تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تحت المجهر قراءة في الموقف المصري من أحداث غزة

سلط اشتعال الأوضاع في غزة الضوء على "تباين موقف النخبة السياسية المصرية في التعاطي مع العلميات العسكرية الإسرائيلية على غزة، بحيث تأرجح بين الدعم غير المباشر للهجوم الإسرائيلي على القطاع والمطالبة بوقف العمليات العسكرية ضده".

الموقف المصري من أحداث غزة

صحافيون مصريون يحرقون العلم الإسرائيلي احتجاجا على عمليات الجيش الإسرائيلي في غزة في مظاهرة نظمت أمام مبنى نقابة الصحافيين في القاهرة يوم 13 يوليو 2014.

(Keystone)

استأنفت الطائرات الإسرائيلية بعد ظهر الثلاثاء 15 يوليو 2014 قصف قطاع غزة بعد التزامها بهدنة أحادية الجانب لمدة ست ساعات. وكانت الحكومة الأمنية المصغرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعلنت في وقت مبكر اليوم موافقتها على المقترح المصري بوقف إطلاق النار في غزة، في حين رفضته حركة المقاومة الإسلامية حماس على لسان جناحها العسكري.

وقد أطلقت مصر مبادرة الهدنة بين الإسرائيليين والفلسطينيين يوم أمس الإثنين على أن ينفذ وقف إطلاق النار هذا الثلاثاء وتعقبه محادثات لمنع وقوع مزيد من الأعمال العدائية. وأفادت وكالة أنباء الشرق الأوسط أن مصر أطلقت المبادرة "في ظل اتصالات تجريها مع الجانب الإسرائيلي والقيادة الفلسطينية وسائر الفصائل الفلسطينية بما يؤدي إلى وقف كافة الأعمال العدائية برا وبحرا وجوا." 

وجاءت الموافقة الأولية أحادية الجانب على المقترح المصري بعد سبع أيام من الغارات الجوية الإسرائيلية على قطاع غزة التي خلفت مقتل 192 فلسطيني حسب آخر حصيلة، من بينهم عشرات الأطفال والنساء، وجرح ما لا يقل عن 1300 آخرين.

وقد كثّـف الجيش الإسرائيلي خلال الأيام الماضية غاراته على قطاع غزة على إثر مقتل ثلاثة مستوطنين، وقصف أهدافا أمنية بصفة خاصة، من بينها: كلية الشرطة ومجمع أنصار الأمني ومنطقة الجوازات، وذلك بعد وقوع مجزرة قُتل فيها 18 فلسطينيا من عائلة واحدة في غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلا سكنيا في حي التفاح، شرق مدينة غزة. وكان القصف الإسرائيلي لغزة قد أوقع يوم السبت الماضي لوحده 46 قتيلا.

خبراء يستنكرون

وفي مصر، سلطت أزمة غزة الضوء على تباين موقف النخبة السياسية في التعاطي مع العلميات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة، بحيث تأرجح بين الدعم غير المباشر للهجوم الإسرائيلي على غزة والمطالبة بوقف العمليات العسكرية ضد القطاع.

إسرائيل توافق على مبادرة مصرية لوقف إطلاق النار وحماس متشككة

وافقت إسرائيل يوم الثلاثاء على مبادرة مصرية لوقف إطلاق النار في غزة لكن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي تدير القطاع نظرت للمبادرة بتشكك وقالت إن القاهرة لم تستشرها.

وتعهد الجناح العسكري لحماس بأن هجماته "ستزداد ضراوة وشدة" لكن إطلاق الصواريخ الفلسطينية تراجع قبيل بدء وقف إطلاق النار في الساعة 0600 بتوقيت جرينتش.

وقالت إسرائيل إن صاروخين اطلقا عبر الحدود اثناء الليل دون وقوع إصابات وإنها قصفت 25 موقعا في غزة. وقالت مصادر طبية فلسطينية إن رجلا (63 عاما) وامرأة (52 عاما) قتلا ليتجاوز عدد القتلى في القطاع 182 معظمهم مدنيون. وفي مقر الجيش الإسرائيلي بتل أبيب قال مجلس الوزراء الأمني المصغر بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إنه صوت بالموافقة على اتفاق وقف إطلاق النار قبل دقائق من دخوله حيز التنفيذ. ونظر عاموس جلعاد المسؤول الكبير بوزارة الدفاع الإسرائيلية ومبعوث إسرائيل للقاهرة للاتفاق بشكل إيجابي قائلا إن حماس أضعفها القصف الجوي والبحري على غزة.

