Navigation

تجديد الشراكة على أساس .. الديمقراطية

وصفت النائبة السابقة نازلي إيليجاق لقاء أردوغان ببوش يوم 28 يناير 2004، بأنه "حار.. حار جدا.. أكثر من حار جدا". Keystone

سمحت الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء التركي إلى واشنطن بطي صفحة الخلاف القصيرة حول الحرب ضد العراق، وأسست لشراكة استراتيجية بين البلدين.

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 فبراير 2004 - 19:13 يوليو,

ومن المنتظر أن تعزز نتائج الزيارة الموقع السياسي لحكومة حزب العدالة والتنمية، وقد تساهم في تسريع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

اكتسبت زيارة رجب طيب اردوغان، رئيس الحكومة التركية إلى واشنطن في نهاية شهر يناير المنصرم أهمية استثنائية، ليس من زاوية ما تمّ التوصل إليه من اتفاقات أو توافق في الرؤى حيال بعض القضايا، بل كونها أتت للمرة الأولى بعد "الصّـدع" الذي أصاب العلاقات التركية - الأمريكية منذ نصف قرن بسبب الاختلاف في الموقف والمصالح من الحرب العراقية، وامتناع تركيا من المشاركة فيها.

وإذا كانت الحسابات التركية في العراق قد أخطأت حين راهنت من دون نجاح على عدم نشوب حرب بدونها، وبالتالي، خروجها من المعادلة العراقية التي تسيّدتها قوى معادية أو معارضة لتركيا مثل الأكراد والشيعة، فإن تأثير الموقف التركي على العلاقات مع الولايات المتحدة كان كذلك سلبياً، إذ استبعدت الشركات التركية عن مناقصات إعادة بناء العراق، وهُمّـش التركمان (بشقّهم الموالي لأنقرة) عن مجلس الحكم الانتقالي، وشنّ بول ولفويتز، مساعد وزير الدفاع الأمريكي هجوماً لاذعاً على المؤسسة العسكرية التركية، وطلب من تركيا ما يُـشبه الاعتذار الضمني عن عدم مشاركتها في الحرب.

لكن الحملات الأمريكية حرصت على تحييد حزب العدالة والتنمية، بما يشبه تبرئته، وهو الأمر الذي سهّل لاحقاً عملية إعادة ترميم العلاقة بين أنقرة وواشنطن، التي توجتها زيارة أردوغان الأخيرة.

صفحة جديدة

وفي الواقع، لم تترك قيادة حزب العدالة والتنمية فرصة بعد إنتهاء الحرب العراقية إلا وحاولت إستغلالها من أجل إظهار الحرص على إقامة أفضل العلاقات مع أمريكا.

فقد سُمح للقوات الأمريكية بعبور المجال الجوي التركي، ثم قرر البرلمان التركي في السابع من أكتوبر الماضي إرسال قوات إلى العراق بناء على رغبة أمريكية، ثم وُضعت قاعدة اينجيرليك في خدمة الولايات المتحدة لتنفيذ استبدال حوالي ستين ألف جندي أمريكي في العراق عبرها، أي أن أردوغان ذهب إلى واشنطن وفي "رصيده" رسائل حسن نوايا كثيرة تجاه واشنطن، ليس آخرها موافقته على خطة كوفي أنان للحل في قبرص، واقتراح تعيين أمريكي وسيطاً في الجزيرة.

بناء على هذا، كانت كل الظروف والأجواء مؤاتية لنجاح الزيارة في أكثر من جانب وقضية. وقد أدرك المسؤولون في البيت الأبيض وفي أنقرة حاجة كل طرف للآخر. لذا، كان الحرص على طي صفحة التوتّـر التي لم تتعدّ السنة، وفتح صفحة جديدة من شراكة متكافئة تتكئ على مصالح حيوية لهما.

اهتمام خاص

كان الرئيس جورج بوش حريصاً على نسج علاقات شخصية مع أردوغان. فكال له المديح بالجملة عندما وصفه بالشخص الذي يقول ما في داخله، والمستقيم، والمندفع، والذي يسهل معه حلّ كل المشكلات.

وهذا النوع من العلاقات يذكّـر بمرحلة "طورغوت أوزال"، وما كان ينسجه من علاقات شخصية جيدة مع جورج بوش الأب، ثم مع بيل كلينتن. لذلك، وصف السفير الأمريكي السابق في أنقرة مورتن أبراموفيتس زيارة أردوغان بأنها الأهم منذ عشر سنوات، أي منذ آخر زيارات الرئيس الراحل أوزال.

وكانت تصريحات أردوغان لافتة في موضوع يثير حساسية الولايات المتحدة. فقد ركّـز على الشراكة الكاملة بين البلدين في مكافحة الإرهاب معتبراً أن أحداث 11 سبتمبر هو ميلاد جديد للعلاقات التركية - الأمربكية. وبهذا الموقف، ضمن أردوغان مسبقاً تأييد واحتضان واشنطن للزائر الجديد، وعزز عوامل الثقة في سلطته وحكومته.

