فيروس كورونا.. نقطة تحول للعلاج عن بُعد في سويسرا

الدكتورة سناء مزوري، في المستشفى الجامعي في جنيف، لم يكن اهتمامها بالطب عن بعد وليد جائحة كورونا. HUG
هذا المحتوى تم نشره يوم 30 يوليو 2020 - 11:00 يوليو,
لور فاغنر

أعطت جائحة كورونا دفعة جديدة للطب عن بعد، ففي سويسرا، كما في غيرها، زاد الحجر المنزلي حالات الاستشارة عن بعد، وبالرغم من إعادة فتح العيادات الطبية، إلا أن رقمنة التطبيب ماضية قدما حتى ولو لم يقتنع الجميع بها.

منذ سنوات ، والناس معتادون على أخذ المواعيد الطبية واستلام نتائج الفحوصات عبر الإنترنت، أما بخصوص الاستشارة والمعاينة الطبية عن بعد، والتي أصبحت ممكنة بفضل التقنيات والمعلومات والاتصالات المستجدة، فقد بقي الأمر هامشيا نظرا لوجود علامات استفهام لدى المرضى والأطباء أنفسهم حول تلك الممارسة، سواء بشأن كيفية الاتصال أو كيفية التشخيص الصحيح، وهل بالإمكان ضمان خصوصية البيانات؟ وغيرها من الأسئلة التي ظلت لفترة طويلة تنتظر إجابة.

قفزة ولدتها كورونا

في شهر مارس الفائت، غيرت أزمة الفيروس التاجي المعادلة، ففي مواجهة المخاطر الصحية، فرضت الاستشارة عن بعد نفسها أمرا واقعا على مهنة الطب، وفقا لآرثر جيرمان، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لموقع"ون دوك OneDoc" المتخصص في جدولة المواعيد الطبية عبر الإنترنت، والذي قال: "رغبنا منذ زمن في تطوير وسيلة للاستشارة بواسطة الفيديو، ولكن شعرنا بأن الأطباء لم يكونوا جاهزين، ولذلك أجّلنا المشروع، ثم دخل على الخط كوفيد-19 فشكّل دفعة قوية جعلت مطوري البرامج لدينا يعملون بجد ولمدة أسبوع من أجل إعداد منصة فيديو مشفرة".

ويقول آرثر جيرمان إن الفيروس أدى إلى انفجار في الطلب حتى أنه: "تضاعف عشرة أضعاف خلال شهرين"، وهناك اليوم ما يقرب من 2000 متخصص مسجَلين على موقعه على الانترنت، يستفيد منهم 500 من الخدمة الجديدة.

آرثر جيرمان (الشخصية البارزة في مقدمة الصورة) في أحد مكاتب شركة "وَن دوك OneDoc" التي أسسها في جنيف. Laure Wagner

وإلى أن ينقشع الوباء، ستظل هذه الخدمة مجانية لجميع المهنيين من مقدمي الرعاية الصحية المسجلين في منصة "وَن دوك OneDoc"، وتعتزم الشركة التي مقرها في جنيف الاجتهاد في إقناع الأطباء بتبني خيارها، الذي يروم أن يكون أكثر كفاءة من الهاتف وأكثر أمانًا من خدمات الفيديو الأخرى مثل فيس تايم أو سكايب أو زوم .

البعض أبدى حماسا للفكرة، كالدكتور إريك بيك، طبيب عام ومدير مركز تيوميرا الصحي، حيث قال: "إذا كانت الجودة عالية، فإن الفيديو بالفعل ميزة جيدة"، وأضاف: "في بداية الأزمة، كان التواصل مع مرضاي يتم عبر الهاتف، إلا أن التشخيص دون رؤية المريض ليس بالسهل، ولذلك توجهت أولا نحو واتساب ثم إلى ون دوك وهو ما ساعدني في تحديد من يجب عليه البقاء في المنزل ومن يجب عليه الحضور إلى المركز للمعاينة المباشرة".

غير أن من الأطباء من شكك بالفكرة من واقع التجربة، يقول د. منصف برادة، رئيس مركز كورنافين للطب والجراحة: "لجأنا إلى هذه الطريقة بسبب الظرف، ولا نريدها أن تصبح واقعا، لأنه لا يمكن التعويل على ما يقوله المريض فقط دون إمكانية فحصه جسديًا، والفيديو غير كاف".

العلاج عن بعد

هو عبارة عن منصة الكترونية تتيح إمكانية الدردشة بالصوت أو بالصوت والصورة بين أطباء مستشفى جامعة جنيف وهيئة التمريض التابعة لمركز الرعاية المنزلية بشأن متابعة المرضى الذين يُسرّحون من المستشفى.

وأوضحت الدكتورة سناء مزوري قائلة: "كان هدفنا تشجيع المرضى على البقاء في منازلهم من أجل تخفيف الضغط عن قسم الطوارئ، وتقليل وقت وكلفة المكوث في المستشفى"، وتابعت: "اختبرنا التطبيق مدة ستة أشهر لمتابعة مرضى خرجوا من المستشفى وبقوا تحت الرقابة التمريضية لمركز الرعاية المنزلية، وقد كانت النتائج إيجابية حيث أمكن تجنب عودة تسع من أصل عشر حالات إلى المستشفى".

وفي ضوء هذه النتائج المشجعة، أرادت سناء مزوري توسيع هذه الخدمة بحيث يجري تطبيقها بحلول عام 2021 لمتابعة أصحاب الأمراض المزمنة ذوي الحاجة لرقابة طبية مستمرة، وفيما بعد إتاحة خدمة الاستشارة الطبية عن بعد لجميع المرضى في مرحلة ما بعد الفرز التمريضي، غير أن مجيء الوباء أدى إلى تعجيل الأمور ... وتضيف الدكتورة أنه: "استجابة لحالة الطوارئ الصحية وتجنبا لاكتظاظ المستشفى، عملنا على مدى يومين لتطوير نسخة جديدة من تطبيقنا، بمسمى جديد وهو "Docteur @ home"، وجعلناه متاحا لجميع الأطباء في جنيف"، ومن حينها وحتى اليوم، أصبح عدد المسجلين في هذه الخدمة أكثر من 900 شخص من المؤهلين العاملين في مجال تقديم الرعاية الصحية في المستشفى الجامعي، وحوالي 400 طبيب من جميع أنحاء كانتون جنيف.

ومن جانبه، أيضا مستشفى فريبورغ أولى التطبيب عن بُعد اهتماما، ففي أبريل الفائت، قدم مديره الطبي، رونالد فونلانثٍن، مشروعًا للصحافة مدعومًا من الكانتون، في صورة حقيبة تحتوى على أجهزة طبية متصلة يمكن بواسطتها معاينة المريض عن بُعد، ذلك أن: "فيروس كورونا وضع نظامنا للرعاية الصحية أمام تهديدين خطيرين، وهما تشبع المستشفيات وعزل المرضى المخطرين، وقد أمكن لنا من خلال هذه الحقيبة القيام بتوصيل العلاج اللازم للمريض إلى منزله، بحيث نعطي العلاج للمريض في وقت مبكر وبذلك نحد من حالات التحوّل إلى المستشفى نتيجة حصول مضاعفات"، كما قال رونالد فونلانثِن.

وخلال الأزمة، تم التعاقد مع بعض طلاب وطالبات التمريض كوسطاء لمساعدة المرضى أثناء الاستشارة عن بعد، بينما تبلغ تكلفة هذا المشروع الطموح 50 ألف فرنك سويسري، ولا يزال الدكتور فونلانثِن يبحث عن مستثمرين يمكنهم تطويره على المدى الطويل.

حقيبة الطبيب للتشخيص عن بعد "2.0" ، التي طورها مستشفى فريبورغ. HFR

تغوّل الرقمنة

لاشك بأن للرقمنة وجه آخر، وهي لا تولد فقط حماسا لدى العاملين في المجال الطبي، وهاهم معظم الأطباء والأخصائيين قد عادوا إلى العيادات لممارسة الاستشارة المباشرة، وكما يقول الدكتور جِلبِرْت جينوز، وهو طبيب أسرة في جنيف، بأن التطبيب عن بعد يعطي فكرة عن أعراض المرض لدى المريض: "لكن التطبيب وجهاً لوجه يتيح لنا، برأيي، أكثر من مجرد الفكرة، وهو الوصول إلى المعاينة والتشخيص، والأهم من ذلك، وصف العلاج المناسب" وبشأن التخوّف الشديد لدى كثير من الأطباء والممرضين والمعالجين على مستقبلهم أمام "تغوّل الرقمنة" على القطاع الصحي، قال الدكتور منصف برّادة: "هذا ليس مفهومي كطبيب"، غير أنه لا أحد ينكر أهمية الاتصال المباشر بين الطبيب والمريض.

أما في مجال الصحة العقيلة، فقد اكتسبت فكرة التشخيص عن بعد أهمية أكبر نظرا لسنوات من الممارسة والتطوير خاصة في الولايات المتحدة، ويقول الدكتور بيير أندريه مايور، الطبيب والمعالج النفسي في جنيف، إن التشخيص من خلال لغة الجسد "غير المنطوقة" أمر أساسي في مهنتنا: "وخلال الأزمة، أتاحت لي الاستشارة عن بعد الحفاظ على تواصل علاجي مع مرضاي، ولكني أعتقد بأن نجاح الفكرة مبني على أساس وجود علاقة سابقة معهم".

وبناء على ما سبق، لا يزال الوقت مبكرا لكي نقول بإن فيروس كورونا أصدر حكم بالإعدام على الطب التقليدي، ومن وجهة نظر آرثر جيرمان أن: "الرقمنة حتما ستؤدي إلى تطوير مهن الرعاية الصحية، وسيتعين على العاملين فيها مواكبة هذا التطور والتكيف مع ما يمكن أن يستجد من أحوال الأمراض والمرضى"، ومن جانبه، أعرب الدكتور رونالد فونلانثِن عن تفاؤله قائلًا: "ستغيّر التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي أساليب ممارسة الطب وستظهر مهن جديدة وسط العاملين في مجال الرعاية الصحية، وستزداد اللحمة والترابط، ومع ذلك، لا يمكن لآلة أن تجري تشخيصا دون أن يكون وراءها عقل بشري".

مشاركة