تحرّكات حماية الذات وملْء الفراغ

دفع الشعور بالخطر مما يحدث في العراق القوى الاقليمية الرئيسية في الشرق الأوسط إلى التقارب swissinfo.ch

بعد زيارة الرئيس السوري التاريخية إلى أنقرة، وتسارُع خطوات التطبيع الكامل للعلاقات بين مصر وإيران، تتّـجه منطقة الشرق الأوسط إلى توازنات جديدة محتملة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 يناير 2004 - 11:44 يوليو,

ويبدو أن المخاوف من مآلات الأوضاع في العراق، في ظل الاحتلال الأمريكي البريطاني، قد أقنعت القوى الإقليمية الرئيسية بالمسارعة إلى ملء الفراغ الاستراتيجي.

في الوقت الذي استقبلت فيه تركيا الرئيس بشار الأسد كأول رئيس سوري منذ 60 عاما، تَـجدّد الحديث بقوة عن عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين مصر وإيران.

ويأتي ذلك بعد أن أقر مجلس بلدية طهران، بناء على طلب من وزارة الخارجية الإيرانية، إطلاق اسم الانتفاضة بدلا من خالد الإسلامبولي على أحد الشوارع الكبرى بالعاصمة.

وسواء عادت العلاقات الدبلوماسية في غضون مدة وجيزة أو تأخرت بعض الشيء، فثمة تغيّـر نوعى حدث في علاقات القاهرة وطهران بعد لقاء الرئيسين مبارك وخاتمي في جنيف على هامش القمة الدولية لمجتمع المعلومات التي عُـقدت في منتصف شهر ديسمبر الماضي، وهذا تغيّـر له مغزاه العميق الذي يفهم أولا وأخيرا في ضوء التغييرات الكبرى التي تشهدها المنطقة العربية والشرق أوسطية.

الحدثان المشار إليها يتكاملان مع أحداث أخرى تَـجرى على الصعيد نفسه وبالتزامن نفسه، مثل الاتفاق السوداني حول تقاسم الثروة الذي تم برعاية كينية ومساندة وتدخل أمريكي وأوروبي كبيرين.

ومن الخلف من ذلك، بدْء ما يُـسمى بمحور صنعاء - أديس أبابا - الخرطوم، والذي يمس بقوة التطورات المستقبلية في منطقة القرن الإفريقي بأسرها. وفي كل هذه التطورات الملفتة للنظر، هناك قاسم مشترك يُـمكن وصفه بتحركات منظمة من أجل ملء الفراغ الاستراتيجي في المنطقة، ولكن من قِـبل القوى الرئيسة في كل منطقة فرعية على حدة، وحتى لا تكون الساحة كلها ملكا للقوى الخارجية عنها.

وضع الخطوط الحمراء

وإذا ركّـزنا على حركة القوى الإقليمية الأربع الكبرى، وهي مصر وسوريا وإيران وتركيا، فمن اليسير القول إننا إزاء عملية تأمين المصالح المشتركة، ووضع خطوط حمراء تجاه الخطط التي يتم تسريب بعضها، ويتم تطبيق بعضها الآخر بالفعل من جانب ثان.

ودون مبالغة في القول، وبالرغم من اختلافات جزئية تُـحيط بمواقف هذه القوى الإقليمية الأربع، وطبيعة علاقة كل منها بالولايات المتحدة، فإنها جميعا تشعر بقدر من التهديد والخطر مما يجري بالفعل على الساحة العراقية، ليس من زاوية بناء عراق ديمقراطي فدرالي، وإنما من زاوية المدى الذي سيخضع فيه هذا العراق الجديد للنفوذ الأمريكي، وأيضا من زاوية المدى الذي سيكون فيه العراق مستقبلا في خدمة المشروعات الأمريكية في المنطقة، والهادفة إلى إعادة تغيير خرائطها السياسية والجغرافية والاستراتيجية، حسبما هو مُـعلن ومؤكّـد من المصادر الأمريكية الرسمية نفسها.

