Navigation

تونس: سكان الحوض المنجمي وثورتهم خلف الأبواب المـُغلقة

كانت المشاركة النسائية ملفتة في المظاهرات الشعبية التي شهدتها مدينة الرديف بولاية قفصة في شهر يونيو 2008 DR

منذ ثمانية أشهر، يعبّر سكان الحوض المنجمي بجهة قفصة جنوب غربي تونس عن غضبهم للظروف المعيشية الصعبة التي يعانون منها. وهذا الأسبوع، قدم صحفيون تونسيون إلى جنيف للتعريف بهذه الثورة التي كتمتها الحكومة التونسية التي قامت في الآونة الأخيرة بتطبيع علاقاتها مع سويسرا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 أكتوبر 2008 - 05:04 يوليو,

مثّلت هذه الأحداث أطول احتجاجات اجتماعية شهدتها تونس في العصر الحديث، إذ إستمر تمرد سكان الحوض المنجمي بقفصة ضد "النموذج الإقتصادي التونسي" ثمانية أشهر، وخاض هذه التحركات الطلبة في الثانويات وفي الجامعات، والعمال وربّات البيوت جنبا إلى جنب، وتتابعت الإحتجاجات والتظاهرات ضد البطالة والفساد وإرتفاع الأسعار.

تجاه هذه الأحداث، إلتزمت وسائل الإعلام الرسمية الصمت المطبق، في الوقت الذي تلقت فيه قوات الأمن الأمر بمحاصرة المحتجين، ومضايقتهم، وصولا إلى إعتقالهم، وعلى وجه التحديد، منع الصحافيين الراغبين في نقل أخبار تلك الأحداث.

وتحتل تونس، بفضل الثروات الطبيعية المستخرجة في هذه المنطقة، المرتبة العالمية الرابعة في إنتاج الفسفاط، في وقت ظلت فيه هذه المنطقة إحدى الجهات الأشد فقرا في البلاد. تفتقر إلى بنى تحتية حقيقية إذا ما إستثنينا سكة الحديد التي تستخدم لنقل البضائع فقط.

ومنذ القرن التاسع عشر، ظلت شركة الفسفاط بقفصة المحرك الإقتصادي الوحيد بالجهة، لكن إعتماد الحكومة لخطة إعادة هيكلة أدى إلى خفض عدد العمال بنسبة 75%، ومن مجموع 11.000 عاملا، تراجع العدد إلى 5.000 فقط، وبلغت نسبة البطالة بهذه المنطقة في صفوف الشباب 40 %.

ثورة الشباب

كان الشباب منطلق الشرارة الأولى، وذلك في 5 يناير 2008 بمدينة الرديف عقب ما إعتبر تلاعبا بنتائج مناظرة لإنتداب عمال جدد بشركة الفسفاط بقفصة. ودفع تأجيل التصريح بالنتائج الشباب الحاصلين على شهاداتهم حديثا إلى إحتلال المقر الجهوي للإتحاد العام التونسي للشغل، ثم انضم إليهم سريعا أفراد عائلاتهم الذين نصبوا الخيام أمام البناية، ليمتد هذا التحرك الشبابي ويتوسع لاحقا.

ولمواجهة هذا التحرك الاحتجاجي، تمسكت الحكومة بأولويتيْن: تجنب إنتقال تلك الاحتجاجات إلى مناطق أخرى في البلاد، بأي شكل من الأشكال، والحفاظ على سمعة البلاد التي تستقبل سنويا 6.7 مليون سائح.

و"يـُحظر وصول الصحافيين الأجانب إلى المنطقة"، حسب توضيحات رشيد خشانة الذي هو في نفس الوقت رئيس تحرير جريدة الموقف (إحدى الصحف الثلاث المعارضة في البلاد)، ومراسل سويس إنفو، وصحيفة الحياة الناطقة بالعربية والصادرة بلندن.

السيد خشانة الذي شارك يوم الخميس 16 أكتوبر الجاري في مؤتمر صحفي في جنيف حول حرية التعبير في تونس، أضاف أن "السلطات لا تريد انفلات الفضيحة إلى الخارج. فإذا انتشرت المعلومات خارج البلاد، لن يبقى الوضع تحت السيطرة. لكن طالما بقي الخبر (محصورا) في جريدة محلية، فيظل بالإمكان مصادرة وسيلة الإعلام من الأكشاك". ونتيجة لهذا التعتيم التام، لم يسمع العالم لا بالتظاهرات، ولا باللإعتقالات أو المحاكمات.

ثقب في جدار التعتيم

رغم سياسة التعتيم، إستطاع فريق من القناة التلفزيونية "الحوار التونسي" إلتقاط صور سرية لهذا التمرد، ثم بتها عبر القناة الفضائية الإيطالية "أركواريس"، وعبر القناة الفرنسية "فرنسا 3".

ومنذ ذلك الحين، يتعرض مراسلو هذه القناة التونسية إلى التنكيل والمضايقة المتكررة. هذه التصرفات دفعت الصحافيين الطاهر بن حسين، مدير قناة الحوار التونسي، ورشيد خشانة، للقدوم إلى جنيف هذا الأسبوع للإدلاء بشهادتهما.

ويشرح الصحفي خشانة أن تلك الصور "هي الوحيدة التي توجد حول احتجاجات قفصة، وقد التقطت بشكل خفي. ونشرها عبر الفضائيات أفشل الإستراتيجية التي إعتمدها النظام التونسي. فالحكومة تريد إعطاء الإنطباع بأن لا شيء يحدث في قفصة (جنوب غربي الجمهورية التونسية). لقد تلقت الشرطة الأمر بالتحرك عبر عمليات متفرقة حتى لا يتسبب تدخلها في خلق حدث كبير. فمن سينتبه إلى أن أحد المواطنين قد ضُرب هنا، أو أن أحد الصحافيين قد حُطمت كاميرته هناك؟ بهذه الطريقة، يتم إحكام القبضة على السكان بشكل غير مرئي".

الوعود الرئاسية

في شهر مارس الماضي، قام الرئيس التونسي بهجوم مضاد. وفي إشارة واضحة إلى التهدئة، أقال محافظ ولاية قفصة، ثم المدير العام لشركة الفسفاط لاحقا. وفي يوليو، وعد بتخصيص نسبة مائوية من مداخيل صادرات الفسفاط لبناء شركة لصناعة الأسمنت بالجهة، وتشييد بنى تحتية جديدة، وهي مشاريع ستدر فرصا لتشغيل سكان المنطقة.

هذه المرة، يقول رشيد خشانة، بنبرة ساخرة: "تكلمت وسائل الإعلام الرسمية عن الحوض المنجمي، وهذه إحدى المرات النادرة التي اعترف فيها الرئيس بن علي بوجود مشكلة إجتماعية".

عقب هذه المبادرة الرئاسية، هدأ التوتر.. قبل أن يتصاعد من جديد لما أدركت العائلات هناك، خواء الوعود االرئاسية، لتُشن موجة جديدة من الاعتقالات على المنطقة.

تجريم النقابيـيـن

"ولا يزال ثمان وثلاثون نقابيا ينتظرون المحاكمة. وهؤلاء متهمون بجرائم حق عام من الممكن أن تنزل بهم أحكاما ثقيلة جدا، ومنهم عدنان حاجي، الذي قد يواجه حكما بالسجن، لعشرات السنين"، حسب تصريحات الصحفي خشانة.

الفاهم بوكدوس، صحافي بـ "الحوار التونسي" يواجه اليوم تهمة "تكوين عصابة مفسدين" من الممكن أيضا أن يحكم عليه بعشر سنوات سجنا. و"السبب لا يتعدى كونه قام بتغطية حركة الاحتجاجات في الحوض المنجمي بمحافظة قفصة"، على حد قول مدير القناة.

وتحظى إحتجاجات قفصة بمساندة المجتمع المدني والمحامين في تونس. وينتقل هؤلاء بالتناوب بين تونس العاصمة وقفصة، مسافة عشر ساعات بين ذهاب وإياب، لمتابعة المحاكمات والدفاع عن المتهمين.

سويس انفو - كارول فان/ وكالة أنفوسود للأنباء (Infosud)

تطبيع العلاقات بين برن وتونس

خلال المرحلة الثانية من قمة مجتمع المعلومات (التي نظمتها كل من سويسرا وتونس)، والتي انعقدت في العاصمة التونسية في نوفمبر 2005، دعا رئيس الكنفدرالية السويسرية (آنذاك) سامويل شميد خلال حفل الافتتاح بتونس إلى احترام حرية الرأي وحرية الصحافيين العاملين فوق ترابها.

وتعرضت تصريحات السيد شميد لقطع البث المباشر عندما تطرق لملف حقوق الإنسان، مما تسبب في برودة العلاقات بين تونس وسويسرا لمدة، بحيث تركت تونس منصب سفيرها في برن شاغرا لفترة طويلة.

لكن الأوضاع عادت إلى طبيعتها حسب وزارة الخارجية السويسرية التي قالت إن العلاقات بين سويسرا وتونس جيدة.

وأوضحت الوزارة أن "سويسرا حافظت باستمرار على إدارة تمثيلها في تونس على مستوى السفير. ومن جانبها، أبقت تونس لبعض الوقت إدارة تمثيلها (في برن) على مستوى القائم بالأعمال. ولم يعد الوضع كذلك منذ سبتمبر 2008 بما أنه تم تعيين سفيرة" لتمثيل تونس في برن.

وقد أدى كاتب الدولة السويسري ميكاييل أمبول زيارة عمل رسمية إلى تونس في أبريل 2008. وقالت وزارة الخارجية إن "المناقشات كانت مثمرة وتم الاتفاق على تعزيز العلاقات الثنائية. وأعرب البلدان عن عزمهما الشروع في تعاون أوسع نطاقا".

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.