Navigation

تراكم الصعوبات

أظهرت الفيضانات الأخيرة هشاشة البنية التحتية في المغرب Keystone

اجتاحت المغرب خلال الاسابيع الماضية سلسلة من الكوارث الطبيعية والحوادث التي كانت لها انعكاسات ومضاعفات مباشرة على حياة الناس.

هذا المحتوى تم نشره يوم 05 ديسمبر 2002 - 16:20 يوليو,

وقد تزامنت هذه الحوادث مع بداية حكومة إدريس جطو الجديدة عملها وسط تساؤلات في الرأي العام عن جدوى ما تقوم به الدولة في مجال تعزيز البنية والمرافق التحتية.

الفيضانات التي عرفتها مناطق مغربية عديدة خلال الأسابيع الماضية والتي ألحقت أضرارا فادحة بالبنية والمرافق التحتية، الهشة أصلا، كشفت، ليس فقط عن إدارة تظن أنها تسيطر على الطبيعة كما تسيطر على البشر، بل أيضا عن تعاطي من نوع جديد للمواطن المغربي مع مؤسسات الدولة يجعلها واستقرارها، وبالتالي مصيرها، على المحك.

تحدثت الأرقام الرسمية عن سقوط اكثر من ستين ضحية ومفقودين، وقدرت الخسائر المادية والأضرار بملايين الدولارات. والمواطن المغربي يدرك أنها خسائر وأضرار نتجت عن فعل الطبيعة، لكن ما عرفه المغرب خلال السنوات الماضية من انفتاح وتوسيع لهامش التعبير، وضع مسؤولية الطبيعة بالدرجة الثانية بعد مسؤولية الدولة.

ما عرفه المجتمع المغربي، كما عرفه العالم من تطور في مفاهيم تحديد المسؤوليات، جعل الربط بين كوارث الطبيعة وتعامل الدولة معها أمرا طبيعيا. وبالتأكيد، فإن المواطن لا يطلب منع الكارثة، لكنه يعتقد أن من حقه على الدولة، بحكم التعاقد بينهما، أن تأخذ في حساباتها وقوع الكارثة والاحتياط لامتصاص عواقبها والتخفيف من أضرارها والقدرة على تعويض المتضررين وجبرهم.

هذا مبدئيا هو المطلوب من الدولة مقابل ما يدفعه المواطن لها من ضرائب وأداءات، حتى وإن كانت تثقل كاهله. وأمام ضعف أداء أجهزة الدولة والسلطات المحلية في التعامل مع الفيضانات والحوادث الأخيرة، تساءلت وسائل الإعلام والرأي العام في المغرب بإلحاح عن مستوى كفاءة وانضباط تلك الأجهزة التي، كما قالت الصحف، يجب أن يكونوا في مستوى ما كلفوا به، لا أن يعتبروا المنصب تكريما لهذا الشخص أو ذاك، وموقعا يحقق فيه مصالحه الشخصية ويحافظ عليها، وأن من حق المواطن على الدولة محاسبة من تكلفه بمهمة أو تعينه في منصب ما، ولا يقوم بما هو مطلوب منه أو يستغل ذلك لحسابه الشخصي.

مسؤولية الدولة؟

لكن الواقع المغربي، وإن عرف ما عرف من تقدم ملموس في مجال حرية التعبير والصحافة، لا يزال يحبو نحو الوصول إلى حد أدنى من الديمقراطية تُمَكِّـنُه من مساءلة واستفسار المسؤول، سلبا أو إيجابا، مكافأته إذا ما بادر وأنجز، ومعاقبته إذا ما قصر وأفسد.

فتجاه الفيضانات وما أسفرت عنه من انجراف لأحياء كاملة، ووفاة ثلاثة وستين شخصا، لم يتشدد المواطن في محاسبة الدولة على إهمالها وغض نظرها طوال العقود الأربعة الماضية عن بناء عشوائي وفوضوي على مشارف المدن الكبرى، بل ما أثار اهتمام الجميع أكثر من الفيضانات هو حريق مصفاة النفط في مدينة المحمدية الواقعة 20 كلم شمالي الدار البيضاء، وهي أكبر مصفاة نفط بالمغرب.

فهذه المصفاة تحتكر حوالي 90% من تكرير النفط الخام الوارد إلى المغرب ويناهز 8 ملايين طن سنويا، تزود السوق المغربي بمليونين ونصف المليون طن من المحروقات الاستهلاكية. وتُسَيِّـر المصفاة المعروفة باسم "لا سمير" منذ 1995 شركة الكورال السعودية السويدية التي تملك 63% من رأسمالها.

اندلع الحريق نتيجة ماس كهربائي أشعل الزيت الطافي في خزانات النفط بعد تسرب الماء إليها نتيجة فيضانات وادي قريب من مدينة المحمدية. وكنموذج على تضارب وتناقض المصالح والتأويلات، تقول الشركة التي تُسيّـر المحطة، إن الماء وصل إلى الخزانات، لأن الدولة لم تلتزم بإقامة موانع تحول دون تسرب مياه الأمطار. وفي المقابل، تقول الدولة إن هذه التزامات ومسؤوليات الشركة المنصوص عليها في العقود. في حين تقول نقابات العمال، إن المهندسين ألحّـوا على إدارة الشركة التوقف عن العمل وتكرير النفط، إلا إن إدارة الشركة رفضت، لأن التوقف يُـكبّـدها خسارة ملايين الدراهم.

وفور اندلاع الحريق، تبادلت كل من الدولة والشركة تحميل المسؤولية للطرف الآخر. لكن الرأي العام لم ينشغل كثيرا بتفاصيل مشهد تبادل الاتهامات، لان الدولة بالنسبة له هي المسؤولة بالدرجة الأولى، حتى وإن كانت شركة كورال لم تتخذ احتياطات كافية لمواجهة الكوارث الطبيعية.

تحديات جسيمة

العاهل المغربي محمد السادس، خصّ كل المناطق التي أصابتها كارثة الفيضانات بزيارة تفقدية، وأعلن عن تخصيص ميزانية لمساعدة المتضررين، وهي لفتة تقبلها المتضررون دون أن تشعرهم بالاطمئنان. فالصحف المغربية، وبعد يومين من بدء توزيع المساعدات، بدأت تنشر شكاوى المواطنين من سوء التوزيع.

قد يكون من سوء طالع ادريس جطو وحكومته أن مجلس النواب منحه الثقة في الوقت الذي كانت فيه النيران لم تخمد بعد في مصفاة "لاسمير"، والبحث متواصلا عن مفقودي الفيضانات في مدينة سطات، مع أن جطو أطل على المواطنين، حين قدّم برنامجه الحكومي بكل تفاؤل بعد هطول المطر الذي غاب سنوات طويلة عن البلاد.

ولئن كان جطو يُدرك أن، لا حكومته ولا التي سبقتها تتحملان مسؤولية هزالة وهشاشة البنيات والمرافق التحتية في البلاد، فإنه أمام امتحان يتعين عليه من خلاله إثبات أن حكومته تستحق ليس فقط ثقة المواطنين، بل أيضا والاهم أن يعمل على أن تستحق الدولة المغربية ثقة المواطنين فيها.

لقد فُـتحت في المغرب، منذ تولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم عام 1999، ملفات فساد كثيرة تتعلق جلّها بالقطاع المصرفي، وبعض كبار مسؤولي هذه البنوك يقبعون في السجون تمهيدا لمحاكمتهم.

إن هذه الملفات وما كشفته فيضانات الأسبوع الماضي من إهمال الدولة مسؤولياتها طوال العقود الماضية، إن كان في مراقبة إدارة المؤسسات التي تملكها أو تلك التي يتم تخصيصها، أو تحديد مسؤوليات وصلاحيات السلطات الوطنية والمحلية، وعدم وضع الموانع أمام جشع ونَهْمِ فئات سياسية وإدارية لا تهمها سوى مصالحها الضيقة تجعل التحديات التي تواجهها حكومة إدريس جطو أكثر جسامة وخطورة.

محمود معروف – الرباط

باختصار

تولت حكومة إدريس جطو مقاليد السلطة في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة زادتها حدة الفيضانات العارمة التي اجتاحت العديد من المناطق المغربية، فضلا عن سلسلة من الحوادث التي بلغت حجم الكارثة. ويتساءل المراقبون والراي العام في المغرب عن الدور الذي يتعين على السلطات الوطنية والمحلية تحمله

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.