تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

تونس بين مؤشرات التشدد والانفراج المأمول

من اليمين: محمد مواعدة، مختار اليحياوي وحمة الهمامي، ثلاث شخصيات مزعجة للسلطات التونسية

(swissinfo.ch)

تتضارب المؤشرات في تونس، فبينما يوحي بعضها بأن الحالة السياسية يمكن أن تنفرج ولو قليلا بين الحين والآخر، تشير أخرى إلى أن السلطة قد تستمر في أسلوبها المتشدد تجاه الأوساط الديمقراطية.

وبإلقاء نظرة سريعة على المشهد العام حاليا، تبدو في الصورة وجوه ثلاث شخصيات أقل ما يقال عنها أنها " مزعجة " للسلطات، وبالتالي فإن كيفية التعامل مع ملفاتها مستقبلا ستظل من العوامل المساعدة لمعرفة اتجاه الريح.

فمنذ أن أعلنت عائلة السيد محمد مواعدة بأنه قد توقف عن إضراب الجوع الذي استمر أسبوعا، والأوساط السياسية والحقوقية تنتظر إطلاق سراحه بين الحين والآخر، هذا التوقع مبني على اعتبارات عديدة، من بينها الخبر الذي صدر في معظم الصحف اليومية حول إيقاف الإضراب، لكن صحيفة " لابريس " انفردت بإبرازه في الصفحة الأولى بشكل لافت للنظر.

ورغم أن الصيغة التي اعتمدتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء قد أثارت امتعاض مواعدة، حسبما ذكر بعض أنصاره الذين ينفون أن يكون قد توجه برسالة التمس فيها العفو، غير أن ذلك لم يقلل من الأمل في إطلاق سراحه، كما أن الشروع في تسوية الوضع الاجتماعي والصحي لزوجته وأسرته، دليل آخر على وجود نية فعلية لوضع حد لملف مواعدة الذي طال أكثر من اللزوم، وبدأ يثير قلق الديمقراطيين ونشطاء حقوق الإنسان على الصعيدين المحلي والدولي.

وبقطع النظر عما يقال حول طبيعة المحادثات التي قد جرت بينه وبين من يمثل السلطة، فإن إطلاق سراح هذا المعارض العنيد الذي تجاوز السبعين عاما، سيكون له وقعا إيجابيا على أكثر من صعيد.

ويساري ظهر بعد غيبة

في مقابل ذلك، وبينما كان عدد غفير من التونسيين يتابعون عشية يوم الجمعة مقابلة كرة القدم بين تونس ومصر، تجند العشرات من رجال الشرطة والأمن السياسي لسد كل المنافذ المؤدية إلى المقر المركزي للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، السبب هو منع تجمع تضامني مع السيد حمى الهمامي، دعت إليه الهيئة المدير للرابطة.
وهذا ملف سياسي آخر بقي معلقا بدون حل، فالهمامي الذي بقي يقود من مخبئه حزب العمال الشيوعي التونسي، قرر فجأة وضع حد لاختفائه، حيث سيكون الثاني من شهر فيفري أول لقاء بينه وبين الشرطة المكلفة بالبحث عنه دون جدوى منذ أربع سنوات، هذا المشهد الذي سيتابعه عدد من المراقبين الذين سيقدمون خصيصا من خارج تونس، لن يخرج عن احتمالين:
الأول أنه سيقع تمكينه من المثول أمام المحكمة صحبة محامييه ، وستكون تلك إشارة إلى أن الملف سيقع التعاطي معه بحكمة ونضج سياسي.

والثاني سيتم القبض عليه قبل أن تطأ قدماه مبنى قصر العدالة، فيفقد بذلك حقه القانوني في الاعتراض على الحكم الغيابي الذي صدر ضده.

