Navigation

سياسة واشنطن إزاء ما يحدث في مصر "تتراوح بين التخبّط وعدم الوضوح"

جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي (على اليمين) يتبادل أطراف الحديث مع نظيره المصري نبيل فهمي خلال ندوة صحفية مشتركة عقدها الرجلان في القاهرة يوم 3 نوفمبر 2013. Keystone

أيام قليلة فصلت ما بين تصريح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في محاولة منه لرأب الصّدع مع مصر، والذي قال فيه إن الإخوان المسلمين "سرقوا ثورة الشباب" وأن الإطاحة بمرسي كانت "ضرورية لمنع سقوط البلاد في أيدي المتطرّفين الإسلاميين"..

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 ديسمبر 2013 - 19:00 يوليو,
محمد ماضي - واشنطن, swissinfo.ch

وبين تصريح للدكتورة سوزان رايس، مستشارة الرئيس أوباما لشؤون الأمن القومي قالت فيه: "لقد حاولنا أن نشير إلى الشعب والحكومة في مصر إلى أننا نساند عملية العودة إلى حكومة ديمقراطية مُنتخبة، ولكن يتعين على تلك الحكومة أن لا تقصي أحدا، بل وأن تسمح لكل القوى السياسية بالمشاركة، دون اللجوء إلى العنف، ولكن مع ما حدث من فضّ للإعتصام وقتل أكثر من ألف مصري في أغسطس، لا يمكن أن تتظاهر الولايات المتحدة بأن بوسعها استمرار العلاقات الأمريكية مع مصر على نفس المستوى من الصداقة".

إن أي نظرة متفحصة للتصريحيْن، تظهر الارتباك في السياسية الخارجية إزاء ما يحدث في مصر وتوضّح بما لا يدع مجالا للشك وجود توتر شديد بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض في هذا الخصوص.

فقد تجاهل وزير الخارجية في إدارة أوباما توصية مستشارة الأمن القومي له قبيل زيارته الأخيرة لمصر، بضرورة توجيه خطاب شديد اللّهجة حول احتجاز الرئيس المنتخب محمد مرسي وإجراءات محاكمته، بل وأعلن كيري دعمه لخارطة الطريق باعتبارها "الجسر المؤدّي إلى التحول الديمقراطي"، بينما لم تُخف الدكتورة رايس انتقاداتها الواضحة لتدخّل القوات المسلحة بقيادة وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي وعودة المجلس العسكري لممارسة السياسة والترويج لترشيح السيسي رئيسا باعتباره "البطل المنقذ".

السبب الأعمق للتخبط

ومع أن التصريحات المتناقِضة لكيري ورايس تظهر أن التخبّط الأمريكي في التعامل مع مصر ما بعد الثورة، قد يكون خلافا شخصيا حول أفضل السُّبل للتعامل مع مشهد سياسي مُرتبك في مصر، إلا أن الخبراء والباحثين في السياسة الخارجية الأمريكية يروْن أسبابا أعمَق وراء ذلك التخبّط، كما توضح الدكتورة تمارا كوفمان، المساعدة السابقة لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط حيث صرحت لـ swissinfo.ch أن "الإرتباك لا يعود فقط إلى التوتّر القائم بين كيري ورايس، وإنما إلى النزوع إلى انتهاج سياسة إزاء مصر تتّسم بالعفوية وردّ الفعل في غياب واضح لاستراتيجية بعيدة المدى يضعها الرئيس أوباما، ولا يخفى على أحد غياب أقوال وأفعال أمريكية توضّح رؤية جلية لكيفية التعامل مع مصر بشكل يُحافظ على المصالح الأمريكية في المدى البعيد".

وترى الدبلوماسية الأمريكية السابقة التي ترأس حاليا مركز صابان لسياسات الشرق الأوسط، أنه بينما أوضح الرئيس أوباما قناعته بأن النظم الشمولية في الشرق الأوسط لن يكتب لها الإستقرار، فإنه لم يُظهر القدر الكافي من القلق إزاء ما يحدث في مصر وآثاره على المصالح الأمريكية في المستقبل. ويتّفق معها في ذلك مايكل حنا، الخبير في مركز سينشري فاونديشن في نيويورك، الذي يرى أن إدارة أوباما "ليس لها رُؤية واضحة للتعامل مع المشهد المرتبك في مصر، ولذلك فإن سياستها تميل إلى ردّ الفعل وتتراوح في ذلك بين التخبّط وعدم الوضوح".

أما البروفيسور ناثان براون، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن، فيرى أن الرسائل المُتضاربة من أقطاب السياسة الأمريكية في الخارجية ومجلس الأمن القومي، تعكس اختلافا واضحا في وجهات النّظر حول محاور التعامل مع المشهد المصري، ويذهب إلى أن "تصادم التصريحات الأمريكية حول مصر، يعكس أولويات مختلفة، حيث يركِّز كيري على الديناميكيات الإقليمية ويتقبّل وقوع انقلاب عسكري ويغلِّفه بطنطنة خطابية تعوّد عليها في مجلس الشيوخ، بينما تركز رايس من واقع خِبرتها مع نظم الحُكم في إفريقيا على أهمية الإلتزام بحقوق الإنسان وسيادة القانون وتشعر بالقلق إزاء ما تتّجه إليه مصر وآثاره على المصالح الأمريكية".

موقفان أمريكيان من تدخل الجيش

الإرتباك الأمريكي لا يقتصر على تناقُض التصريحات، ولكنه يشهد مواقِف مُختلفة من تدخّل القوات المسلحة المصرية لعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي. فبينما حرصت وزارة الخارجية الأمريكية على عدم تسمِية ما حدث في مصر بانقلاب عسكري وعملت وزارتا الخارجية والدفاع على عدم المساس بمُعظم المساعدات الأمريكية لمصر، حرصا على العلاقات الإستراتيجية والمصالح الأمريكية، أصرّ البيت الأبيض على الإنصِياع لقانون المساعدات الخارجية الذي يحظر تقديم مساعدات أمريكية إلى دولة شهِدت انقلابا عسكريا، رغم عدم توصيف ما حدث في مصر رسميا بأنه انقلاب، ولذلك اضطر إلى تعليق مُعظم المساعدات العسكرية لمصر في أعقاب لجوء الجيش والشرطة إلى العنف الذي أودى بحياة أكثر من ألف مصري انتظارا لتحقيق الحكومة الإنتقالية في مصر لـ "تقدّم ملموس" في التحوّل نحو الديمقراطية.

في الأثناء، انتقل الخلاف إلى أروقة الكونغرس. فقد صرح السناتور الجمهوري غراهام ليندسي، العضو البارز في لجنة تخصيص المساعدات الخارجية بمجلس الشيوخ، بأنه يُعارض تقديم أي مساعدات لمصر إلى أن تتّخذ حكومتها الإنتقالية خطوات رئيسية لاستعادة حُكم القانون والإنتقال إلى حكومة مُنتخبة، وليس دعم الإنقلاب. أما النائب الديمقراطي إيليوت إنجل، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب فقال: "لقد ساندت في البداية تعليقا مؤقتا لتسليم مصر طائرات إف 16 بعد تدخّل الجيش لعزل الرئيس المنتخب، ولكنني أدركت فيما بعد أن تعليق المساعدات العسكرية لن يجعل نظام الحُكم في مصر أكثر ديمقراطية ولن يُسهّل على الولايات المتحدة استخدام نفوذها للتأثير على سلوك ذلك النظام، بل سيؤدّي تعليق المساعدات إلى تقويض العلاقات العسكرية الوثيقة مع الجيش المصري".

وعندما سألت swissinfo.ch النائب الديمقراطي المخضرم جيمس موران عن رأيه في الجهود المبذولة تحت عنوان "كمّل جميلك" لإقناع الفريق السيسي بالترشّح لانتخابات الرئاسة المصرية المقبلة، أجاب بالحرف الواحد: "سيكون ذلك أفضل للعلاقات المصرية الأمريكية، حيث سينافس مرشّحين آخرين على الوصول لكرسي الرئاسة، بدلا من الوصول إليه على ظهر دبّابة في انقلاب عسكري".

أي مستقبل للعلاقات المصرية - الأمريكية؟

ومع أن التقارب المصري في الآونة الأخيرة بين مصر وروسيا قد أوحى لكثيرين بأن العلاقات الإستراتيجية بين واشنطن والقاهرة "قد تدخل مرحلة الطلاق"، إلا أن خبراء أمريكيين يقللون من شأن ذلك التقارب ويصرّون على أن العلاقات المصرية الأمريكية الوثيقة تخدم مصالح الدولتين، حيث أوضح الدكتور إيريك تريغر، الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط لـ swissinfo.ch أن "العلاقات المصرية الأمريكية هي علاقات إستراتيجية تستند إلى الأخذ والعطاء. فبينما تسمح مصر للسّفن الحربية الأمريكية بالأولوية في عبور قناة السويس ومنحت الطائرات الحربية الأمريكية حق الطيران في المجال الجوي المصري، تعطيها الولايات المتحدة ألفا وثلاثمائة مليون دولار كمساعدات عسكرية سنوية". ويخلص تريغر إلى أنها علاقة "قامت لتستمِر، ولكنها تحتاج إلى أخذ التحوّلات في مصر مأخذ الجد".

من جهتها، ترى إيميلي هوثورن، كبيرة الباحثين في مركز الحريري للشرق الأوسط، التابع لمؤسسة أتلانتك كاونسل، أن المعضلة الحقيقية في العلاقات المصرية الأمريكية، تتلخص في أنها "اعتمدت لعقود على التعامل الوثيق بين الحكومتيْن وأهملت الولايات المتحدة توسيع نِطاقها ليشمل القِوى السياسية الأخرى ومنظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال والتعليم".

مع ذلك، يؤكد الدكتور خالد الجندي، خبير الشرق الأوسط بمعهد بروكنغز أن إدارة أوباما لم تستفِد بعدُ من دروس الماضي ولا زالت تتعامل مع مصر بعد الثورة بنفس المَنطق، ويقول: "لقد وقعت الولايات المتحدة في نفس الفخّ الذي نصبته لنفسها في عهد مبارك، فهي لا تزال تفضل انتهاج نظرية التفاوض مع النّخبة الحاكمة وإهمال اللاّعبين السياسيين الآخرين الذين لهم كلمتهم في توجّهات العلاقة المصرية المعقّدة مع الولايات المتحدة، مما يوحي باتِّساع فجوة سوء التفاهم القائمة حاليا بين شعب وقوى سياسية تريد علاقات مختلفة على قَـدم المُساواة لخدمة المصالح المشتركة وبين سياسة أمريكية ضيقة الأفـق". 

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.