Navigation

Skiplink navigation

بوش مرة ثانية .. ما بعد الصدمة!

مواطن عراقي يطالع صحيفة "المؤتمر" الصادرة في بغداد يوم 4 نوفمبر 2004 وهي تعلن عن فوز الرئيس الأمريكي جورج بوش على منافسه جون كيري Keystone

اختار الأمريكيون رئيسهم، ولم يعد بالإمكان الحديث عن تغيير أو بداية جديدة، مثلما كان يأمل كثيرون داخل الولايات المتحدة وفي ربوع عدة من العالم، من بينها العالمين العربي والإسلامي.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 نوفمبر 2004 - 20:30 يوليو,

لذلك لم يعد أمام أحد سوى التكهن والاستعداد لما ستكون عليه الولاية الثانية للرئيس بوش الابن، وهو تكهّـن يمكن أن يأخذ أحد ثلاثة مسارات..

مسارات ثلاثة للمستقبل

لا حيلة لأحد الآن، لقد اختار الأمريكيون رئيسهم، ولم يعد بالإمكان الحديث عن تغيير أو بداية جديدة، حسب شعار المنافس المهزوم جون كيرى. وكما كان يأمل كثيرون داخل الولايات المتحدة وفي ربوع عدة من العالم، من بينها العالمين العربي والإسلامي.

هكذا قضى الأمر، ولم يعد أمام أحد سوى التكهن والاستعداد لما ستكون عليه الولاية الثانية للرئيس بوش الابن، الذي أثار العالم مرّات عدّة في رئاسته الأولى باستراتيجيته الهجومية تجاه الأعداء المحتملين والحقيقيين، والمتصورين والمفترضين في ذهنية المؤسسة الأمريكية المحافظة والحاكمة، وهو تكهّـن يمكن أن يأخذ أحد ثلاثة مسارات.

الأول، أن تستمر الاستراتيجية ذاتها، التي خبرها العالم في السنوات الأربع الماضية متحكّـمة في مسار السنوات الأربع المقبلة، ومن ثم فلا تغيير ولا تعديل، استنادا إلى أن الناخب الأمريكي قد أعطى برَكته وتأييده الكبيرين لمثل هذه الاستراتيجية "الناجحة"، وتظل المشكلات ذاتها بين الولايات المتحدة وغيرها من الدول، والحروب ذاتها، دبلوماسيا وواقعيا، مع احتمال أن تتّـسع جغرافيتها إلى حالات أخرى هنا وهناك.

الثانى، أن تستمر الاستراتيجية الهجومية في جوهرها مع إحداث تعديلات مناسبة ومحسوسة في آليات التطبيق. فبدلا مثلا من التهميش الكامل للحلفاء القدامى أو للمنظمة الدولية أو للقانون الدولي، يحدث قدر من الاحترام وآخر من التعاون، بحيث لا تكون أمريكا السنوات الأربع المقبلة معزولة عن محيطها الدولي كما كانت في السنوات الأربع الماضية. وبدلا من تجاهل قضايا جوهرية تؤثر على سمعة أمريكا ومصداقيتها في عموم العالم، يكون التوجه نحو التعامل مع تلك القضايا بنية حلّـها وإيجاد مخارج مناسبة ومقبولة لها.

أما المسار الثالث، أن يتحوّل بوش في رئاسته الثانية إلى رئيس جديد أكثر ثقة بنفسه وأكثر تحررا من الضغوط المتصورة والواقعية، إذ لا حاجة له لمهادنة أحد بعد الآن، ومن ثم يُـعيد بناء استراتيجية جديدة تضمن له تغيير الصورة النمطية، التي اشتهر بها في الخارج من حيث السطوة والعنجهية والضرب بعرض الحائط لمصالح الحلفاء والأصدقاء على السواء، وبعبارة أخرى، أن ينقلب بوش الثاني على بوش الأول انقلابا جذريا.

المـسـار الأرجـح

ويبدو المسار الثالث هو الأقل واقعية، فهو مستبعد تماما، كما أن المسار الأول قائم على افتراض أن بوش للمرة الثانية لم يتعلم من خبرته الأولى، وأنه لا يدرك تماما حجم الصعوبات التي واجهتها بلاده عند تطبيق استراتيجيته الأحادية الهادفة إلى الهيمنة شبه المطلقة على مقدرات القرار العالمي، وأنه ما زال مُـصرا على السير بنفس الوثيرة، وهو ما لا يمكن قبوله، لا نظريا و لا عمليا.

وبالتالي، يظل المسار الثاني المفترض، مزجا بين الاستمرار في الجوهر والتباين في التطبيق والأداء، هو الأكثر احتمالا. وتبدو كلمات الرئيس بوش الأولى، بعد إعلان فوزه برئاسة ثانية معبرة عن هذا المنحى إلى حد كبير.

فهناك دعوة للتصالح مع أوروبا من خلال التعهد بالعمل معها لإنجاز قضايا مشتركة، لاسيما الحرب على الإرهاب ونشر الحرية والديمقراطية في العالم. وهناك إصرار على تغيير النظم التي تعد أمريكيا مغموسة في الاستبداد، وتتشوق إلى الحرية والديمقراطية، وهناك إصرار على استكمال المهمة في العراق، وهي المهمة التي تحددها واشنطن، وليس أحد غيرها.

وهناك أيضا تمسّـك بحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس دولتين متصالحتين، ولكن دون إشارة إلى خطة خارطة الطريق. إذن، جوهر الكلمة الأولى يعكس تمسّـكا بالأهداف الاستراتيجية الكبرى التي ميّـزت رئاسة بوش الأولى، مع ميل إلى تعديل في الآليات، بحيث تكون أقل هجومية في بعض القضايا، ساعية إلى التعاون مع أطراف دولية أخرى في قضايا أخرى، ومتشبثة بفرض رؤيتها في قضايا ثالثة.

والغالب، أن ما سيفرّق بين قضية وأخرى سيكون طبيعة القضية نفسها، ومدى قدرة الولايات المتحدة على إدارتها أو حلّـها دون الحاجة إلى جهود الآخرين، جزئيا أو كليا.

القضايا العربية.. مزيج مختلف

القضايا العربية شأنها العديد من القضايا الدولية الأخرى ستتأثر حتما بهذا المزيج بين استمرارية الأهداف الاستراتيجية المعروفة، وتغيير آليات التعامل المفترض، لكن سيكون لكل منها نسب مختلفة من هذا المزج.

فعلى الصعيد الفلسطيني، تبدو الظروف مؤهّـلة أكثر لإعادة نظر شبه جذري في استراتيجية التجاهل التي طبّـقتها إدارة بوش الأولى. ومن ثم التحول إلى نوع من التحركات الدبلوماسية النشطة والمحسوبة جيدا، والقائمة على قاعدة التوصل إلى تسوية تُـتيح إعلان دولة فلسطينية لا تتناقض كلية مع المقاييس الإسرائيلية من جانب، وتفتح بابا لتهدئة مشاعر الغضب والنقمة العربية من جانب آخر، بحيث تكون من وجهة النظر الأمريكية تطبيقا لوعد بوش بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة من جانب ثالث.

الأسباب والدوافع المؤهلة لمثل هذا التحول من وضع التجاهل والتأييد المفرط لشارون إلى دبلوماسية نشطة، هي أسباب متنوعة الأصول. فهناك أصل أمريكي يعني بأن الرئيس بوش الذي لم يختره غالبية اليهود الأمريكيين في الانتخابات الأخيرة، قد يعتبر أن لديه فرصة تاريخية بأن يكون صانعا للسلام لواحدة من أكثر القضايا الدولية المعاصرة تعقيدا وإثارة للغضب على الولايات المتحدة نفسها.

فهو من جانب، متحرر من الحاجة إلى مهادنة قوى الضغط الصهيونية في الداخل، حيث لا إمكانية للترشح ثالثا، كما أن إيمانه وتديّـنه يدفعانه إلى السعي للحفاظ على هوية الكيان العبري كدولة نقية لليهود، وهو ما لا يتأتّـى إلا بإقامة دولة يتجمّـع فيها الفلسطينيون مُـسالمين وقانعين بواقعهم الجديد.

