Navigation

توزيع الهيروين: من الجدل إلى المــثال

أقنعت حصيلة التجربة السويسرية في توزيع الهيروين تحت الرقابة الطبية على المدمنين عدة بلدان أوروبية على اتّـباعها Keystone

يصادف يوم 22 يناير الذكرى السنوية العاشرة لانطلاق البرنامج السويسري لتوزيع الهيروين تحت الرقابة الطبية على المدمنين.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 يناير 2004 - 16:44 يوليو,

ومع أن البرنامج كسّـر العديد من المحظورات الاجتماعية، وأثار ردود فعل محلية ودولية تباينت بين التأييد والمعارضة، إلا أن حصيلته تظل إيجابية رغم كل شيء!

كانت في ربيعها الثامن عشر عندما وافقت مرة وبتشجيع من أصدقائها على تجربة تعاطي مخدر الهيروين. كان قراراً حاسماً لم تعرف بعده ابنة الطبيب المشهور المتعلمة، سوى طريقٍ جرها إلى الحضيض.

تمكن الإدمان منها إلى مدى لم تُجدِ معه كل المحاولات لدفعها إلى الإقلاع عنه. ووجدت نفسها في الشارع، حيث عاشت لمدة عام ونصف، واضطرت إلى بيع المخدرات وممارسة الدعارة كي تحصل على مؤونتها اليومية من المخدر.

ولولا البرنامج السويسري لتوزيع الهيروين تحت الرقابة الطبية على المدمنين، لظلت "إيفلين" (وهو اسم مستعار) إلى اليوم في الشارع، ولعل اسمها كان سيُـنشر ذات يوم في صفحة الوفيات.

الإدمان مرض يستحقّ العلاج

لقد تم إطلاق البرنامج السويسري لتوزيع الهيروين تحت الرقابة الطبية على المدمنين من أجل الأشخاص الذين فشلت معهم كل محاولات العلاج وتحولوا إلى الطرقات والجريمة على غرار السيدة "إيفلين".

وتندرج الفكرة في إطار السياسة العامة السويسرية لمكافحة المخدرات التي ترتكز على أربعة أسس: "القمع"، الذي يشمل حملات الشرطة وأجهزة الأمن للقضاء على تجارة المخدرات، و"المنع" أو "الوقاية"، الذي يتضمن مختلف حملات التوعية والتنبيه في المدارس ووسائل الإعلام، ثم "التأهيل"، أي انخراط المدمنين في برامج للرعاية والإدماج والتدريب؛ وأخيراً "التحجيم"، الذي يرمي إلى السيطرة على الظاهرة والحد من الأضرار الناجمة عن الإدمان.

وتستند المقاربة السويسرية على بذل كل الجهود الممكنة لتحجيم الآثار السلبية للإدمان. وتتلخّـص القناعة التي تبلورت في أوساط الأخصّأئيين السويسريين في أن الإدمان يمثّـل مرضا يجب علاجه، وبأن هناك نوعية من المدمنين لا تفيد معها جميع وسائل العلاج المتاحة، ولذلك، فهي قد تشكّـل خطراً على المجتمع بسبب لجوئها إلى الجريمة للحصول على حاجتها من المخدر، إضافة إلى ما تتعرض إليه هذه الفئة نفسها من أشكال متعددة من الاستغلال، ناهيك عن إصابة نسبة مرتفعة جداً منها بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز).

كل هذه المعطيات أدّت إلى اقتناع مصممي البرنامج بضرورة التعامل مع هذه النوعية من المدمنين بهدف انتشالهم من الشارع وتأهيلهم جسدياً ونفسيا من خلال توفير جرعات دورية مجانية من مخدر الهيروين تقدّم إليهم يوميا تحت إشراف طبي صارم.

جدل داخلي وخارجي

عندما بدأت سويسرا في تنفيذ البرنامج بصورة تجريبية ما بين عامي 1994 و1996، قامت الدنيا ولم تقعد. فقد كان مجرد الحديث عن إنشاء مراكز لتقديم جرعات الهيروين للمدمنين مثيرا لجدل حاد وخلافات لا تنتهي.

فقد اعتبر المعارضون أن السلطات تشجع بذلك المدمنين على الاستمرار في إدمانهم بدلا من مواجهة المشكلة والقضاء عليها تماماً. وحذّروا من أن الدولة وشركات التأمين الصحي ستتحمل نفقات باهظة لسد فاتورة برنامج لا يتعامل بصرامة مع قضية شديدة الخطورة.

