Navigation

بين مخاطر الإرهاب وعجز الدبلوماسية

إجراءات أمنية مشددة في محطة القطار الرئيسية في فرانكفورت (الصورة التقطت بوم 16 مارس 2004) Keystone

تجد البلدان الأوروبية نفسها مُـستهدفة بتداعيات الأزمات والنزاعات المسلحة التي تدور في جوارها المباشر أو البعيد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 24 مارس 2004 - 14:16 يوليو,

وفيما يتعزّز التعاون الأمني بين البلدان الأعضاء في الاتحاد، لم يعد بإمكان الدبلوماسية الأوروبية تجاهل الواقع الجغرافي السياسي الذي يُـفرّخ الإرهاب.

بين تفجيرات قطارات مدريد، واغتيال إسرائيل الزعيم الروحي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وجدت البلدان الأوروبية نفسها في موقع المستهدف مباشرة بشظايا النزاعات المسلحة التي تضطرم في المنطقة منذ عدة عقود.

وبقدر حرص الأجهزة الأمنية في البلدان الأعضاء على مراجعة آليات التعاون بين بعضها البعض، وتقوية أساليب تبادل المعلومات الاستخباراتية وتعزيز قُـدرات تحليلها، فإن الدبلوماسية الأوروبية لا يسعها تجاهل الواقع الجغرافي ـ السياسي الذي يُـفرّخ العنف والإرهاب في جوار الاتحاد الأوروبي.

وقد كشفت تفجيرات 11 مارس الإسباني وجود قدرات في حوزة الجماعات المتطرفة تكفيها لتدبير عمليات تفجير واسعة النطاق في عمق المدن الأوروبية وإصابة أعداد كبيرة من السكان المدنيين.

وإذا صحّـت افتراضات الشبكة الإسلامية المتطرفة وتدبيرها تفجيرات القطارات الثلاثة في مدريد، فإن أجهزة الأمن الإسبانية تكون قد ارتكبت أخطاء قاتلة لا تقل عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها مختلف أجهزة الاستخبارات الأمريكية قبل تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

إخفاق أمني وتغيير سياسي

وعلى غرار الكثير من الأجهزة الاستخباراتية، فإن المباحث الإسبانية أخفقت في رصد الأخطار التي كانت تتهدد إسبانيا، والجهات التي قد تكون تقف وراءها.

وأكثر من ذلك، فإن كافة أجهزة الاستخبارات الأمنية والعسكرية في إسبانيا قد أخطأت طوال أكثر من يوم ونصف بعد تفجيرات يوم الخميس 11 مارس، ووجّـهت الاتهامات صوب حركة "ايتا" الانفصالية، من دون استبعاد الخلايا التي قد تكون مرتبطة بتنظيم القاعدة.

ويُـعتبر الخطأ الإسباني نقصا تُـعانيه غالبية أجهزة الاستخبارات الأوروبية لأسباب عديدة، منها نقص تبادل المعلومات الحساسة بين أجهزة الأمن الأوروبية.

وقال رفائيل بارادجي، الخبير الإسباني بأن تنظيم القاعدة هاجم بلدا (إسبانيا) عهِـد نشطاءه استخدامه للتنقل والإقامة والتهريب، ولاحظ بأن منفذي عمليات تفجير القطارات لم يكونوا انتحاريين، عكس مدبّـري تفجيرات الدار البيضاء في المغرب أو الرياض في المملكة العربية السعودية.

ويعتقد الخبير الإسباني، الذي عمِـل في وزارة الدفاع الإسبانية، بأن منفذي تفجيرات مدريد "كانوا ضمن المهاجرين المقيمين بصفة قانونية في إسبانيا". وتساءل في مؤتمر نظّـمه "مركز العلاقات عبر الأطلسية" يوم الجمعة 19 مارس في بروكسل عن "طبيعة سياسة الهجرة التي يُـفترض في البلدان الأوروبية وضعها بعد تفجيرات مدريد".

وشهدت أحياء المهاجرين في العديد من البلدان الأوروبية حملة مداهمات بحثا عن نشطاء مغاربة قد يكونوا على صلة بتفجيرات مدريد والدار البيضاء. ويمثل تنظيم القاعدة تحديا أمنيا كبيرا في نظر خبراء الشؤون الأمنية لجهة احتمال تأثر الناخبين الإسبان، وإن بشكل جزئي، بتداعيات تفجيرات مدريد وأساليب إدارة الأزمة من قبل حكومة رئيس الوزراء المحافظ خوزي ماريا آزنار.

ويُـجمع المراقبون بأن مشاركة القوات الإسبانية في الحرب على العراق وسوء إدارة حكومة مدريد أزمة التفجيرات، كانت ضمن الأسباب الرئيسية لخسارته في الانتخابات العامة.

وفيما يرفض الاشتراكيون الإسبان تفسيرات اليمين المحافظ، واتهاماته بجَـني مكاسب سياسية من تفجيرات مدريد، يلحون على أنهم عارضوا الحرب على العراق منذ البداية، وتعهّدوا بسحب القوات الإسبانية في موفى شهر يونيو القادم.

ويرى خبير بلجيكي في شؤون الإرهاب بأن "تنظيم القاعدة سيحاول في المستقبل ارتكاب عمليات إرهابية لحمل البلدان الغربية على تغيير سياساتها الخارجية، أسوة بالتغيير الذي أفرزته صناديق الاقتراع في إسبانيا".

إجراءات جديدة

وأمام اتّـساع تداعيات أزمة تفجيرات مدريد على الصعيد الأوروبي، اتّـفق وزراء الداخلية والعدل مؤخرا على اتخاذ بعض الإجراءات التي يُـفترض أن تُـساعد على تحسين مستويات تبادل المعلومات.