ولعل هدف وحدة العراق الإقليمية، وعدم السماح بقيام دولة كردية في شمال العراق، والذي أكدته مباحثات القمة السورية - التركية في أنقرة، وسرعة نقل السلطة والسيادة إلى مؤسسات عراقية خالصة، وتخفيف الوجود العسكري الأمريكي، كما تُـطالب بذلك مصر، وتتّـفق معها إيران جُـزئيا، على الأقل في الشق الأول، يَـعكِـس بعضا من الخطوط الحمراء التي تراها دول الإقليم الكبرى خطوطا فاصلة بين الاستقرار والأمن من جهة، والتوتر والحروب الإقليمية الدائمة من جهة أخرى.

القوى الإقليمية.. فهِـــمَـــت

العراق وحده، وإن شكّـل دافعا كبيرا للالتقاء بين دول الإقليم الكبرى، لا يحجب التّـغييرات الكبرى الأساسية التي شهدتها سياسة تركيا الخارجية في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية، وهي تغييرات تقوم في شق منها، على نقل العلاقات التركية السورية إلى مرتبة التعاون والتنسيق المنهجي، لاسيما في المسائل والقضايا الاستراتيجية ذات التأثير المُـشترك على أمنهما ووحدة كيانهما.

واللافت للنظر هنا، أن تركيا، وبالرغم من علاقات التحالف الإستراتيجي التي تجمعها مع الولايات المتحدة، لم تصل إلى درجة تبنّـي الخط الأمريكي المناهض والضاغط بشأن سوريا، فيما يعكس أن توازنات الإقليم الشرق أوسطي لها منهجيتها الخاصة، ولها أيضا تقديرها الخاص في توجيه سياسات الدول فيه، بغض النظر عن حجم علاقتها مع القوة الكبرى في النظام الدولي الراهن.

والأمر نفسه سوف ينطبق على حالة مصر، إذا ما قررت قبول الرغبة الإيرانية في عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة. فإيران في هذه الحالة ستكون قريبة من وضع سوريا بالنسبة لتركيا، كما هو وضع مصر مقارنة بتركيا.

ومغزى هذه الملاحظة ليس بسيطا، حيث هناك دوافع خاصة بكل طرف، وأخرى عامة تجمع الأطراف جميعها للحفاظ على حد أدنى من استقلالية الإقليم في مواجهة القوة الأكبر التي تعيث فيه فسادا، وتعمل على تشتيت جهود أطرافه ناحية ما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى والأخيرة.

لقد فهمت قوى الإقليم الكبرى، فيما عدا إسرائيل بالطبع، أن استمرار حالة التشرذم في العلاقات الإقليمية من شأنه أن يعمق من التأثيرات الخارجية فيه، وهي تأثيرات تتصادم بقوة مع مصالح هذه الأطراف بالدرجة الأولى، أو على الأقل تُـقيّـد من حرية الحركة المتاحة لها، فيما تطرح على بعضها تهديدات مباشرة وكبرى.

وكما أن سوريا المعرّضة لتهديدات أمريكية وإسرائيلية مباشرة، بحاجة إلى تأمين حدودها الشمالية الغربية تحسّـبا لمخاطر تأتي من الجبهة الجنوبية، فإن إيران في الوضع نفسه بحاجة إلى مزيد من الدعم السياسي، وتأمين المصالح الإقليمية مع قوى الإقليم المختلفة، نظرا لتصاعد التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بشأن قدراتها النووية الإيرانية، وهذا رغم قبولها بروتوكول التفتيش الصارم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

لا فرق بين "الحليف" و"الصديق"

ولعل الرغبة القوية في استعادة العلاقات مع مصر تعني إدراكا بأن هذه العودة، حتى وإن لم تؤدِّ مباشرة إلى زيادة القوة الإيرانية، فإنها ستُـسهم في تشكيل بيئة سياسية ونفسية إقليمية جديدة، وستضيف نجاحا مهما لسياسة الرئيس خاتمي، والتيار الإصلاحي كله، وسوف تسمح بمزيد من التنسيق الثنائي بين البلدين فيما يخص القضايا الإقليمية الضاغطة.

