تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

جرائم الشرف: كسر جدار الصمت

كسر جدار الصمت

(Keystone)

امرأة طلبت زيارة محامية أردنية. شكت من أنها غير قادرة على الاستمرار مع زوجها الذي سيخرج من السجن قريبا وترغب في الطلاق منه." لماذا؟" سألت المحامية. أجابت: "لأنه قتل ابنتي التي كانت حامل وعمرها خمسة عشره عاما." قالت المحامية:"ولكن دافعه واضح فلماذا الانزعاج إلى هذا الحد"، أجابت: "لأنه هو الذي أغتصبها."

هذه التجربة، التي تحكيها المحاميةُ المعروفة أسمى خضر، تبرز الطبيعةَ المأساوية لأبعاد ما يعرف بجرائم الشرف والتي ترتكب فى إطار مفاهيم غسل العار والثأر للشرف. فالضحية عادة ما تقتل للتستر على الفضيحة، ويفلت من أغتصبها أو أغواها بلا عقاب، بل قد يكون هو نفسه قاتلها.

تنتشر جرائم الشرف في الكثير من المجتمعات. فى ألباكستان على سبيل المثال،كما تشير منظمة العفو الدولية فى تقريرها السنوي لعام ألفين، تقتل مئات من النساء سنويا بإسم الشرف. وتتعدد الذرائع التى يستخدمها الزوج او الأخ أو القريب للقتل... من إشتباه فى سلوك المرأة، أو بسبب إغتصابها، أو لرغبتها فى الزواج من رجل لا تقبل به العائلة، أو لطلبها الطلاق من زوج يسئ إليها. وبغض النظر عن سبب القتل، فإن القتلة نادرا مايحالون إلى القضاء أو ينالون عقابا على ما إقترفوه.

هذه الظاهرة تتواجد أيضا في العديد من ُبلدان العالم العربي. الأردن هي إحدى الدول العربية التى تعانى من هذه الظاهرة. فالإحصائيات الرسمية للسنوات الخمس الأخيرة تشير إلى أن ما بين 25 و30 إمراة تقتل سنويا لاسباب متعلقة بالشرف، وهو ما يجعل المملكة تتصدر قائمة الدول التى تعانى من هذه المشكلة لاسيما عند مقارنة هذا العدد بعدد سكانها الذي يزيد عن أربعة ملايين ونصف. فماهى خلفية هذه الظاهرة في الأردن؟

المادة 340 من قانون العقوبات الأردنية

بعض بنودِ القانون الأردني، تقول المحامية اسمى خضر، تهئ المجال لارتكاب جريمة الشرف. فالفقرة الأولى من المادة 340 من قانون العقوبات تنص على إعفاء الرجل، الذي يقتل أو يؤذى زوجته او احدى قريباته، من العقاب ( العذرُ الُمحل) إذا وجدها فى الفراش مع شخص اخر. أما الفقرة الثانية من المادة فتعطى القاضي الحق في خفض العقوبة إلى أدنى حد (العذر المُخَفِف)، والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى بضعة اشهر، عندما يكون الدافع إلى إرتكاب الجريمة أمرا يتعلق بالشرف. وفى العديد من الجرائم التي ارتكبت بحق النساء فسر القضاء الحمل خارج الزواج، وفقدان العذرية، و العلاقة مع شخص بدون زواج، على أنه مساس بشرف الأسرة.

الملفت أن هذه المادة ومثيلاتها في القوانين المعمول بها في دول عربية أخرى، كمصر على سبيل المثال، مصدرها القانون الفرنسي الذي تم وضعه أوائل القرن التاسع عشر أثناء فترة حكم نابليون بونابرت، واقتبسته كثير من الدول العربية ممن كانت جزءا من الدولة العثمانية. وهو ما يظهر أن اتجاه البعض إلى تحميل الدين الإسلامي مسئولية إرتكاب هذه الجرائم بعيد عن الصحة. فالنصوص القرآنية الكريمة في تعرضها لزنا غير المحصنين (غير المتزوجين)، حّملت الرجل والمرأة مسئولية فعلهما، وأفتت بجلدهما على حد سواء وترحيلهما بعد ذلك لمدة عام، ولم تشر من قريب أو بعيد إلى القتل. كما إشترطت فى نصها على رجم الزاني والزانية من المحصنين على ضرورة إجماع اربع شهود ممن شاهدوا فعل الزنا، وفى هذا قدر من الاستحالة يظهر ميل القرآن إلى السترة.

بواعث جرائم الشرف

هناك أسباب عديدة، كما تشير المحامية أسمى خضر،التي تؤدى إلى تعرض الفتاة أو المرأة للقتل باسم الشرف. اغتصابها هو أحد أهم هذه الأسباب. ففي العديد من الحالات تغتصب الفتاة من قبل أحد أقربائها أو، وهو ألادهى، من قبل احد محارمها كأبيها اوأخيها. فزنا المحارم، كما أبرزت مراكز الإرشاد الأسرى وبرنامج الإرشاد الهاتفي الذي أنشأ لخدمة النساء وإعطاء الإرشاد القانونى والاجتماعى لهن، هو ظاهرة متواجدة وبشكل اكبر مما كان متوقعا. وبالرغم من أن القانون يعاقب بشدة من يقترف هذه الجريمة، فالاتجاه الغالب هو تضامن أفراد الأسرة مع المعتدى بدلا من الانتصار للضحية.

وتضرب أسمى خضر مثلاً بإحدى قصص جرائم الشرف المعروفة في الأردن التي تسببت في ردود فعل مجتمعية قويه. تحكى عن فتاة تعرضت للاغتصاب من قبل أخيها ليقتلها شقيقها الآخر. قتلها هي ولم يقتل أخاها. والمؤسف هو أن الأب حينما أدلى بشهادته، كان متضامنا مع الاخوين. فقد اسقط حقه الشخصي عن ابنه الذي قتل أخته. وتلمس العذر لأخيها الذي أغتصبها بالقول إنها كانت ترتدى ملابس غير محتشمة في مواجهته. والناتج أن المغتصب عوقب بالسجن سبع سنوات، والقاتل عوقب بالسجن ثلاث سنوات، والفتاة، التي لم تبلغ بعد الثامنة عشره ربيعا، فقدت حياتها.

الانعكاسات المجتمعية

السهولة التي يفلت فيها الجاني من تبعات جريمته لها انعكاسات كبيرة. فعدا الاستسهال الواضح، كما تقول المحامية أسمى خضر، لإزهاق روح المرأة والتخلص من العار بقتلها واعتبار ان الرجل حر فيما يفعل وأنه اكثر قيمة، عدا ذلك، فإن المرأة تجبر في العادة على الصمت عند تعرضها للتحرش الجنسي في مكان العمل او في الشارع أو عند تعرضها للاغتصاب. ُتفضلُ الصمت لان مجرد تبليغ الأسرة أو الجهات المسئولة عن تعرضها لمثل هذا الأمر، سيؤدى إلى استجوابها هي وتحميلها تبعات ما حدث. كأنها دفعت الرجل دفعا إلى اغتصابها. وصمتها يؤدى إلى تشجيع الرجل على معاودة التحرش ومعاودة الاعتداء على غيرها و إلى أن تعيش المرأة أحيانا مع جريمة وقعت لها دون أن تجرؤ على البوح بها لأي مخلوق.

وعلى صعيدٍ أخر، فإن أثار هذه الرؤية المجتمعية ينسحب على سلوك النساء عموما، وعلى النظرة إلى المرأة ككيان غير مستقل و كرحم للإنجاب وممارسة الجنس لا غير. تصبح المرأة أسيرة لقيودِ الخوف مادامت النتيجة هي الموت.. الخوف من التعرض للاغتصاب، الخوف من اختلاطها بالرجل، والخوف من إقامة علاقة حب طبيعية ومشروعه مع رجل. والناتج أن تكبيل المرأة بالخوف يحدد حركتها ويمنعها من أخذ دورها الحقيقي في المجتمع على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي.

الرغبة في التغيير

نتيجة لتداعيات جرائم الشرف شنت رموز المجتمع المدني حملة تهدف إلى تغيير العقلية السائدة ونشر الوعي تجاه حقائق هذه الظاهرة. وهو الأمر الذي أدى إلى إعلان الحكومة الأردنية، بعد اعتلاء الملك عبدالله الثاني العرش في فبراير عام تسعةٍ وتسعين، عن قراراها إلغاء المادة 340 من قانون العقوبات. لكن البرلمان الأردني رفض العام الماضي تمرير المشروع الحكومي بتعديل المادة. وهذا الرفض ُيبرز أن تعديل القانون لا يكفى، فألاهم هو إحداث تغيير جوهري في المفاهيم المجتمعية حتى يمكن تقبل رؤية مغايرة للمرأة ودورها...
وفى كسر جدار الصمت دور فى خلق هذا التغيير.

إلهام مانع

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك