Navigation

جنيف تتحوّل إلى مركز دولي محوري في تجارة المواد الأولية

ارتفاع الطلب الصيني على المواد الأوّلية خلط جميع الأوراق، وأطاح بجميع الحسابات في مجال التجارة العالمية Reuters

حققت التجارة في المواد الأوّلية، والتي لها حضور مهم في سويسرا، طفرة بفضل إرتفاع الأسعار في الآونة الأخيرة، وإستقرار شركات أجنبية جديدة، في جنيف خاصة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 مارس 2011 - 15:08 يوليو,
ما ثيو آلن, swissinfo.ch

فهذه المدينة السويسرية  الساحرة تحوّلت إلى مركز دولي محوري للتجارة في المواد الأولية، حيث تحتل الصدارة في تجارة القهوة، والسكر، والقطن، والقمح، وباتت تنافس لندن في مجال تجارة الذهب الأسود على سبيل المثال.

وبالإضافة إلى جنيف، يسجل التجار الناشطون في ميدان مبادلات النفط والغاز والمعادن، حضورا قويا في مناطق سويسرية أخرى متفرقة مثل تسوغ، وزيورخ، والتيتشينو، وإن كان بأقدار أقل أهمية.

النجاح والأهمية التجارية اللتان حققتهما هذه المناطق أقنعا شركة النفط العملاقة Rosneft  بالشروع في العمل من جنيف، وشركة Bashneft الروسية على فتح مكتب لها في زيورخ. وطبقا لشائعات متداولة، من المنتظر أن تستقر مجموعة النفط القوية  Trafigura في جنيف قريبا.

ويقول كونراد فالتي، المسؤول عن قسم التجارة في المواد الأولية بمصرف كريدي سويس: "عندما بدأت العمل في هذا القطاع قبل عشرين سنة، كان قطاعا مستقرا، ولا وجه لمقارنته بما يحدث اليوم. لقد تطوّرت المعاملات في هذا القطاع واتسعت بشكل لافت خلال العشر سنوات الأخيرة".

طفرة في الأرباح

أدت الطفرة التي شهدتها أسعار المواد الأوّلية في العام الماضي إلى إرتفاع الإيرادات والأرباح. وطبقا للمحللين بمعهد الإقتصاد السويسري KOF، بلغت أرقام مبيعات هذا القطاع في سويسرا 17 مليار فرنك في عام 2010، وهو ما يمثل زيادة قدرها 3% من اجمالي الناتج المحلي، مقابل 12 مليار سنة 2009، وبالكاد 1.5 مليار سنة 2000.

وتزداد أرباح هذه الشركات بشكل متواصل، فقد سجّلت Glencore العاملة في قطاعي النفط والمعادن والتي يوجد مقرها بتسوغ نموا بمعدل 40% وبما قيمته 3.55 مليار فرنك. أما مجموعة  Xstrata النشطة في قطاع المناجم فقد سجّلت حصيلة معاملاتها زيادة بمعدل 75% لتصل إلى 7.65 مليار فرنك.

وتتمتع جنيف بهذا الدور اللافت بسبب الإدارات والمرافق المهمة التي نشأت على هامش عمليات الاتجار هذه خلال العقود الماضية. فالمدينة تعجّ بمكاتب المحامين، وبخبراء المال والأعمال، وبالمستشارين، وبشركات الشحن، دون نسيان SGS، الشركة الأولى عالميا في مجال مراقبة البضائع.

ويقدّر المخطط الرئيسي لقطاع المال السويسري لسنة 2007 إيرادات هذه الخدمات بما يعادل 4.7 مليار فرنك سويسري (يوظف 10.000 شخص، ويدر 900 مليون فرنك كموارد ضريبية).

ويشير كونراد فالتي: "إذا كنت في حاجة إلى محام متخصص، أو إلى شركة للتقييم والتفتيش، أو إلى مصارف، أو إذا كنت تريد أن تشتري شحنات، فإنه من السهل العثور في جنيف على كل الموظفين القادرين على توفير هذه الخدمات".

الابتكار في المجال المالي

إن ما يساعد على نمو وتسريع عجلة التجارة في المواد الأولية، بالإضافة إلى استقرار الساحة المالية وسرية المعاملات، التسهيلات الائتمانية الضرورية لنقل الشحنات الكبيرة من هذه المواد من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها.

وتخصص بنك Paribas بجنيف منذ السبعينات في تقديم هذه التسهيلات الائتمانية التي يتحدد حجمها بحسب قيمة تلك الشحنات. هذه الخدمة المبتكرة سمحت لتجّار صغار بنقل كميات كبيرة من المواد الأولية عبر الكرة الأرضية، وظلت الطريقة المثلى في التمويل ومعتمدة على نطاق واسع حتى اليوم.

هذا الثراء في الخبرات المتنوّعة، يؤكد إيمانيال فرنيار، الأستاذ بالمدرسة العليا للإدارة بجنيف، حوّل جنيف إلى منطقة جاذبة للشركات الأجنبية، أكثر من أي وقت مضى.

ويضيف فرنيار بأن اضطراب التوازن بين العرض والطلب في قطاع المواد الأوّلية، خاصة بسبب النمو الديمغرافي والتغيّرات على مستوى العادات الغذائية، والتسارع الكبير للاقتصاديات الناشئة، قد أعاد رسم وصياغة طرق عمل المفاوضين الوسطاء.

ولقد أدت الزيادة الكبيرة في الاستهلاك الصيني من المعادن إلى ارتفاع أسعار خدمات النقل في العموم، خاصة في مجال الفحم. ولعب نمو الوقود الأحيائي البديل دورا رئيسيا في دعم تجارة القمح.

أزمة اجتماعية؟

ويقول فرانيار: "قبل عدة سنوات، كان بإمكان التجار التخصص في قطاعات بعينها، لكن حالة عدم الاستقرار التي سادت هذا القطاع أخيرا زادت من ترابط القطاعات التي تدخل ضمن تجارة المواد الأولية". وبات في هذا الوضع، بحسب فرانيار "من المفيد تكثيف الوجود أكثر فأكثر في بعض المناطق التي توفّر خدمات وخبرات عالية الجودة. وهذا ما زاد في الإقبال على اختيار جنيف كمقر رئيسي للشركات العاملة في هذا المجال".

لكن هذا الإقبال الكثيف من الشركات والخبراء المختصين قد يكلّف جنيف ثمنا باهضا. فالمدينة تعاني أصلا من تدفق الشركات الأجنبية التى أدى حضورها إلى ارتفاع مشط في أسعار العقارات.

ويحذّر إيمانيال فرانيار من أن "تحوّل جنيف إلى منطقة ساحرة شديدة الجاذبية، قد يؤدي في النهاية إلى انفجار أزمة اجتماعية". وإذا كان السياسيون في جنيف مسرورين بسبب تحصيل المزيد من الإيرادات الضريبية، فإن عليهم في المقابل أيضا وضع سياسات متناسقة لتسويق جنيف برغم مصاعبها الهيكلية".

المواد الأولية

من الصعب جدا تقييم الأثر الذي تركه هذا القطاع في سويسرا وذلك بسبب كثافة المؤسسات العاملة فيه وتوسع النشاط الذي يزخر به هذا القطاع. لكن المراقبين يقدرون أن 70% من التفاوض بشأن النفط الروسي يمر بجنيف، هذه المدينة التي تحوّلت إلى مركز لتجارة المواد الأوّلية، وتكاد 30% من المعاملات في هذا القطاع تمر من خلالها.

تحتل جنيف المرتبة الأولى في تجارة القهوة، والسكر، والقمر، والمنتجات النفطية، وتعد إلى جانب، لندن، اهم مركز دولي في تجارة القطن.

تقدّر المدرسة العليا للإدارة بجنيف أن هذه المدينة تستضيف ما يعادل 40% من التجارة العالمية في مجال المواد الأوّلوية. ويدر هذا القطاع لوحده 10% من إجمالي الموارد الضريبية على الشركات التي تعود فائدتها إلى الكانتون.   

تنشط في قطاع المواد الأوّلية حوالي 40 شركة دولية موزعة بين جنيف ولوزان، وتوظف هذه المؤسسات ما يناهز 10.000 موظف، وتقدر قيمة معاملاتها بحوالي 800 مليار دولار.

End of insertion

تقليد عريق

تتمتع مدن سويسرية من بينها فينترتور، ولوتسرن، ولوزان بتقاليد عريقة في مجال التفاوض من أجل إبرام صفقات المواد الأوّلية مثل القطن والقهوة، وذلك بفضل وجود سويسرا في وسط القارة الأوروبية.

منذ 1857، نجحت شركة Volkart Frères  بفينترتور في القيام بعمليات تجارية مثمرة في القطن، والقهوة، والتوابل المنتجة بسري لانكا والهند. اما شركة    Union Trading ببازل فكانت من الشركات الرائدة في مجال تجارة الكاوكاو.

 

بعد الحربيْن العالميتيْن، أصبح التجار الدوليون يهتمون أكثر فأكثر بسويسرا، حيث لم تتأثر المؤسسات السياسية والإقتصاد بويلات الحربيْن المذكورتيْن.

ظهرت اوّل شركة في مجال تجارة القمح في جنيف سنة 1920، ووفرت سويسرا إطارا محايدا للشركات الامريكية الباحثة عن التبادل التجاري مع الكتلة الشرقية أثناء الحرب البادرة.  

تزامنت الشعبية التي باتت تحظى بها جنيف كمقصد سياحي لدى السياح الشرق أوسطيين مع الطفرة التي تشهدها الصناعة النفطية في تلك المنطقة. وكان لابد من انتظار الستينات من القرن الماضي لكي ينضم التجار في القطن المصري إلى التجاور في المواد النفطية.

تبعت تلك الموجة المجموعات النفطية الروسية في التسعينات، واتخذت مقرا لها بمدينة تسوغ السويسرية.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.