ولم يقف المعارضون مكتوفي الأيدي، بل تمكنوا بزعامة حزب الشعب السويسري من جمع توقيعات اكثر من 140 آلف شخص، وطرحوا القضية على الاستفتاء الشعبي في عام 1997.

لكن موقف الناخب السويسري جاء مفاجئا للجميع، إذ رَفض بنسبة 70% مبادرة "شباب بلا مخدرات"، وأعلن بذلك تأييده للبرنامج ممهدا الطريق أمام الحكومة الفدرالية لتغيير قانون المخدرات.

لكن اللافت هو أن المواقف المعارضة للبرنامج تعدت الساحة الداخلية السويسرية لتلقى صدى قوياً في الخارج. بدا ذلك جلياً في التقرير السنوي للهيئة الدولية لمحاربة المخدرات لعام 2000 عندما انتُـقِـد البرنامج بدعوى أنه يشجع بصورة غير مباشرة على الإدمان، واعتبر أن سويسرا "قادرة على توفير كافة وسائل العلاج للمدمنين بدلاً من إقامة غرف لحقن المخدرات تدعم استهلاك المخدرات تحت مسمى الإشراف الطبي"، مثلما جاء في نص التقرير.

مـثـال يُـحتـذى

اليوم، وبعد عشر سنوات من انطلاقة البرنامج، تبدو كل تلك العراقيل والانتقادات كما لو أنها كانت صفحة مطوية من تاريخ بعيد، بعد الحصيلة الإيجابية التي أفرزتها التجربة.

فبالأضافة إلى تحسن أوضاع المدمنين الصحية والنفسية، وعودتهم إلى سوق العمل من جديد، انخفضت نسبة الإصابة بمرض الإيدز في صفوفهم لتصل إلى أقل من 10% بعد أن كانت تزيد على 60% قبل بدء البرنامج. كما انخفضت نسبة لجوئهم إلى الجريمة أو الدعارة لتصل إلى 10% بعد أن كانت تصل إلى 70%.

كما انتقل عدد من المشاركين في البرنامج (تتراوح نسبتهم ما بين 23 و27%) إلى اتباع فعاليات أخرى خُصصت لمساعدتهم على الإقلاع نهائياً عن المخدر.

وإذا كانت تكاليف الصرف على البرنامج لا زالت هاجساً عند البعض فإن المؤشرات الاقتصادية تؤكد أنه يوفر على الدولة الكثير من النفقات. فالمدمن العادي يكلف الدولة 96 فرنك سويسري يوميا (عند احتساب نفقات التأمين الصحية وتكاليف عمل قوات الشرطة والسجون)، في حين لا يتجاوز المبلغ الذي تصرفه على المدمن المشارك في البرنامج 51 فرنك.

وبعيدا عن الأرقام والإحصائيات، نشير إلى أن السيدة "إيفلين" التي عاشت في الشوارع على مدى عام ونصف تمكنت بعد التحاقها بالبرنامج من التوقف عن تعاطي الكحول والكوكايين، ووجدت عملاً في مطعم كنادلة، وأعادت اتصالها بعائلتها واخوتها، وهي مقتنعة بأنها ستتمكن يوماً من الإقلاع عن تعاطي مخدر الهيروين نهائياً.

لذلك، لا غرابة في أن تتحول الرياح الدولية في اتجاه الدفة السويسرية، بعد النجاح الملموس الذي حققه البرنامج. فقد بدأت عدة بلدان من بينها هولندا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا واللوكسمبورغ وفرنسا وبلجيكا وكندا بعدُ في إطلاق برامج مشابهة للنموذج السويسري الذي يحتفل بمرور عشر سنوات على بدء العمل به.

إلهام مانع - سويس إنفو

معطيات أساسية

تم البدء في تنفيذ البرنامج السويسري لتوزيع الهيروين تحت الرقابة الطبية على المدمنين بصورة تجريبية ما بين عامي 1994و1996.
أدى التقييم الإيجابي لنتائجه إلى اعتماده رسمياً.
حاولت القوى اليمينية إيقاف العمل به وأطلقت مبادرة "شباب بلا مخدرات" التي طرحت على التصويت في عام 1997 ورفضها الناخبون.
أدى رفض المبادرة إلى تعديل قانون المخدرات السويسري في عامي 1998 و1999 بما يتماشى مع البرنامج.
توجد اليوم مراكز لتوزيع الهيروين على المدمنين في معظم أنحاء سويسرا.
يبلغ عدد المدمنين المشمولين بالبرنامج حاليا 1232 شخص.
مدد البرلمان الفدرالي مؤخّـرا فترة العمل بالبرنامج حتى عام 2009.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.