وفي وقت مبكر يوم الثلاثاء قال سامي أبو زهري المتحدث باسم حماس في غزة إن الحركة لم تتلق اقتراحا رسميا بوقف إطلاق النار وكرر موقف الحركة بأنه يجب أولا تلبية المطالب التي قدمتها قبل أن توقف إطلاق النار.

ورفضت كتائب القسام الجناح العسكري لحماس محتوى المبادرة المصرية وقالت "معركتنا مع العدو مستمرة وستزداد ضراوة وشدة."
(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 15 يوليو 2014)

نهاية الإطار التوضيحي

وكان خبراء مصريون متخصصون في الإعلام الدولي والعلوم السياسية والعلاقات الدولية، وشؤون الحركات الإسلامية، قد استنكروا الموقف المصري مما يحدث في غزة هذه الأيام، وأوضحوا أنه مُرتبط بالعديد من الإعتبارات، وفي مقدّمتها: تغير العقيدة الإستراتيجية من اعتبار إسرائيل العدو الاستراتيجي، إلى اعتبار حماس هي العدو الاستراتيجي؛ معربين عن اعتقادهم أنه "لا يمكن قراءة موقف مصر من عُدوان إسرائيل على قطاع غزة بمعزل عن مُجمل الأوضاع في المنطقة؛ في سوريا وليبيا ومصر والعراق".

"حماس".. العدو الاستراتيجي للسيسي!

في البداية، أوضح الخبير السياسي الدكتور عصام عبد الشافي، أن "موقف الإنقلاب العسكري في مصر وقادته من أزمة غزة، مرتبط بالعديد من الإعتبارات، في مقدّمتها: تغير العقيدة الإستراتيجية لقادة الإنقلاب، من اعتبار إسرائيل العدو الإستراتيجي إلى اعتبار حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هي العدو الإستراتيجي، وصدور أحكام عن قضاء الإنقلاب، باعتبارها جماعة إرهابية وغلق مقرّاتها، ومصادرة مُمتلكاتها في مصر، وفرض سلطات الانقلاب حصارا مشددا على قطاع غزة، بإغلاق المعبر الحدودي المشترك، وتدمير مئات الأنفاق التي تربط مصر بالقطاع، والتي ظهرت في فترات سابقة بتنسيق مع هذا الجيش".

وفي توضيحاته لـ swissinfo.ch، قال عبد الشافي - أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية: "ومن هذه الاعتبارات أيضا، التنسيق الأمني الواسع بين قادة الإنقلاب والمؤسسة العسكرية المصرية من ناحية، والكيان الإسرائيلي من ناحية ثانية، في شِبه جزيرة سيناء، ودور إسرائيل في تمرير صفقة طائرات الأباتشي الأمريكية".

وأضاف: "علاوة على الدور الإسرائيلي الداعم للإنقلاب العسكري؛ سياسياً (مطالبة الولايات المتحدة والدول الأوروبية وعدد من الدول الإفريقية بتخفيف الضغوط على سلطة الإنقلاب)، وإعلامياً (حشد وسائل الإعلام الإسرائيلية خلف الترويج للإنقلاب) واقتصاديا (مطالبة الولايات المتحدة بتسهيل حصول قادة الإنقلاب على المساعدات الإقتصادية والعسكرية المقرّرة لمصر، وكذلك تفاوض الكيان الإسرائيلي مع مصر حول الغاز الطبيعي).

"أما المعيار الرابع فهو وجود آلة إعلامية فاسدة داخل مصر تتبنّى سياسة مُمَنهجة لتشويه صورة حماس في الداخل المصري، والربط بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين، كمبرِّر لاعتبارها عدوا يجب القضاء عليه، في ظل المواجهة القمعية والشّرسة لكل المُنتمين للإخوان المسلمين في مصر".

