تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ثورات الربيع العربي تفتح آفاقا جديدة للسياسة الخارجية السويسرية

بقلم


بعض الشعارات التي رفعت في واحدة من المظاهرات التي شهدتها مدينة مراكش المغربية في سياق انتفاضات وتحركات وثورات "الربيع العربي" التي شملت أيضا تونس وليبيا ومصر واليمن والبحرين وسوريا والأردن.

بعض الشعارات التي رفعت في واحدة من المظاهرات التي شهدتها مدينة مراكش المغربية في سياق انتفاضات وتحركات وثورات "الربيع العربي" التي شملت أيضا تونس وليبيا ومصر واليمن والبحرين وسوريا والأردن.

(Keystone)

اهتمت سويسرا في تقرير سياستها الخارجية لعام 2011 بثورات الربيع العربي لجهة التحديات التي تطرحها هذه التطورات المتلاحقة سواء على بلدان المنطقة أو على العلاقات الدولية بما في ذلك مع سويسرا.

وشخّص التقرير الذي نُشر في أوائل فبراير الجاري في أكثر من 150 صفحة أوضاع المنطقة كما قدم بعض التكهنات حول ما هي مقبلة عليه بعد هذه الثورات.

مثلما كان متوقعا، تصدرت أحداث الربيع العربي اهتمامات التقرير السنوي حول السياسة الخارجية الذي أعدته وزارة الخارجية السويسرية.  والى جانب الإهتمامات الأوربية والعالمية للسياسة الخارجية للكنفدرالية، خصص التقرير زهاء خمسة عشر (15) صفحة لاستعراض التطورات التي شهدتها بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وانعكاسات ما يحدث فيها على علاقات سويسرا بدول المنطقة في شتى الميادين.

تقلبات كبرى في المنطقة...

إذا كانت الخارجية السويسرية ترى أنه من السابق لأوانه الحكم على التوجه الذي ستأخذه ثورات الربيع العربي، فإنها ترى - مع ذلك - أن ما حصل إلى حد الآن "أدخل تقلبات كبرى في كامل المنطقة من المغرب الى اليمن".

وقد صنف تقرير الخارجية دول المنطقة إلى ثلاث فئات: دول أطاحت بالنظم القائمة بعد مظاهرات شعبية، ونجحت في خطواتها الإنتخابية الأولية نحو التحول الديمقراطي رغم وجود تفريق بين الوضع التونسي والمصري. ودول عرفت إصلاحات ديمقراطية بإيعاز من الحكام الحاليين مثلما هو الحال في المغرب والأردن، وهي الإصلاحات التي يقول التقرير إنه "إذا لم تظهر آثارها على الساحة فإنها قد تقود إلى عودة المواجهات للشارع". ودول عرفت مواجهات عنيفة مثلما هو الحال في ليبيا واليمن وسوريا. لكن التقرير يميز بين وضع ليبي توصل الى الإطاحة بنظام القذافي بمساعدة غربية، ولكن نجاحه في إقامة نظام ديمقراطي "يتوقف على قدرة المجلس الوطني الإنتقالي على بسط نفوذه إلى كامل التراب الليبي"، ونظام سوري "قائم على أساس حكم الأقلية العلوية والذي يجد نفسه في تصعيد للعنف في مواجهة ضغط دولي متزايد، وفي مواجهة مقاومة تنظم صفوفها مع مرور الوقت".

أما الوضع اليمني، فيرى التقرير السنوي للسياسية الخارجية السويسرية أنه "ينغمس أكثر فأكثر في الأزمة، وفي التوجه نحو حرب أهلية"، مع التذكير بالمخاطر المحدقة بهذا البلد حيث هناك "الفقر والتخلف" من جهة، و"تهديدات أتباع القاعدة" من جهة أخرى.