وتشمل هذه الإجراءات المعروضة على القمة الأوروبية الملتئمة يومي 25 و26 مارس في بروكسل: تعيين منسّـق لشؤون مكافحة الإرهاب، يكون تحت مسؤولية الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، وتعزيز قُـدرات جهاز البوليس الأوروبي "أوروبول" من أجل تنسيق عمليات تبادل المعلومات والجهود الجارية لرصد مخاطر الإرهاب ومصادره.

وألح وزراء الداخلية على نواقص التنسيق وتبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية من ناحية، وتأخّـر البلدان الأعضاء الخمسة عشر من ناحية أخرى في تنفيذ المعاهدات القائمة بشأن "مذكرة الاعتقال الأوروبية الموحدة و"توحيد نشاط قضاة التحقيق، وإزالة العوائق القانونية والإدارية أمامهم".

ويتساءل المراقبون إذا كان الأمر بمثل هذه الصعوبة بين البلدان الأعضاء الخمسة عشر، فكيف سيكون الوضع عندما يرتفع عدد الدول الأعضاء في الاتحاد في غرة مايو 2004 من 15 إلى 25 بلدا؟

واستباقا للتعقيدات المرتقبة، عمدت البلدان الأوروبية الخمسة الكبيرة (ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا) منذ أشهر إلى عقد اجتماعات للتنسيق فيما بينها لاحتواء مشكلة الهجرة السرية، وتعزيز تبادل المعلومات. وكان ملفتا في هذا السياق ما صرح به وزير الداخلية الفرنسي من أن بعض البلدان التي ستَـنضمّ إلى الاتحاد "تفتقد لتقليد نشاط الاستخبارات"!

معالجة الجذور

وبينما كان الاتحاد يعد لتعزيز إجراءات التنسيق بين أجهزة الاستخبارات من أجل تحسين مستويات تحليل ورصد خطر الإرهاب، جاءت عملية اغتيال إسرائيل الزعيم الروحي لحركة "حماس" لتذكّـر الجميع في العالم العربي وفي أوروبا، بفوهة البركان المنفتحة منذ عقود، وألسنة اللّـهيب التي قد تلتهم الجميع.

ورأى العديد من وزراء الخارجية الأوروبيين بأن مشكلة الإرهاب لا تُـعالَـج بوسائل تفكيك المجموعات المشتبهة فقط، بل بمعالجة جذور الورم الذي يدمي منطقة الشرق الأوسط على مدى أكثر من نصف قرن، وقد يكون بدأ يَـطال الاتحاد المجاور بشكل مأساوي وعلى نطاق واسع مثلما حدث في مدريد. وقد أدان الاتحاد الأوروبي بشدة عملية اغتيال الشيخ الضرير المُـقعد، واعتبرها عملا "مناهضا للقانون الدولي"، ولا يزيد سوى في "اتساع المواجهات".

وكان الاتحاد الأوروبي سايَـر السياسة الأمريكية، واستجاب للطلبات الإسرائيلية من خلال تضمينه حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في لوائح المنظمات الإرهابية في مطلع شهر سبتمبر 2003.

ورأى وزير الخارجية البريطاني جاك سترو في عملية اغتيال الشيخ ياسين ورفاقه "عملا غير مقبول ولا مبرر له، ولا يخدم الأهداف التي حُـددت لغايته".

ويتفق المراقبون بأن عملية الاغتيال "توجّـه ضربة قاسية إلى مختلف الوساطات الأردنية، والمصرية، والجهود التي كانت تبذُلها بريطانيا من أجل المساعدة على توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية في قطاع غزة، تحسّـبا لانسحاب إسرائيل من جانب واحد، وإن بشكل جزئي.

المفاتيح بيد واشنطن

ومرة أخرى، تميّـز الصوت الفرنسي عن بقية الاحتجاجات الأوروبية. فقد انفرد وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان باقتراح إضافة "ضرورة معالجة جذور الإرهاب" في إشارة إلى النزاع العربي الإسرائيلي، والوضع في العراق.

ومع أن فرنسا اقترحت عقد مؤتمر دولي لمعالجة أزمات المنطقة، إلا أن صوتها سيظل، حسب اعتقاد كثيرين، نشازا وسط الجهود والمقترحات الرامية لمكافحة الإرهاب إلى حين تفجّر العنف مرة أخرى على نطاق أوسع في الشرق الأوسط أو في العراق أو في شمال إفريقيا أو في مدينة أوروبية.

ولا تتوانى الدبلوماسية الأوروبية عن بذل جهود حقيقية للبحث عن حلول سياسية للأزمات القائمة في جوارها المباشر، إلا أنها تجد في كل مرة أن الولايات المتحدة تُـمسك بالمفاتيح. وفي ظل رفض الاتحاد الأوروبي استخدام وسائل الضغط الاقتصادي أو التجاري المتوفرة لديه ضد إسرائيل، فإن إمكانية التأثير الحقيقي تظل حِـكرا على الإدارة الأمريكية.

ويستبعد الأوروبيون خيار العقوبات منذ أعوام من أجل أن تقبل إسرائيل بوجود المبعوث الأوروبي في المنطقة. لكن حكومة ارييل شارون صدّت الأبواب بوجهه، رغم كافة التنازلات الأوروبية، التي كان آخرها تجديد اتفاقيات التعاون العلمي، والقبول بمشاركة إسرائيل في نظام "غاليليو" العلمي التكنولوجي.

نورالدين الفريضي - بروكسل

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد:

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

غيُر كلمة السر

هل تريد حقاً حذف ملف المستخدم الشخصي الخاص بك؟