لكن مهما كان السيناريو الذي سيعتمد يومها، فالمؤكد حسب اعتقاد الكثيرين، أن حمى الهمامي سيودع السجن مع رفاقه الثلاثة، وهو ما من شأنه أن يشكل عامل وحدة وتعبئة - ليس فقط لأنصاره الذين أضعفتهم السنوات العجاف السابقة - ولكن أيضا ستجد الأوساط الديمقراطية نفسها مدفوعة لممارسة مختلف الضغوط من أجل إطلاق سراح سجين سياسي جديد سيضاف للقائمة، وإن كان مثله مثل محمد مواعدة لا ينتمي إلى دائرة مساجين حركة النهضة، الذين جرت الرياح بشأنهم في اتجاه معاكس لم يكن أحد يتوقعه. إذ أن المحاولات مستمرة للبحث عن خيط رابط بين الحركة وتنظيم القاعدة.

وفي يوم 30 من شهر يناير - كانون الثاني الجاري سيمثل ثلاث تونسيين أمام المحكمة العسكرية بتهمة " وضع النفس تحت تصرف منظمة إرهابية تعمل بالخارج زمن السلم ". وقد تلقى مؤخرا أعضاء مجلس النواب مشروع التنقيحات المقترحة من الحكومة للتشديد في عقوبات المجلة الجنائية، خاصة بالنسبة للجرائم المتعلقة بمختلف أشكال خيانة الوطن، حيث اتسعت قائمة الأحكام التي تبلغ فيها العقوبة درجة الإعدام، هذا في انتظار مشروع القانون الخاص بالارهاب الذي كثر الحديث عنه في الأيام الأخيرة.

والثالث قاضي متمرد

الشخصية الثالثة التي أرهقت السلطة منذ السادس من شهر جويلية 2001، هي بدون شك القاضي مختار اليحياوي، الذي عزله مجلس تأديب القضاة يوم 29 ديسمبر الماضي . المشكلة مع هذا الرجل الذي طلع من الغيب، أنه لا يزال يتصرف كقاض، ومصر على الاستمرار في مغامرته، ويتمتع بمساندة واسعة على الصعيدين المحلي والدولي. كما أنه متمسك برئاسته ل " مركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة " الذي رفضت السلطات الاعتراف به.

ولا شك في أنها المرة الأولى في تونس، التي ينظم فيها نشطاء حقوق الإنسان والأوساط الديمقراطية تجمعات من أجل الدفاع عن الحريات ومساجين الرأي، ويكون من بين الحضور قاض يقبع في تواضع بإحدى الزوايا أو يقف بين الجموع، أو يمنع كغيره من حضور إحدى الاجتماعات كما حصل في بنزرت. وتزداد معضلة التعامل مع هذا القاضي تعقيدا، عندما تكشف كتاباته عن جرأة فكرية وسياسية غير معهودة.

ومن مظاهر ذلك النص الذي كتبه ووزعته لجنة الدفاع عنه تحت عنوان "استقلال القضاء ضرورة وطنية لبناء الديمقراطية ". وطالب فيه المؤسسة القضائية " بما تختزله في ذاتها كتعبير عن الدولة ومؤتمنة على الشرعية .. الاضواء تحت لواء الحركة الديمقراطية بكل أطيافها واتجاهاتها والتصدي للتوظيف الذي خضعت له منذ الاستقلال، وذلك باستيعاب مفهوم العدالة في أرقى معانيها : الدفاع عن الحرية".

المتفائلون في تونس، يتوقعون حصول حركية مغايرة في المرحلة القادمة، خاصة إذا ما تم العفو على مواعدة، وحصل الاعتراف بحزب " التكتل " قبل انتهاء مهلة الانتظار القانونية في شهر مارس المقبل. لكن أهم ما يشغل هؤلاء المتفائلين ويراهنون عليه كثيرا هو ما سيفضي إليه المؤتمر الاستثنائي للاتحاد العام التونسي للشغل. وإذا كان البعض متخوفا من أن تتمكن الأمانة العامة من تجيير عديد المعطيات لصالحها، فإن أحدا لا يستطيع أن ينكر بأن الجدل والتجاذب الديمقراطي الحاصل حاليا داخل الساحة النقابية، لم يشهده الاتحاد منذ أواخر الثمانينات. فإدخال جرعة هامة من الديمقراطية داخل المنظمة الشغيلة، سيكون بمثابة بالونة أكسجين بالنسبة للمجتمع المدني الذي يعاني بعض الصعوبات في التنفس.

صلاح الدين الجورشي - تونس

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×