أما في حالتي مصر وتركيا، اللتين يُـمكن النظر إليهما كأصدقاء وحلفاء للولايات المتحدة، فالثابت أن لكل منهما نزعته الاستقلالية في السياسة الخارجية، وأن تحالفهما مع واشنطن لا يعنى إطلاقا الانصياع الكامل لكل طلباتها، أو فقدان روح الممانعة أمام توجهات الهيمنة الأمريكية المتزايدة، وكلنا نتذكر رفض تركيا الرسمي المشاركة في الحرب على العراق رغم الضغوط الأمريكية الكبرى التي مورست عليها.

والكل يدرك أن الوجود الأمريكي المباشر في العراق بمثل هذا الحجم الكبير، ولمدة تبدو طويلة لن تقل عن عقد على الأقل، يختلف تماما عن ذلك الوجود الأمريكي العسكري الذي كان موجودا من قبل في منطقة الخليج.

وأحد أبرز أوجه الاختلاف إلى جانب الحجم ذلك الشق المتعلق بالأهداف الاستراتيجية التي جاء من أجلها هذا الوجود، وهو ملء فراغ من ناحية، وتشكيل المنطقة سياسيا واستراتيجيا من ناحية أخرى، ومثل هذا التوجه الهجومي الشامل لا يُـفرق في الواقع بين دولة حليفة أو أخرى صديقة أو ثالثة تدخل تحت بند "عدو ومصدر تهديد" واجب الردع، ومؤهل لخيار الهجوم العسكري.

تجنّــب العُــزلــة

المهم هنا، أن القوى الكبرى في الإقليم باتت تُـدرك أن التحرك الفردي وحده لا يشكّـل رادعا أو سياجا للحماية، خاصة في مواجهة سياسة مُـراوغة وأنانية كالسياسة الأمريكية، وهجومية وعدوانية كالسياسة الإسرائيلية، وأن الحكمة تقتضي التحرك في ظل منظومة إقليمية يكون شعارها التعاون والتنسيق وسياسات حسن الجوار، وقبل ذلك وبعده، عدم السماح بعزلة تُـفرض على هذا الطرف أو ذاك، لأن العزلة هي مقدمة السقوط في فخ شبيه بالفخ العراقي.

كما باتت تُـدرك أيضا أن دولا صغرى في الإقليم، وتحت ضغوط أمريكية، أخذت تُـبرّر اندفاعها نحو واشنطن بمقولات جديدة، من قبيل أن الوضع الاستراتيجي الجديد في المنطقة لم يعد يُـفرق بين دولة كبيرة وأخرى صغيرة، فالكل خاضع للنفوذ الأمريكي، وأن الأفضل هو التعامل مباشرة مع واشنطن وتلقي التعليمات منها والتماهي مع مَـطالبها، وأن الدول التي كانت تعتبر كبيرة سابقا، لم يعد لها نفس النفوذ السياسي والمعنوي الذي كانت تتمتّـع به من قبل، وأن الهيمنة الأمريكية غير قابلة للتحدّي، وأن البديل الوحيد لحماية الذات هو قبول الشروط الأمريكية، مهما كانت قسوتها، وأن دول الهامش في تحركاتها الداخلية والخارجية هي النموذج الذي يجب أن يتم الأخذ به.

ومثل هذه المقولات، وإن كانت تشكّـل مقولات فاسدة موضوعيا، إلا أنها تعكس ما يُـمكن تسميته مناخا نفسيا سياسيا للإقليم ككل، تسعى إلى تجسيده الولايات المتحدة والقوى المتماهية معها.

وليس بخاف أن هدفَ مثل هذه المقولات هو تكريس الإذعان الإقليمي من جهة، وتكريس ضعف الأدوار القيادية للدول الكبرى في الإقليم من جهة أخرى، وهو ما اعتبرته الدول الإقليمية الكبرى بأنه موجه لها بالأساس، وأن الرد عليه يكون عبر العمل الجماعي، وتجسيد المقولات المضادة فعلا.

وبالطبع، فإن هذه المهمة ليست يسيرة في ظل القدرات الأمريكية من جانب، ووجود مَـن يتطَـوّع لخدمتها من جانب آخر، ولكن إن لم تكن هناك محاولة للرد في الوضع الحالي، فلن تكون هناك محاولة من أي نوع في المستقبل القريب.

د. حسن أبو طالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة