أيّ تأثير لاتفاقية حرية تنقل الأشخاص على الاقتصاد السويسري؟ هذا ما تقوله الأرقام!

عمال عابرون للحدود يعبُرون بحيرة ليمان للذهاب إلى مقر عملهم في سويسرا. (تاريخ الصورة: 21 مايو 2013) Keystone/Jean-Christophe Bott

بشكل عام، تستجيب الهجرة الأوروبية إلى سويسرا لاحتياجات سوق العمل المحلية، لذلك فإن إلغاءً مُحتملا لحرية تنقل الأشخاص سيكون قرارا مُكلفًا للاقتصاد السويسري، حسب الخلاصات التي توصلت إليها عدة دراسات أجريت في السنوات الأخيرة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 أغسطس 2020 - 11:00 يوليو,

هجرة "معتدلة" لا تقترن بحرية تنقل بين سويسرا وأوروبا: هذا هو مطلب حزب الشعب السويسري الذي ضمّنه في سيتم طرح مبادرته الشعبية للتصويت على الناخبين في 27 سبتمبر 2020. إذ يطالب الحزب اليميني المحافظ بإلغاء الاتفاقية المتعلقة بحرية تنقل الأشخاص (يُشار إليها اختصارا بـ ALCP)، كما يريد أن يجعل من المستحيل إبرام معاهدات جديدة من شأنها أن تمنح نظامًا مماثلًا لمواطنين أجانب في سويسرا.

على المستوى الاقتصادي، ما هي الحصيلة التي يُمكن الخروج بها من الاتفاقية المتعلقة بحرية تنقل الأشخاص بعد مرور عشرين عامًا على إقرارها؟ هل كسبت سويسرا بفتح سوق العمل فيها بوجه العمال الأوروبيين؟ هذه بعض عناصر الإجابة من خلال الأرقام.

عشرون عاما من حرية التنقل

اتفاقية حرية تنقل الأشخاص التي تم التوقيع عليها في 21 يونيو 1999 بين سويسرا والاتحاد الأوروبي، تسهل شروط الإقامة والعمل في سويسرا لمواطني الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وفي الرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر. دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ ابتداء من 1 يونيو 2002، وتم تمديدها في أعوام 2006 و2009 و2017 لتشمل مواطني الدول الجديدة التي انضمت لاحقا للاتحاد. إضافة إلى ذلك، استُكمل الحق في حرية التنقل بإجراءات تتعلق بالاعتراف المتبادل بالشهادات وباقتناء الممتلكات العقارية وبالتنسيق بين أنظمة الضمان الاجتماعي.

End of insertion

ما هو التأثير الذي كان لحرية تنقل الأشخاص على الهجرة؟

عززت الاتفاقية المتعلقة بحرية تنقل الأشخاص (يُشار إليها اختصارا بـ ALCP) الهجرة الوافدة من بلدان الاتحاد الأوروبي والرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر. في عام 2002، عندما دخل الاتفاق حيز التنفيذ، كان عدد المواطنين القادمين من هذه المناطق المقيمين في سويسرا يقلّ عن 900 ألف شخص يقيمون في سويسرا. ومنذ ذلك الحين، قفز عددهم بحوالي 60٪ تقريبًا ليستقر في حدود مليون و400 ألف نسمة.

سويسرا هي ثاني دولة أوروبية توجد فيها أكبر حصة من الأجانب من بلدان الاتحاد الأوروبي ودول الرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر ضمن سكانها النشطين (حوالي 20 ٪)، وراء دوقية لوكسمبورغ. من ناحية أخرى، زاد عدد العاملين الحدوديين النشطين في سويسرا بأكثر من الضعف بين عامي 2002 و2019، حيث ارتفع من 162000 إلى ما يقرب من 330000 شخص.

محتويات خارجية

في مقابل ذلك، بدأ صافي الهجرة للمقيمين القادمين من الاتحاد الأوروبي (أي الفرق السنوي بين القادمين والمغادرين) في الانخفاض منذ عام 2013 وهو يبلغ حاليًا ما يزيد قليلاً عن 30000. ذلك أن صافي الهجرة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتطورات الاقتصادية، حيث تترافق مراحل النمو بشكل عام بزيادة في فوائض الهجرة والعكس بالعكس، كما يشير المرصد الخاص بحرية تنقل الأشخاص، الذي نشر تقريره الأخير في موفى يونيو 2020.

محتويات خارجية

في أيّ قطاعات يعمل مواطنو الاتحاد الأوروبي والرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر؟

تمثل قطاعات الصناعة والرعاية الصحية والتجارة والمهن العلمية والتقنية القطاعات الرئيسية للاقتصاد السويسري التي ينشطون فيها. نسبيًا، يكون عدد المهاجرين الأوروبيين أقل من السويسريين في الإدارة العامة والزراعة، لكنهم أكثر حضورا في مجاليْ "الفندقة والمطاعم" و"البناء"، حيث يمثلون على التوالي 30٪ و25٪ من إجمالي عدد العاملين في هذين القطاعين.

محتويات خارجية

هل يندمجون في سوق العمل على حساب السويسريين؟

العمل هو السبب الرئيسي للهجرة بالنسبة لغالبية المهاجرين القادمين من بلدان الاتحاد الأوروبي والرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر، وهو ما يُترجم في حضورهم بنسبة تزيد عن المتوسط بقليل في سوق العمل. في عام 2019، كان معدل نشاطهم (أي نسبة الأشخاص الناشطين العاملين والعاطلين كما تُحتسب من طرف منظمة العمل الدولية) - 87.7٪ مقابل 84.3٪ في المتوسط و84.6٪ للمواطنين السويسريين.

مؤشر آخر للاندماج في سوق العمل هو معدل البطالة. فمنذ عام 2012، تطور هذا المعدل بالنسبة لمواطني الاتحاد الأوروبي حسب الوتيرة التي سارت عليها الظرفية الاقتصادية، وظل في مستوى أعلى من المتوسط السويسري (ولكن أقل بكثير من متوسط الاتحاد الأوروبي). وفي الواقع، فإن تركز جزء من هذه اليد العاملة المهاجرة في قطاعات مهددة أكثر من غيرها بالبطالة أو أكثر عرضة للتقلبات الموسمية، يساعد على تفسير هذه الظاهرة.

خلال الفترة نفسها، لم يشهد معدل البطالة في صفوف المواطنين السويسريين إلا تغييرات طفيفة وظل مستقرا عند مستويات منخفضة.

محتويات خارجية

هذه المؤشرات قادت المرصد المعني بحرية حركة الأشخاص إلى القول بأن هذه الهجرة "لبّت حسبما يبدو احتياجات سوق العمل". وبحسب التقرير التجميعي الذي قام بإعداده، فإنه "لا يوجد أي دليل على أن الهجرة قد تكون أثرت سلبًا على فرص العمل للسكان الأصليين". بل على العكس، فقد ساهم المهاجرون الأوروبيون في تعزيز مرونة سوق العمل المحلية.

في السنوات الأخيرة، انكبت العديد من الدراسات التي أنجزت بتكليف من أمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية على مُعاينة "آثار مزاحمة" محتملة (من طرف اليد العاملة الوافدة) التي من شأنها التأثير (سلبا) على السكان المحليين. وقد اتفقت معظمها على أنها غير ملموسة فعليًا على المستوى الكلي، وأن العمالة الأجنبية تأتي مكمّلة لليد العاملة المحلية أكثر من كونها منافسة لها.

مع ذلك، حددت بعض الدراسات مجموعات فرعية من السكان قد تُعاني بشكل طفيف من بعض التبعات السلبية، ولا سيما الأشخاص المؤهّلون تأهيلاً عالياً الذين ولدوا في سويسرا، وفقًا لدراسة نشرت في عام 2013.

المهاجرون القادمون من الاتحاد الأوروبي ومن الرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر.. هل هم أكثر تأهيلاً أم أقل؟

وفقًا لهذه الدراسة، يُمكن للمهاجرين الأوروبيين المؤهّلين تأهيلًا عاليًا "تعويض أشخاص مقيمين في سويسرا يحظون بنفس المستوى من التكوين"، إلا أن هذا (الأمر السلبي) يتم التعويض عنه على المستوى الكلي لأنه بإمكانهم أيضًا "خلق وظائف لفائدة أشخاص آخرين أقل تأهيلًا".

بالفعل، تُشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة الأشخاص الحاصلين على تعليم عالٍ مرتفعة في صفوف القوى العاملة الوافدة من بلدان الإتحاد الأوروبي والرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر، إلا أن نفس المعطيات تفيد بأن رُبُعهم لم يتجاوز مستوى المدرسة الإلزامية.

محتويات خارجية

بدوره، يعتبر المرصد المعني بحرية تنقل الأشخاص أن هذه المستويات المختلفة من التدريب تلبي احتياجات الاقتصاد السويسري، ذلك أن الهجرة عالية الكفاءة "قد ساعدت في المساهمة في الانتقال الهيكلي للاقتصاد السويسري نحو أنشطة ذات قيمة مضافة عالية"، أما بالنسبة للوظائف منخفضة المهارة التي يُعرض عنها السويسريون، فإن "الشركات تلبي احتياجاتها من اليد العاملة من خلال الاعتماد بشكل أساسي على العمالة القادمة من الاتحاد الأوروبي والرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر".

هل أدت الهجرة إلى انخفاض الأجور؟

توصلت العديد من الدراسات التي أجريت في السنوات الأخيرة، بتكليف من أمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية في أغلب الأحيان، إلى أن أجور بعض الفئات المهنية تعرّضت لبعض التأثيرات، لكن استنتاجاتها اختلفت. فقد سجّل باحثون وجود ضغط على أجور الأشخاص من ذوي المهارات العالية، فيما توصّل آخرون إلى أن القيود التي فرضت على الأجور قد أثرت بالخصوص على الأشخاص الأقل مهارة. إحدى الدراسات حمّلت الهجرة مسؤولية رفع الأجور بالنسبة للسويسريين ذوي المهارات العالية جدا، فيما نوّهت دراسة أخرى إلى أن العمال السويسريين ذوي المهارات المتدنية كانوا الطرف الأكثر استفادة من الاتفاقية المتعلقة بحرية تنقل الأشخاص. أخيرًا، لا تجد بعض الدراسات أي تأثير مهم - من الناحية الإحصائية - للهجرة على الأجور.

أيّا كان الأمر، فقد ارتفع متوسط الراتب للسويسريين ولجميع الأجانب (التفاصيل الخاصة بالاتحاد الأوروبي والرابطة الأوروبية للتبادل التجاري الحر غير متوفرة) على المستوى العام بشكل مطرد وبنفس النسب تقريبا بين عامي 2008 و 2018 (على التوالي + 0.84٪ و 0.87٪ سنوياً).

تبعا لذلك، يستنتج المرصد المعني بحرية تنقل الأشخاص أنه لم يكن هناك "أي أثر سلبي" للهجرة على اتجاهات التطور العام للأجور في سويسرا.

محتويات خارجية

ماذا ستكون تكلفة وضع حد لحرية تنقل الأشخاص للاقتصاد السويسري؟

بعد موافقة الناخبين في 9 فبراير 2014 على مبادرة أطلقها حزب الشعب السويسري (يمين محافظ) تحت مسمى "ضد الهجرة الجماعية"، خشيت السلطات الفدرالية من أن تُصبح الاتفاقية المتعلقة بضمان حرية تنقل الأشخاص بين برن وبروكسل بدورها موضع تساؤل، لذلك طلبت أمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية إنجاز دراستين من أجل تقييم العواقب الاقتصادية طويلة الأجل المترتبة عن سيناريو من هذا القبيل.

الحصيلة وردت في تقارير نُشرت في عام 2015 وأفادت على وجه الخصوص بأن نمو عدد السكان النشطين الناجم عن تطبيق الاتفاقية المتعلقة بحرية تنقل الأشخاص قد أدى إلى زيادة في القدرة الإنتاجية للاقتصاد، ولكن أيضًا إلى زيادة شاملة في الطلب، ما أدى إلى تحفيز النمو وتعزيزه.

إضافة إلى ذلك، يُجمع الخبراء الاقتصاديون على أن سويسرا ستدفع ثمنا باهظا لوقف العمل باتفاقية حرية تنقل الأشخاص مع أوروبا. بل يذهبون إلى أنه بحلول عام 2035، سينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3 إلى 4 ٪، فيما ستُعاني التجارة الخارجية من الضعف وستنخفض مداخيل العمل لفائدة السكان النشطين بحوالي 400 مليون فرنك مقارنة بوضعية مستقبلية يستمر فيها العمل باتفاقية حرية تنقل الأشخاص.

مشاركة