الفئة الأخيرة هي فئة الدول التي "حافظت على الأمن" أو "أعادت الحفاظ على الأمن" وتدخل ضمنها بشكل متفاوت كل من دول مجلس التعاون الخليجي وفي مقدمتها مملكة البحرين، والجزائر من بين دول شمال افريقيا. أما العامل المشترك بين كل هذه الدول فيتلخص في أن "نيران الإنتفاضة كامنة على الرغم من تمكن السلطات من تهدئة الأوضاع بالزيادة في الأجور أو بالشروع في إنجاز مشاريع عمومية كبرى".

... وتحديات كبيرة

في معرض تحليل الأوضاع الراهنة على ضوء ما تم لحد الآن من ثورات في الربيع العربي، يرى التقرير السنوي الصادر عن الخارجية السويسرية أن التحديات التي تعترض التحول الديمقراطي في المنطقة العربية على ضوء ما حدث في مصر وتونس تشمل الدور الذي ستقوم به التيارات الإسلامية، ومدى قدرة السلطات الجديدة على مواجهة وضع اقتصادي كان هشا أساسا حتى قبل قيام هذه الثورات.

ومع أن الخارجية السويسرية "لا تستبعد قيام أنظمة غالبيتها إسلامية"، فإنها تعتبر أنه "من السابق لأوانه تحديد المواقف الحقيقية لتلك التيارات رغم تصريحات البعض بالمشاركة في أنظمة حكم علمانية". في الوقت نفسه، تعتبر برن أن الحديث عن هذه التيارات "يجب أن لا يكون على أساس أن التيار الاسلامي تيار متجانس، بل قد يعرف خلافات حسب الأجيال، وبين من يرغب في القيام بدور سياسي ومن يرغب في الإكتفاء بلعب دور ديني واجتماعي".

من القضية الفلسطينية الى المعضلة السورية

بخصوص التغييرات الحاصلة في التحالفات الدولية بسبب ثورات الربيع العربي، ترى الخارجية السويسرية أنها تمسّ ثلاث مناطق جغرافية: منطقة عربية كانت مركزة لكل جهودها على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وهي تركز اليوم اهتمامها على على الوضع في سوريا. ولا يستبعد التقرير "إمكانية بروز زعامة مصرية متحرّرة من النفوذ الأمريكي بعد أن فقدتها عقب إبرام اتفاقية كامب ديفيد، وهذا إلى جانب زعامة قطرية  وأخرى سعودية تحاول التخلص من النفوذ الأمريكي بعد التدخل في البحرين وبعد دعم عضوية فلسطين في الأمم المتحدة".

يضاف إلى ذلك بالنسبة لهذه المنطقة دائما أن "الصراع السّوري الذي يشكل تهديدا كبيرا للأردن ولبنان، ستعمل نهايته على تحديد ترتيب قوة ونفوذ الدول في المنطقة". أما بالنسبة للعراق "فسيكون بعد رحيل القوات الأمريكية حقلا لاشتداد التنافس بين الإيرانيين والسعوديين والسوريين والأتراك". وينتهي تقرير الخارجية السويسرية بخصوص مستقبل هذه المنطقة الى احتمال رؤية انقسامات تحصل في اليمن وحتى في سوريا ولبنان وليبيا. وهو ما تعتبره سويسرا (إن حدث) "أسوأ إشارة تقدم للعالم العربي".

تموقع جديد لتركيا وإيران وإسرائيل

"المنطقة الثانية" حسب التقسيم الذي اعتمده التقرير، هي البلدان المحيطة بالمنطقة العربية، أي تركيا وإيران وإسرائيل، والتي ترغب في تحديد موقع لها بعد مفاجاة الربيع العربي. وترى الخارجية السويسرية أن ما يميز التحولات الحاصلة في هذه المنطقة هي "التغيرات الحاصلة على موقع إسرائيل الجغرا-سياسي: حدود مع مصر كانت آمنة فهل ستستمر على ما كانت عليه؟ ونفس التساؤل بخصوص حدود إسرائيل مع كل من سوريا ولبنان؟ والتساؤل بخصوص استمرارية علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة وبخصوص موقفها من الدولة الفلسطينية؟".