فضلا على أن مساندته ووقوفه وراء شارون غير المسبوق طوال الولاية الأولى، يُـعطيان له الحق في أن يطلب ردا للجميل يتمثل في نوع من التجاوب مع أفكار أمريكية تعلم إسرائيل أنها لن تكون مضرة، لا بأمنها ولا بوجودها، بل لحمايتها ولتكريس تفوقها على جيرانها.

فلسطينيا، فإن الأقدار تصب في خانة ضرورة التحول الأمريكي. فغياب الرئيس عرفات عن الصورة سيقود حتما إلى انبعاث قيادة جديدة، وهو الشرط الذي تمنّـاه الأمريكيون والإسرائيليون، وطالما اعتبراه المبرر الأوحد أو الأقوى لتجاهل الحقوق الفلسطينية، مثل هذه القيادة الفلسطينية الجديدة ستوفر مجالا لنظرة أمريكية جديدة، ولن يكون يسيرا تجاهل وجودها أو اعتبارها مجرد تحصيل حاصل.

أما إسرائيليا، فقد ثبت عجز القوة المفرطة في وأد الانتفاضة أو زرع اليأس في نفوس الفلسطينيين. وبما أن التسوية، (أيّ تسوية)، ستتطلب تنازلات إسرائيلية، فإن تقديمها للرئيس بوش سيُـعد تتويجا لعلاقة من نوع خاص من جانب، وللتحرر من المأزق الذي تعانيه إسرائيل من جانب آخر.

بيد أن تحفظا يجب قوله هنا، فإن أي دبلوماسية أمريكية نشطة متصور حدوثها في المسار الفلسطيني خلال ولاية بوش الثانية، لا يعني بالضرورة أنها ستنتهي إلى تسوية شاملة بالمعنى التاريخي، والأرجح أن تكون هناك تسوية، وربما دولة فلسطينية بمقاييس خاصة، وقد تبادر دول العالم إلي الاعتراف بها والترحيب بوجودها، وفي الوقت ذاته تظل شرعية مثل هذه الدولة محل تساؤل ورفض واستنكار من قطاعات عربية وفلسطينية عدة، وحينذاك نكون أمام تسوية مهزوزة قابلة للتراجع، ولو بعد حين.

العراق والوضع المحسوم

عراقيا، يبدو الوضع محسوما. فهناك مهمة حسب قول الرئيس بوش لابد من استكمالها، وهي مهمة بدأت في الولاية الأولى، لكن ليس محسوما متى ستكون نهايتها. فهي من نوع المهام المفتوحة، والتي قد تتطلّـب زيادة عدد القوات الأمريكية وليس تقليصها.

وبما أنها مفتوحة المدة، فإن عودة الجنود الأمريكيين إلى بلدهم مكلّـلين بالنصر، حسب وعد الرئيس بوش، تظل مؤجلة إلى حين بعيد، ويكون معها العراق الجديد تحت سطوة القوات الأمريكية، أيا كان الاسم الذي ستحمله.

والبوادر التي نراها في معارك الفلوجة تعني أن استخدام القوة لن يردعه أحد، طالما أنه يُـنظر إليه باعتباره جزءا من الترتيبات الساعية إلى انتخابات عراقية يُـعول عليها في نموذج بناء العراق الديمقراطي الحر والصديق الوفي للولايات المتحدة.

وإلى حين تُـجرى الانتخابات العراقية، ستظل المواجهة العسكرية هي السائدة، والمؤكد أن تسعى الولايات المتحدة إلى جذب مساهمات عسكرية دولية للمساهمة في الشأن العراقي، لكن المرجح أن لا تحدث استجابات كبرى، بحيث تستمر أمريكا الأكثر تورطا في الشأن العراقي.

سوريا ولبنان.. وقع مختلف

وفي ظل التورط الأمريكي في العراق، سواء اقترن بانتخابات عراقية ناجحة أم محدودة القيمة، فإن الضغط على سوريا ولبنان سيكون له وقع مختلف.

