Navigation

ثورة الأحلام الضائعة...

الزعيم جمال عبد الناصر يتوسط العاهل الأردني الراحل الملك حسين وياسر عرفات في واحدة من آخر الصور التي التقطت له يوم 30 سبتمبر 1970 أي قبل ساعات قليلة من وفاته Keystone

من مفارقات القدر أن تمر ذكرى ثورة 23 يوليه قومية الطابع ناصرية المنهج، فى وقت يبدو فيه العالم العربى أبعد ما يكون عن الحد الأدنى من التضامن القومى.

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 يوليو 2002 - 13:38 يوليو,

فالقطرية كمنهج لحياة الدول العربية تأصلت جذورها وحققت أهدافها، ولم تعد الروح العربية الجماعية ظاهرة فى شىء أو فى قضية إلا فيما ندر، وحتى ما يقال عن توافق عربى عام تجسده بيانات مؤتمر قمة طارئة أو دورية، تأتى بعدها التحركات الفعلية لتدحض ما قيل عن التوافق والتضامن ووحدة الرؤية.

وتبدو السخرية فى أقصاها فى تلك المواقف المحدودة القيمة التى عبرت عنها الجامعة العربية فى تضامنها مع المغرب فى مواجهة العنترية العسكرية الأسبانية التى أرادت أن تذكر الجميع بأن هناك جزءا عربيا ما زال محتلا، بل وأن الرد العسكرى جاهز، كما تبلور فى احتلال مباشر لجزيرة ليلى المغربية وطرد الجنود المغاربة منها، وهى التى لا تبعد عن الساحل المغربي إلا بمائة وأربعين مترا فقط، وذلك رغم دعوات الحوار والعمل الدبلوماسى التى يصر الجميع على أنها مسالك الدول المتحضرة، ولكنها فى الحالات العربية تبدو مجسدة للضعف والتشرذم وفقدان التضامن.

ولعل موقف الجزائر الذى أيد الموقف الأسبانى نكاية فى المغرب، والذى لم يفرق بين خصومات طبيعية بين الأشقاء، وبين تأييد لاحتلال أجنبى لأرض عربية تاريخا وجغرافية، ليجسد بدوره حال العرب من خلط الأولويات وفقدان الرؤية الصائبة وغياب الروح القومية، وذلك بعد نصف قرن من ثورة يوليه، والتى أعطت العروبة معناها السياسى التحررى الوحدوى على نحو فريد، ودفعت من أجله ثمنا باهظا.

صراع .. دائم

ما رفعته ثورة يوليه من شعارات قومية وعروبية ووحدوية لم تكن فى واقع الأمر هباء كله، فهى على الأقل أسهمت بإخلاص فى تحرير مواقع عربية كثيرة من نير الاستعمار، كاليمن والجزائر وليبيا والمغرب، وألهبت مشاعر التحرر والاستقلال وما زالت فى ارض فلسطين، وفى وجدان أجيال عربية تعيش الآن على ذكرى سياسات ومواقف أشعرت العرب أو غالبيتهم العظمى بالقدرة على التحدى واستقلال الإرادة ورغبة التغيير وحق النضال فى مواجهة طوائف وشرائح وعملاء وقوى خارجية أنكروا على العرب وما زالوا وحدتهم الطبيعية، وحقهم فى التنمية المستقلة، وقدرهم فى الوحدة الطوعية وتكاملهم الاقتصادى.

ليست هناك صعوبة، والأمر ليس مستحيلا فى تلمس ما بقى من ثورة يوليه بعد نصف قرن على انطلاقها. فالثورات تمثل فى التاريخ ثلاثة مكونات متداخلة ومندمجة معا، أشخاص عظام فكروا فى الفعل الثورى أنجزوه، وقيم نبيلة تبشر بالحرية والتقدم والمساواة والعدل والانصاف، وسياسات حاولت فى بيئة وفضاء معين أن تحقق ما تم التبشير به، نجحت أحيانا وفشلت أحيانا أخرى، ولكنها ظلت تعبيرا حيا عن المحاولة الجادة والصادقة.

وفى كل فعل ثورى كبير، يرنو نحو تغيير كلى لبيئة محلية أو إقليمية يكون هناك المتضررون والحاقدون والراغبون فى العودة الى الوراء. ويظل طبيعيا ان تتحالف مصالح المتضررين فى الداخل مع أولئك الذين فى الخارج، ويصبح الأمر سجالا تاريخيا بين ثورة تقود التغيير وتدفع اليه، وقوى تعوقه وتعمد الى إبطال مفعوله، أو احتوائه أو إعادة توجيه مساره.

وهكذا كانت ثورة يوليه صراعا دائما، ومنذ اللحظة الأولى لانطلاقها بين قيم وسياسات التحرر والتكامل والوحدة والأمن القومى، وبين تلك القوى المحلية أو الخارجية التى أدركت أن مصالحها ليست مع الثورة او سياساتها، وانما هى فى تعطيلها وإفسادها وهزيمتها.

تعبئة الموارد القومية

حرية الحركة واستقلال الإرادة عنت فى عرف الثورة المصرية، رفضا للتورط فى حالة الاستقطاب التى فرضها النظام الدولى آنذاك على الدول الصغرى. والحق أن هذا الرفض لم يكن سلبيا، بل كان إيجابيا مدفوعا بنشاط بارز لإعادة هيكلة السياسة الدولية ككل، ومن هنا جاء عدم الانحياز كمبدأ وكحركة دولية هدفت الى تغيير النظام الدولى الثنائى القطبية، كما جاءت مساعدات مستمرة لحركات التحرر الوطنى عربيا وإفريقيا.

عربيا، بلورت مصر استراتيجيتها فى تشكيل نظام عربى على أسس قومية، يعمل وفق مبادئ التكامل والوحدة الطوعية والحرية، وكان أسلوب تعبئة الموارد القومية مدخلا لتأكيد البعد القومى فى الحركة العربية وتجسيد أمنه الكلى وسعيا لتكامله الاقتصادى. كل ذلك وهدف تحرير فلسطين من قبضة الصهيونية والاستيطان العبرى يمثل الدافع الأكبر لتجسيد الفعل العربى على أسس قومية ووحدوية. فخطورة الكيان العبرى لم تكن، وما زالت، موجهة الى مصر وحدها بل الى كل شبر عربى.

وكأى ثورة لم يكن النجاح حليفها دائما، ففى حين أصابت بعض التحركات نجاحا مشهودا، كإنهاء الاستعمار، ومساعدة حركات التحرر الوطنى العربية فى الجزائر وليبيا واليمن، وتأميم قناة السويس، حقق البعض الآخر نجاحا محدودا أو جزئيا مثل تطبيق نموذج وحدة عربية، إذ مثل فشل تجربة الوحدة المصرية السورية بعد اقل من ثلاث سنوات درسا قاسيا لنموذج بناء وحدة عربية بقرارات فوقية ودون الاستناد الى حركة شعبية.

وينطبق النجاح الجزئى فى مجال مواجهة القوى الاجتماعية العربية المحافظة ومجال بناء دولة نموذج فى التنمية وفق الأسس الاشتراكية العربية. أما الفشل المهم فتمثل فى هزيمة يونيه أمام عدو معروف عنه شراسته وتحالفه مع قوى الاستعمار الجديد والقديم على السواء.

وبعدها تغيرت الحركة المصرية عربيا، وصار الهم الأكبر فى تحرير الأرض العربية ورفض نتائج العدوان، وانطوت صفحة الصراع مع قوى الرجعية ، وبات الموجه الأكبر لحركة مصر الناصرية متمثلا فى سياسة حشد عربى تقوم على تعاون بين دول اتفق على تسميتها بدول المواجهة، وأخرى عرفت بدول الدعم و المساندة . كانت صيغة اقل من المأمول ، ولكنها جسدت حدا أدنى من التعاون العربى فى مواجهة عدو مشترك، فى ظل ظروف اقل ما توصف بأنها سوداء.

الثمن .. الباهظ

كان انحياز عبد الناصر الشخصى للفقراء والبسطاء امرا محمودا ، ودافعا قويا لقرارات اشتراكية حاولت استعادة بعض الحقوق لابناء الشعب، بيد ان الطريقة التى طبقت بها هذه السياسات وغلبة السمة البيروقراطية عليها لم تسهم فى تحويل مصر الى نموذج للاشتراكية العربية كما كان مأمولا ، ولكن الى نموذج استطاب الارتكان الى الدولة فى كل شىء، وبما اثقل كاهلها وحد من قدرتها على الانطلاق.

وجاء النموذج السياسى المصاحب ، غير القائم على تعددية او نزعة من ليبرالية سياسية وغياب للديمقراطية، والقائم على تنظيم سياسى واحد، ليحد من تطور السياسة الداخلية، ويعوق من المشاركة السياسية. ولعل "كاريزما ناصر"، التى وجد فيها الناس فى مصر وفى عموم المنطقة العربية ، كانت نوعا من التعويض المعنوى والسياسى.

بغياب الرئيس عبد الناصر فى سبتمبر 1970، انطوت صفحة الزعيم، وانطوى الفصل الأهم فى ثورة يوليه، متمثلا فى نجاحات كبرى وإخفاقات غير منكورة. ولكن يظل الدرس الأكبر فى الحالتين، والمعنى الجوهرى للثورة وما بقى منها بعد خمس عقود، وهو أن مصر كدولة كبرى قاعدية ذات منهج قومى ديمقراطى تحررى لا غنى عنها، لا لنفسها و لا لغيرها من العرب، فتلك ضمانة أساسية للحرية والاستقلال والتكامل. وحين تغيب تلك الموجهات يدفع الجميع الثمن باهظا ومريرا.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.