضا انطلاقا من إيمان جازم بأن العدوان هدفه النيل من العراق وموارده واحتلاله.

ولا ينفصل هذا الدافع عن حقيقة أن العراق المستقل، شأن العديد من الدول العربية، هو النقيض لمرحلة طويلة من تاريخ هذه المنطقة التي عانت، ولفترة طويلة من الخضوع لسيطرة أنواع عدة من الاستعمار.

فتلك المجتمعات العربية حديثة الاستقلال السياسي منذ أقل من نصف قرن، تبدو أكثر حرصا على هذا الاستقلال الشكلي مما سواه، يتساوى في ذلك بلدان كبيرة الحجم تناهز عدة ملايين، أم صغيرة لا يتعدى سكانها عدة آلاف. يضاف إلى ذلك إدراك عام داخل العراق وخارجه أن أهداف الولايات المتحدة الحقيقية لا علاقة لها بشعار تحرير هذا البلد أو بناء ديموقراطية حية فيه، وإنما هو استعماره واستنزاف ثرواته، أو بعبارة أخرى استبدال حكم شمولي بحكم استعماري يعيد ذكريات الخضوع والمذلة لطرف أجنبي بغيض. ومن ثم، يكون طبيعيا أن تحدث مقاومة ويتكرر الصمود وفق الإمكانات المتاحة، وأن يغيب الترحيب وتختفي الزهور وحبّـات الأرز.

هذا التفسير العام للمقاومة العراقية، يتطلب بُعدا آخر يخص صمود الجيش النظامي والحرس الجمهوري. فكلاهما مؤسسة عسكرية خاضعة لكل معاني التسيس، بمعنى دمج عقيدته القتالية المهنية بأهداف وآفاق سياسية كبرى، حيث يدمج الوطن بشخص القائد من ناحية، مع استيعاب الوطن كحقيقة خالدة ذات دور تاريخي من ناحية أخرى، وبما يعكس عقيدة البعث الفكرية من ناحية أخرى.

كما أن الروابط العائلية والعشائرية هي مكون أساسي في تكوين القطاعات والمنظمات والمؤسسات العسكرية والأمنية والإعلامية والسياسية المختلفة، وحين يمتزج العسكري المهني بالعقائدي السياسي وبالمصلحي العائلي، يُـصبح الوطن كله مجسدا في فكرة أو يصير قيمة عُـليا تستحق كل التضحيات.

شحن معنوي متبادل

أدى تماسك النظام وتكرار أشكال من الصمود والمقاومة، وما رافقها من قسوة ووحشية القصف الجوي الأمريكي، وتزايد الإصابات المدنية في داخل المدن العراقية وفي تخومها، ألهب المشاعر العربية، أكثر مما هي ملتهبة، وبدا أن هناك حالة من الشحن المتبادل معنويا وسياسيا بين تلك المظاهرات الغاضبة والرافضة للحرب في البلدان العربية الإسلامية، وبين تلك الحالة من المقاومة العراقية، والأمران معا أجبرا عددا من الحكومات العربية، لاسيما التي حمّـلت مسؤولية الحرب صراحة للعراق ورئيسه صدام حسين، على تغيير مواقفها المعلنة إلى مواقف أكثر تعبيرا عن رفض العدوان وعن خطورة ما يجري في العراق على العالم العربي ككل، وتلك بدورها أظهرت أن ضغوط الرأي العام العربي المشحونة بالغضب الشديد، باتت تشكل متغيرا مُـهِـمّـا في السياسات العربية يصعب تجاهله أو إنكار وجوده أو السعي إلى كبته.

واللافت للنظر هنا، أن ضغط الرأي العام العربي واستيعابه لأبعاد العدوان على العراق، كان يُـدرك الفارق الجوهري بين رفض العدوان وضرورة مقاومته، وبين الدفاع عن العراق كبلد عربي مسلم له وزنه السياسي والمعنوي والتاريخي. وفى الآن نفسه، يُـدرك الفارق الجوهري بين مناصرة العراق وبين نظامه، الذي لا يتمتع بأية شعبية لدى المجتمعات العربية قاطبة، وهو ما تجلى في غياب صور الرئيس صدام حسين في أي من المظاهرات العربية الحاشدة، ووضوح الشعارات المنادية بالدفاع عن العراق ومناصرة المقاومة فيه، وربطها بالوقوف أمام هجمة استعمارية جديدة تقودها الولايات المتحدة ضد المنطقة العربية برمتها.

د. حسن أبو طالب - القاهرة

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×