وما يفسّر الاهتمام الأمريكي الزائد بالضيف التركي هو أن الإدارة الأمريكية تجد في حزب العدالة والتنمية، ذي الطابع الإسلامي في بلد ديمقراطي وعلماني، النموذج المبتغى لها في مرحلة طرح التغيير الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي. كما أنها تُبعد عنها صبغة الدولة التي تشن حرباً على الإسلام والمسلمين.

وكان مثيراً للإنتباه، تأجيل لقاء لورا بوش مع أمينة أردوغان، المحجبة، الذي كان مقرراً في نفس موعد لقاء زوجيهما، إلى اليوم التالي، حتى لا يبقى في الظل، ولكي تكون الأضواء مسلطة عليه.

توافق على الحل في قبرص

لا شك أن العراق كان قضية رئيسية في محادثات بوش وأردوغان. وكما كان العراق مكان الافتراق بين تركيا وأمريكا، فها هو اليوم يشكل محطة للتواصل وإعادة صياغة العلاقات التركية - الأمريكية على أسس جديدة.

ولعل التوافق كان كبيراً بينهما على رفض التصور الكردي للفدرالية على أساس عرقي، وتأييد فدرالية جغرافية، وكذلك على ترك كركوك ليقرر أهلها مصيرها، والاتفاق على تعطيل فعالية عناصر حزب العمال الكردستاني المتواجدين في شمال العراق، مع مطالبة أنقرة أن يكون للتركمان وضع أكثر تمثيلاً في الصيغة العراقية المقبلة، وأن تكون ثروات العراق (أي نفط كركوك) بتصرف الحكومة المركزية في بغداد وليس بيد الأكراد.

كما شمل التوافق بين الطرفين القضية القبرصية التي شهدت تحوّلاً في الموقف التركي بعد أن وافق مجلس الأمن القومي على اعتماد خطة كوفي أنان أساساً لمفاوضات الحل. ومع أن الرئيس بوش تحفّظ على طلب تركيا تعيين كولن باول أو غيره وسيطاً في قبرص، إلا أنه تعهّد بدعم الحلّ في الجزيرة على أمل أن يتمكّـن الطرفان المتنازعان من التوصل إلى نتيجةإيجابية قبل غرّة مايو المقبل، موعد انضمام قبرص إلى الاتحاد الأوروبي.

إن الدعم الأمريكي للحل في قبرص مرتبط برغبة واشنطن توفير الاستقرار لتركيا، والذي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. في المقابل، يسهّـل حلّ القضية القبرصية الانضمام التركي إلى الاتحاد، وهو ما تعلّق أنقرة أهمية كبيرة عليه، لأنه يفتح الباب أمام إعطاء بروكسل موعداً لبدء مفاوضات العضوية في نهاية العام الجاري.

"أكثر من حار جدا"

إن الولايات المتحدة راضية تماماً على موقف تركيا وحكومة حزب العدالة والتنمية من العلاقات مع إسرائيل. فقد ركّز أردوغان في لقاءاته مع المنظّمات اليهودية في أمريكا على العلاقات الجيدة مع اليهود وعلى السعي لتطوير العلاقات مع إسرائيل، بل ذهب أبعد من ذلك إلى اقتراح إقامة منطقة صناعية نوعية مشتركة بين أمريكا وإسرائيل وتركيا في منطقة جنوب شرق الأناضول قرب الحدود السورية والعراقية.

ولا غرو أن ينال أردوغان "جائزة الشجاعة" من جانب المؤتمر اليهودي الأمريكي، والتي لم تقدم من قبل سوى للسناتور الأمريكي السابق باتريك مونيهان، والرئيس الإسرائيلي السابق حاييم هرتزوغ، ولا شك أن واشنطن حريصة بالكامل على أن تبقى تركيا صديقة لإسرائيل، وهو ما لا يمانع به رجب طيب أردوغان، بخلاف ما كانت عليه سياسات نجم الدين أربكان السابقة، بل إن سياسة "الحياد" التي اتبعها أردوغان حتى الآن بين الإسرائيليين والفلسطينيين كانت لافتة.

ووصفت النائبة التركية السابقة نازلي إيليجاق لقاء أردوغان ـ بوش بأنه "حار.. حار جداً.. أكثر من حار جداً". فحتى بول ولفوفيتز دعا إلى نسيان الماضي والنظر إلى المستقبل، وإلى شراكة إستراتيجية جديدة، وهو ما يبدو قد تحقق إلى حد كبير في زيارة حملت دلالات إضافية، كون الطرف الثاني في هذه الشراكة الجديدة هو "الإسلامي" رجب طيب أردوغان، وليس مجرد أي مسؤول تركي آخر.

د. محمد نور الدين - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.