بالنسبة لإيران، هناك تخوف من انتقال "عدوى الربيع العربي الى داخلها، ومن عرقلة طموحاتها في تطوير قدراتها النووية، وعرقلة نفوذها في المنطقة خصوصا لو سقط نظام الأسد في سوريا وحُـرمت من إيصال مساعداتها العسكرية والمالية لحزب الله في لبنان".

أما بالنسبة لتركيا التي تزامن ظهور ثورات الربيع العربي مع بداية تعزيز نفوذها في جوارها العربي والإقليمي، فإن تقرير الخارجية السويسرية يرى أنها "أرغمت على تعديل سياساتها في المنطقة خصوصا بعد التحول الحاصل تجاه سوريا، وبداية تعزيز علاقاتها مع النظم الجديدة في تونس وليبيا".  

قوى عظمى تتخلى.. وأخرى تهتم

"المنطقة الثالثة" تتعلق بتأثيرات ثورات الربيع العربي على باقي أنحاء العالم والمتميز بتنافس بين السياسات الأمريكية والأوروبية مع بداية تدخل، بشكل أكبر، من أطراف جديدة مثل الصين وروسيا والهند.

في هذا السياق، يرى تقرير الخارجية السويسرية أن الولايات المتحدة التي كانت تحتفظ في المنطقة ببؤر توتر "منخفضة الحدة" وتتمتع فيها بنفوذ واسع بل مُهيمن أحيانا، "لم تعد قادرة على الإستمرار في الإستراتيجية المسطرة من قبل جورج بوش ووزير خارجيته كولن باول والمعتمدة على أساس القوة المفرطة". وحسب التقرير دائما، فإن واشنطن قد تضطر - تحت تأثير أزمة الديون والتخلي عن الإعتماد على نفط العراق - للإكتفاء بالتركيز على ما هو أساسي وحيوي أي "دعم إسرائيل وبلدان الخليج".

في المقابل، يقر تقرير الخارجية السويسرية أن "أوروبا ترغب في تعزيز نفوذها في المنطقة العربية، ولكن عليها أن تراجع طريقة تعاملها مع الدول العربية ودول منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط"، وبعد أن ذكّـــر بالإنقسامات التي عرفها الموقف الأوروبي أثناء التدخل العسكري في ليبيا، ذهب التقرير إلى أنه من المحتمل أن "تتحول منطقة المغرب العربي والشرق الأوسط الى حقل تجارب بالنسبة للسياسة الخارجية الأوروبية في المستقبل".

أما بخصوص الإنعكاسات المحتملة لثورات الربيع العربي على النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، فقد تناول التقرير المسألة من زاويتين. تتمثل الأولى في تخوف بكين وموسكو من انتقال عدوى الثورات العربية إلى داخل أراضيهما، خصوصا بعد حدوث تجاوب معها في بعض الأوساط في الصين بالدرجة الأولى. أما الثانية فتتعلق بالإستهداف التي تعرضت له بعض المصالح الإقتصادية الصينية في ليبيا. وهو أمر قد يتكرر في إيران "في حال قيام ثورات هناك مما قد يعمل على عرقلة سياسة الإستثمار التي انتهجتها الصين منذ مدة في مجال المحروقات حتى ولو كان ذلك في تحالف مع أنظمة مستبدة".

التزامات سويسرا ومبادراتها في المنطقة

صورة جيدة ومراجعة في الأفق

تناول التقرير السنوي للسياسة الخارجية السويسرية الصورة التي تتميز بها الكنفدرالية في المنطقة والتي يمكن تلخيصها فيما يلي: "صورة جيدة للغاية، متميزة بكونها بلدا محايدا وغير استعماري، وبصلاتها المتواصلة مع جميع الأطراف بما في ذلك إيران وحزب الله وحركة حماس ما يخولها امتيازات كبرى عن باقي القوى الأخرى، وقدرة أكثر على القيام بدور الوسيط والمساعي الحميدة". مع ذلك، ترى الخارجية أن هناك ضرورة لمراجعة علاقات سويسرا بدول المنطقة على ضوء هذه الثورات، وإدخال التعديلات الضرورية عليها.

السياسي والأمني

تشاطر سويسرا تشاطر الأوروبيين حرصهم على  استقرار وأمن المنطقة من باب الحفاظ على القدرة على التزود بالنفط. وبالإضافة إلى ذلك، تعتبر برن أن الأهداف السويسرية في المنطقة ذات طابع سياسي وأمني.

وقد حددت لذلك استراتيجية  لمواكبة التحولات الديمقراطية الحاصلة هناك، تتمثل في تقديم المساعدة الإنسانية، ودعم الإصلاحات المؤسساتية، والتنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر. وتركز برن في الوقت الحالي بالدرجة الأولى على منطقة شمال افريقيا التي خصصت لها حوالي 63 مليون فرنك لعامي 2011 و 2012.

تُولي سويسرا أيضا أهمية كبرى لموضوع الهجرة السرية حيث سجل ارتفاع كبير في عدد الوافدين على السواحل الشمالية لحوض البحر الأبيض المتوسط بعد أحداث تونس وليبيا. ومع أن إيطاليا تحملت العبء الأكبر فيما يتعلق بمواجهة ضغط تدفق عشرات الآلآف من المهاجرين، فقد وصل إلى سويسرا في عام 2011 حوالي 2547 تونسي مقابل 358 في عام 2010 ، إضافة الى عدد كبير من الصوماليين والأريتريين.

ومع أن تقرير الخارجية أكد على أنه من المبكر حاليا استخلاص الدروس من ثورات الربيع العربي، إلا أنه شدد على أن سويسرا اختارت الإلتزام بدعم السلم والديمقراطية في المنطقة. وقد تمثل ذلك بالنسبة لمنطقة شمال افريقيا في الخطوات التالية:

المسارعة إلى تجميد أموال الديكتاتوريين بمجرد بداية تلك الثورات سواء بالنسبة لبن علي في تونس او مبارك في مصر أو القذافي في ليبيا وحتى بشار الأسد في سوريا. بعض هذه الأصول تمت إعادتها بعدُ (مثل حالة ليبيا)، ولا زالت البقية في انتظار استكمال الإجراءات القانونية.

دعم التحول الديمقراطي: بالمشاركة في تنظيم الإنتخابات الديمقراطية، وفي دعم حماية حقوق الإنسان، وفي تعزيز بناء منظمات المجتمع المدني، وإصلاح النظام الأمني، ومساعدة الحكومات المعنية في الإجراءات الرامية إلى استعادة الأموال المنهوبة والمجمّدة.

التنمية الاقتصادية: دعم قيام مؤسسات متوسطة وصغيرة، وتوفير فرص العمل وبالأخص بالنسبة للشباب في المناطق الفقيرة. ودعم سبل الحفاظ على الموارد المائية والمواد الأولية.

التعاون في مجال الهجرة: ويتمثل الهدف في التوصل الى صيغة مستدامة لمعالجة هذه المعضلة بشكل يضمن عودة المهاجرين إلى بلدانهم وإدماجهم في مجتمعاتهم، وإشراك الجالية المقيمة في الخارج في عملية التنمية.

في الشرق الأوسط، يتمثل الإلتزام السويسري في دعم احترام حقوق الإنسان، والقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي.

البحث عن سبل تحقيق السلام: خاصة من خلال مبادرة جنيف مع شركاء حكوميين وغير حكوميين بالنسبة لصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومن خلال الحوار بين الطوائف في لبنان. كما تدعم سويسرا مسارا للإدارة المستدامة للموارد المائية في المنطقة، وتسهم في مهمات مراقبة في الخليل وعلى الحدود بين مصر وإسرائيل.

بالنسبة لسوريا انضمت سويسرا للعقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على رموز النظام في سوريا، ودعت سفيرها في دمشق للتشاور منذ شهر أغسطس 2011 ومنذ ذلك التاريخ لم يعد إلى سوريا.

أخيرا، وعلى ضوء الدور الذي أصبحت تلعبه قطر على المستوى العربي قررت سويسرا في شهر أغسطس 2011 افتتاح سفارة لها في الدوحة.

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×