والمعروف أن محاولة مقايضة سوريا تعاونها في ضبط الحدود مع العراق وإبداء التعاون والمساندة المعنوية والسياسية للانتخابات العراقية التي ستُـجرى في ظل الاحتلال الأمريكي، بقبول واشنطن بدورها الحر في الشأن اللبناني هي محاولة ليست مقبولة أمريكيا، وليس هناك ما يشير إلى أن بوش في رئاسته الثانية قد يقبل هذه المعادلة، بل الأرجح أن يستمر الضغط الأمريكي لتطبيق القرار الدولي 1559 بكل بنوده، حتى ولو حدث نوع من الحوار السياسي بين دمشق والبيت الأبيض.

ويساعد واشنطن في ذلك، أن الموقف الفرنسي يتطابق في هذا الشأن مع نظيره الأمريكي، ناهيك أن سوريا في إدراك بوش ليست الدولة المؤهلة لنيل الثقة الأمريكية، فلا نظام ديمقراطي لديها، ولغتها السياسية لا تتناسب مع جوهر الاستراتيجية في المنطقة، وهي حجر عثرة في "إنجاز" عملية سلام بالمقاييس الأمريكية والإسرائيلية.

يضاف إلى ذلك أن تخفيف الضغط على سوريا قد يعطى إشارة خاطئة لإيران التي ستجاهد إدارة بوش الثانية في نقل ملفها النووي من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن، بما يعنيه ذلك من احتمال توقيع عقوبات عليها وعزلها دوليا.

حيرة أمريكية في السودان

سودانيا، تبدو هناك حيرة أمريكية بعض الشيء. فملف دارفور موجود بالفعل في مجلس الأمن، وتوقيع مزيد من العقوبات على حكومة الخرطوم لن يسهم في حل المشكلة، بل سيزيدها تعقيدا، كما ن دور الاتحاد الإفريقي الذي طالب به القرار الدولي رقم 1564 لحل المشكلة لم تتح له فرصة عملية لتطبيقه.

يضاف إلى ذلك أن تدخلا عسكريا أمريكيا سيكون مكلفا، سياسيا وعسكريا، وفائدته غير مرجحة على أي حال، وإذا ما حدث، فإن موضوع السلام في الجنوب الذي استثمرت فيه واشنطن كثيرا العامين الماضيين سيكون في خبر كان.

تقود مجمل هذه الاعتبارات إلى ترجيح أن تتابع الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والمعنوية والدعائية على حكومة الخرطوم، التي سيكون عليها من أجل تهدئة تخفيف الضغوط، أن تلجأ إلى توقيع السلام النهائي مع حركة جون غارانغ في الجنوب، وأن تسلم بمزيد من الصلاحيات للاتحاد الإفريقي في شأن دارفور، وأن تستمر في مفاوضات سياسية مع قوى المعارضة في الداخل.

وإذا ما تم التوصل إلى اتفاق سلام نهائي في الجنوب، فربما تجد الولايات المتحدة نفسها مؤهلة لمساعدة السودان الجديد على المحافظة على استقراره، والعكس أيضا صحيح.

رب ضارة نافعة

"التحول الديمقراطي في العالم العربي سيكون له نصيب كبير من الدبلوماسية الأمريكية في السنوات الأربع المقبلة"، هذه نتيجة مستقاة من الكلمات الأولى للرئيس بوش، والتي تشير بدورها إلى أن كم الضغوط الأمريكية الموجهة إلى دول عربية بعينها، تعد في العرف الأمريكي مستبدة، ومنبعا للإرهاب والإرهابيين وبحاجة إلى تغيير محسوس في نظاما السياسي والقيمي، سيكون كبيرا ومتتابعا ومنهجيا، وسيتم بمزيج من الوسائل الأمريكية البحتة وأخرى بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ولن يكون أمام النظم العربية سوى التجاوب، لأن الالتفاف البارع الذي تم خلال العام المنصرم يبدو مفضوحا.

فلا شيء تغيّـر ولا تقدم حدث. وربما جاز القول هنا: رب ضارة نافعة، فالضارة في رأي كثيرين هي إعادة انتخاب بوش مرة ثانية، أما النافعة فاحتمال أن يشهد المرء ممارسات ديمقراطية أو قدرا منها في الأنظمة العربية.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة