تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تعددت الإصلاحات.. والهدف واحد!

(Keystone)

ما الذي يمكن أن يجمع بين "الإصلاحات الدستورية" في مملكة خليجية وجمهورية مغاربية؟ وما هي نقاط التشابه بين مشاريع عرضت أو ستعرض على الإستفتاء الشعبي في البحرين وتونس من طرف الملك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أو الرئيس زين العابدين بن علي؟

فجأة وجدت المعارضةُ في البحرين نفسها أمام مأزق سياسي لم تتوقعه، ولم تضعه في جميع احتمالاتها وتصوراتها للمستقبل. لقد سحب البساط من تحت أقدامها في غفلة منها، وبعد أن كانت صاحبة المبادرة السياسية، أصبحت بين عشية وضحاها مضطرة للقبول بسقف أقل مما حصلت عليه في عام 1973.

وضع المعارضة البحرينية اليوم قد يشبه في بعض جوانبه ما حصل للمعارضة التونسية، عندما استيقظت فجر السابع من نوفمبر من سنة 1987 لتسمع عبر أمواج الأثير "برنامجها السياسي" يقدم إلى التونسيين من قبل الرئيس الجديد للبلاد. وبعد أن كانت على قاب قوسين أو أدنى من الحكم، وجدت نفسها هذه المعارضة، تابعة في مرحلة أولى، ثم هامشية إلى أقصى الحدود في مرحلة ثانية.

خمس ملاحظات أساسية

قد تبدو المقارنة بين بلدين يختلفان في الموقع الجغرافي والنظام السياسي والتركيبة السكانية، مجازفة في غير محلها، لكن بالرجوع إلى رصد نقاط التشابه والتقاطع بين البحرين وتونس يمكن الوقوف عند الملاحظات الخمس التالية:

1- انطلاق مبادرة التغيير السياسي من داخل السلطة بعد أن صنعت المعارضة شروط هذا التغيير، وقدمت في سبيله تضحيات جسيمة، خاصة في المثال البحريني. فقد سقط أثناء الأحداث الدامية التي شهدتها الإمارة طيلة أربع سنوات على الأقل أربعة وثلاثون قتيلا، نتيجة المصادمات العنيفة التي تمت بين المواطنين والقوات النظامية.

وفي كلتا الحالتين نجح نظاما الحكم في البلدبن في امتصاص الأزمة، وتجبيرها لصالحهما بعد أن استجابا للعديد من مطالب المعارضة مثل إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين وعودة المغتربين، واتخاذ جملة من الإجراءات ذات الطابع الإصلاحي.

2-الاستناد على التحويرات الدستورية والقانونية لإعطاء مضمون سياسي لعملية الإصلاح المنشودة. لقد أصبح التشريع هو المجال المُفضل الذي يسمح للسلطة العربية في ثوبها الجديد بتقديم بعض الترضيات لمعارضيها مقابل التسليم بشرعيتها، والقبول بدورها "التحكيمي" الذي يجعل منها الضامن الوحيد للإصلاح والاستقرار. لهذا تسلك هذه التحويرات خطين متوازيين متناقضين في الطبيعة، لكنهما متكاملين في الوظيفة.

فمن جهة تعلن السلطة عن استعدادها للاعتراف القانوني وحتى الدستوري بمجموعة من الحقوق الأساسية والحريات العامة، ولكن من جهة أخرى تعطي لنفسها ولرأس الدولة صلاحيات كبرى، وذلك بهدف الحفاظ على وضعية اليد العليا، مع ضمان الاستمرارية في الحكم.

3- التحكم عن طريق الدستور والقانون في حجم المعارضة ودورها ونموها، بشكل يجعلها باستمرار داخل دائرة السيطرة. فالدستور البحريني الجديد يسحب من البرلمان صفة الانفراد بالتشريع، حيث سيكون المجلس الاستشاري المعين، ليس فقط شريكا للبرلمان في صياغة القوانين، بل قادر أيضا على منع تمرير أي مشروع قد ترفضه السلطة. فالدستور الجديد يذكر أنه في صورة حدوث تعارض بين المجلسين حول قضية ما، تنعقد بينهما جلسة مشتركة، يرأسها رئيس المجلس الاستشاري مما يجعل صوته مرجحا في حالة التساوي في الأصوات. وبذلك تبقى السلطة في موقع القوة، وتمنع تحويل نظام الحكم إلى ملكية دستورية برلمانية كما ترغب في ذلك المعارضة.

أما التحوير الدستوري الجديد في تونس فإنه قد حافظ على كل آليات النظام الرآسوي، وأبقى على شروط الترشح في الانتخابات الرئاسية، خاصة شرط التزكية من قبل ثلاثين عضوا في مجلس النواب أو رئيس بلدية، وهي العقبة الرئيسية التي ستحرم أي معارض مستقل من حقه في الترشح نظرا لسيطرة الحزب الحاكم على الأغلبية الساحقة داخل البرلمان، إضافة إلى احتكاره لرئاسة جميع بلديات الجمهورية التونسية.

4- حسن استثمار ورقة الحماية من خطر داخلي أو خارجي، للإقناع بأن المصلحة الوطنية تستوجب التدرج، والتحكم في التحولات السياسية، والإبقاء على سلطة قوية حتى لا يقع انخرام فجئ في موازين القوى، قد يؤدي إما إلى فرض نمط مجتمعي رجعي يحدث أضرارا فادحة بالحريات الفردية وحقوق النساء، أو يعرض السيادة الوطنية إلى خطر التدخل والوصاية الخارجية.

هذا الأمر كان جليا بالنسبة للحالة التونسية، أما في البحرين فإن الحركة الإسلامية، خاصة الشيعية منها، هي التي تقدمت أشواطا على المعارضة اليسارية والقومية، وقادت المقاومة الميدانية للسلطة خلال مواجهات التسعينات، وقدمت في سبيل ذلك التضحيات الثقيلة. لهذا تجمع كل الأطراف حول الاعتقاد بأن الانتخابات البلدية والبرلمانية التي ستجري في البحرين، ستفرز تفوقا ملحوظا للأحزاب الدينية وخاصة التنظيمات الشيعية.

هذا السيناريو يثير حاليا مخاوف أوساط سياسية واجتماعية عديدة، وهو ما تحاول دوائر الحكم الملكي استثماره للتلويح ضمنيا بـ"الخطر الإيراني"، وبالتالي تبرير اتخاذ إجراءات ذات طابع استثنائي.

5- اللجوء إلى صيغة الاستفتاء العام لتثبيت الشرعية. وهي صيغة دستورية لا غبار عليها، تعتمد في كل الدول بما فيها تلك الأكثر عراقة ديمقراطية. غير أنها قد تتخذ أحيانا كوسيلة من أجل تجاوز المعارضة و"التحرر" من ضغوطها، وتبرير ما قد يتخذ من إجراءات استثنائية.

شعار مركزي لمرحلة جديدة

ففي البحرين تجاوبت القوى السياسية مع نص الميثاق الوطني الذي عرضه الأمير عليها. ورغم أنها تلقت تطمينات بأن ذلك لن يكون بديلا عن الدستور، غير أم التصويت بنعم بنسبة تجاوزت التسعين بالمائة، جعل السلطة ترى في ذلك تفويضا شعبيا لأمير البلاد لكي يتخذ ما يراه صالحا، فكان قراره بإلغاء الدستور القديم واستبداله بآخر أثار استياء المعارضة، وعمق مخاوفها من المستقبل.

ما حصل في البحرين وتونس نجد له بعض الشبه في دول عربية أخرى مرت أو لا تزال بما يسمى بمرحلة التحول الديمقراطي، مثل اليمن والمغرب ومصر والجزائر وموريتانيا. هذا يعني أن عوامل دولية وأخرى محلية دفعت بأنظمة الحكم في المنطقة العربية – سواء أكانت جمهورية أو ملكية - إلى التكيف جزئيا مع بعض المتغيرات السياسية، مع الاحتفاظ بجوهر آليات الحكم. إنها مرحلة ذات شعار مركزي : نعم لتعددية سياسية تحت السيطرة، لا سبيل للتداول السلمي على السلطة.

صلاح الدين الجورشي - تونس

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×