"لا يملك أوراقاً للضغط على إسرائيل"

ويقول الخبير السياسي: "وأمام هذه الاعتبارات وغيرها، فإن المحصلة النهائية هي أن قائد الإنقلاب العسكري بمصر لا يمكنه الضغط على إسرائيل، لأنه لا يملك أوراقاً للضغط عليها، بل على العكس من ذلك، إسرائيل هي التي تملك العديد من الأدوات للضغط عليه، وإذا طالب السيسي إسرائيل بوقف عُدوانها في غزة واستجابت إسرائيل، فإن هذا سيكون من باب إكساب السيسي مزيدا من الدعم السياسي الداخلي والخارجي، وإكسابه مزيداً من الشرعية، التي يفتقد إليها بعد الإنقلاب العسكري الذي قام به في الثالث من يوليو 2013".

ويواصل قائلاً: "هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، لا توجد علاقة بين الجدية في وقف العدوان على غزة، وبين فتح معبَر رفَح لاستقبال الحالات الإنسانية وعلاج المصابين والسماح للقوافل الطبية والإنسانية بالوصول إلى غزة، لأن هذا الأمر تحكمه اتفاقيات دولية بالأساس، ويرتبط بطبيعة العلاقات الدولية وموقف مصر من المنظمات الدولية وغيرها من الحقوق الخاصة باللاجئين والجوار الجغرافي".

ويختتم عبد الشافي بقوله: "كما أنه لن يسعى لإبراز مواقف أكثر سوءاً تُجاه الحالات الإنسانية والطبية، بما يمكن أن ينعكس سلباً مستقبلاً على الأمن القومي المصري والدور الإقليمي لمصر وموقعها في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وإن كنت أرى أن هذه كلها أمور ليس من شأنها تغيير الصورة الذهنية للإنقلاب العسكري ومواقفه السلبية من حركة حماس، وعلاقاته الإستراتيجية مع إسرائيل، أحد أهَم الدّاعمين لهذا الانقلاب".

ردود فعل مصرية على أحداث غزة

أعرب المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية عن قلق مصر الشديد من استمرار تصاعد الأوضاع في الأراضي الفلسطينية خلال الساعات الأخيرة، مجددا المطالبة بـ "ضبط النفس"، والإبتعاد الكامل والفوري عن أعمال العنف المتبادل، والإلتزام باتفاق التهدئة الذي سبق التوصل إليه بينهما عام 2012.

أصدر الفريق أول صدقي صبحي، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي أوامره بإرسال 500 طن من المواد الغذائية والمستلزمات الطبية للأشقّاء الفلسطينيين في قطاع غزة.

أدان الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، "الاعتداءات البربرية والوحشية التي يُمارسها الاحتلال الصهيوني ضدّ قطاع غزة والأراضي الفلسطينية"، مؤكدا على حق الشعب الفلسطيني في إقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة والمستقلة، على كامل أراضيه وعاصمتها القدس الشرقية.

أكد مجلس نقابة الصحفيين المصريين على إدانته الكاملة لـ "عدوان الكيان الصهيوني الوحشي والهمجي على الأراضي الفلسطينية"، مشددا على ضرورة عدم تخلّي مصر عن مسؤوليتها القومية والتاريخية والإنسانية في مساندة الأشقاء الفلسطينيين.

استنكر الإعلامي عمرو أديب الموقف المصري من ضرب غزة، قائلاً: "رد الفعل المصري ليس بالمستوى المطلوب، لا على مستوى الرئاسة ولا مستوى وزارة الخارجية، يجب أن يظهر دور مصر بشكل قوي وفعّال"، مضيفا: "الجثث والأرواح دي في رقبة مصر، في رقبتك يا سيسي، مسافة السكة لا تقتصر على دول دون أخرى".

نهاية الإطار التوضيحي

جُزء من كلّ

متفقا مع عبد الشافي؛ يرى الخبير الإعلامي الدكتور عادل فهمي البيومي، أنه "لا يمكن قراءة موقف مصر من عدوان إسرائيل على قطاع غزة بمعزل عن مجمل الأوضاع في المنطقة؛ في سوريا وليبيا ومصر والعراق، وطالما تم ضرب التيار الرئيسي في مصر، وهو جماعة الإخوان، يصبح الجيب المقاوم في فلسطين هدفا مرحليا للقوى الإقليمية بقيادة إسرائيل".

ويقول البيومي - أستاذ الإعلام الدولي بكلية الإعلام بجامعة القاهرة في حديثه لـ swissinfo.ch: "إن القضية الآن هي تصفية كل صوت مقاوِم، وبالأخص الإسلاميين، تشترك في ذلك دولٌ خليجية ومصر، كما تعد إسرائيل رأس الحربة في هذا المشروع، لكن المقاومة في غزة وعت الدرس وطورت أداءها وخططها بما لا يمكِّن إسرائيل من مواصلة العنف المُفرط، وقد تكون هذه العملية إنذارا لحركة حماس، تسبق عملية كبرى مستقبلا لتصفية القضية كلها".

وردا على سؤال حول: ما هي الحسابات الحقيقية للموقف المصري، والتي تحول دون قيامه بالدور المرجو؟ أجاب البيومي قائلاً: "الحسابات كلها تتعلق بالحفاظ على النظام السياسي الوليد في مصر، وعدم استعداء إسرائيل والخوف من أمريكا، لاستمرار المساعدات ودعم النظام وتنفيذ رغبات عربية في إنهاء الإسلاميين، الذين تخشاهم الأنظمة التي تخشى امتداد الإضطرابات إليهم وهز عروشهم".

واختتم البيومي بقوله: "وكذلك حسابات خاصة بالقضاء النهائي على الخصْم الإسلامي، حتى لا تقوم له قائمة بعد ذلك، وأهم حساب، هو شرعية النظام القائمة على محاربة الإرهاب، وقد سبق تهيئة الرأي العام لهذا عبْر إعلام موجّه وتابع للسياسة ومنفذ لخططها".

آلة إعلامية موجهةٌ ونخبٌ غيرُ محايدة

ومن جانبه، أشار الكاتب والمحلل السياسي مصطفى زهران إلى أن "العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، كشف النقاب عن حدّة الإنقسامين، السياسي والمجتمعي في الداخل المصري، والذي تمثل في التبايُن الواضح لدى النّخبة السياسية في التعاطي مع الإعتداءات الإسرائيلية على القطاع، والتي تأرجحت بين الدّعم غير المباشر للعدوان الإسرائيلي، بُغية القضاء على حركة حماس والحدّ من سيطرتها على القطاع من جهة، والمطالبة برفع العدوان عن أهل غزة من جهة أخرى".

وفي تصريحاته لـ swissinfo.ch؛ قال زهران الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية: "لعب عدد كبير من الإعلاميين دورا هاما في الهجوم على حركة "حماس" وإلصاقها تهم التآمر على الشعب الفلسطيني والمتاجرة بدمه، وصل الأمر إلى مباركة البعض، الممارسات الإسرائيلية العدوانية على القطاع، من قتل وتدمير من قبل كتّاب وإعلاميين برّروا ممارسات إسرائيل الجائرة، وعزفت قوى سياسية على اللّحن ذاته، مطالبة "حماس"، بتقديم الجُناة الذين تسبّبوا في مقتل الجنود المصريين على الحدود في رفح، للمحاكمة".

واختتم زهران قائلا: "إن تراجع شعبية حماس خلال العام الفائت، والذي أسهمت فيه الآلة الإعلامية غير المحايدة والنخب السياسية التي تضع قوى الإسلام السياسي في سلّة واحدة وتناصبها العداء، تلاشت بشكل سريع بعد ظهور حماس بشكل مغاير ومفاجِئ للجميع بقدرة قتالية، دفعتها لأن تصل بصواريخها إلى عُمق تل أبيب، في ظلّ دعم شعبي عربي منقطِع النظير، ما وضع تلك النخب السياسية والإعلامية في موقف مُحرج، بعد انعدام مصداقيتها التي أضحت مثار سخرية واستهزاء من قدرة حماس القتالية والتِفاف الشعب الفلسطيني حولها".

swissinfo

×