تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

حوارات هادئة بعيدا عن الأضواء جهود سويسرية لدعم التعايش بين الإسلاميين والعلمانيين العرب



أجهزة الأمن المصرية تفرض طوقا أمنيا على محيط أكاديمية الشرطة بالقاهرة حيث تجري محاكمة محمد مرسي، أوّل رئيس مصري منتخب، ومجموعة من أنصاره يوم فاتح فبراير 2014، بعد انقلاب الجيش على الحكم المدعوم من الإسلاميين.       

أجهزة الأمن المصرية تفرض طوقا أمنيا على محيط أكاديمية الشرطة بالقاهرة حيث تجري محاكمة محمد مرسي، أوّل رئيس مصري منتخب، ومجموعة من أنصاره يوم فاتح فبراير 2014، بعد انقلاب الجيش على الحكم المدعوم من الإسلاميين.       

(Keystone)

شهدت مدينة اسطنبول التركية مؤخرا ورشة لافتة للنظر بادرت بتنظيمها "مؤسسة قرطبة بجنيف" تحت عنوان " تفاعل الدين والسياسة في الشأن العام : تعزيز التعايش السلمي والتخفيف من حدة التوتر بين التوجهات الممثلة لرؤى كونية مختلفة". وتكمن أهمية اللقاء في كونه جمع خبراء وسياسيين ونشطاء مجتمع مدني من تيارات دينية وعلمانية متعددة المشارب، قدموا من دول عربية بعضها مغاربي والبعض الآخر مشرقي، لكن ما يجمعهم هو البحث عن صيغ تمكنهم من تحقيق الحد الآن من التعايش رغم اختلافاتهم السياسية والدينية والمذهبية والأيديولوجية.

تأتي هذه الورشة في مرحلة صعبة يمر بها العالم العربي بشكل عام، وخاصة الدول التي تعرضت لهزات قوية نتيجة الحراك الاحتجاجي الذي أطاح بأربع رؤساء دول في وقت قياسي مما فتح الأمل في انطلاق ربيع ديمقراطي عربي، لكن سرعان ما اختلطت الأوراق لتجد هذه البلدان نفسها أمام تحديات خطيرة يصعب التكهن بمآلاتها. وقد ورد في خلفية الورقة التي أعدتها مؤسسة قرطبةرابط خارجي أن هذه الإضطرابات السياسية أدت إلى "رسم خارطة المشاركة السياسية في الفضاء العام وفي الميدان الفكري" وفي "دخول فاعلين ذوي مرجعية دينية في حقل العمل السياسي".

مبادرة أهلية ودعم رسمي

تكتسب هذه المبادرة مزيدا من الأهمية نظرا للدعم الذي لقيته مؤسسة قرطبة من قبل وزارة الخارجية السويسرية، حيث تعتبر سويسرا من الدول القليلة التي تعمل على تقديم الدعم السياسي لمختلف الشعوب التي تمر بأزمات داخلية من شأنها أن تهدد سلمها الأهلي. فانطلاقا من مبادئ دستورها وثوابت سياستها الخارجية تعمل سويسرا من أجل دعم السلام والتعايش في العالم بدون شروط مسبقة أو إملاءات سياسية. ومن هذا المنطلق يشجع السويسريون على تشجيع الحوار الإسلامي العلماني بدول المنطقة من أجل توصل مختلف التيارات إلى قاسم مشترك يحقق الالتقاء بينها حول فضاء مدني مشترك لا يقصي الدين، ولكنه في الآن نفسه يعمل على إدماج الفاعلين الدينيين في الحياة العامة وفي النظام السياسي الديمقراطي.

اعتمدت الورقة التي أعدتها "مؤسسة قرطبة" لتبرير اختيارها لموضوع الورشة على مقارنة بين نتائج استطلاعين للرأي العام العربي أنجزهما "المؤشر العربي" حول مواقف الجمهور من فصل الدين عن السياسة. ففي خلال سنة 2011، وافق 43 بالمائة على فصل الدين عن السياسة مقابل اعتراض 43 بالمائة. لكن في سنة 2015 أظهر الاستطلاع موافقة 52 بالمائة في حين اعترض على ذلك 43 بالمائة. فكانت الخلاصة كما ورد بورقة المؤسسة أن "المواقف المعتدلة إزاء هذه المسألة تطورت خلال السنوات الأربع الأخيرة"، لكن العلمانيين والإسلاميين تبادلا الإتهامات لتفسير هذا التغير الذي طرأ على مواقف الرأي العام.

وبناء على ذلك اعتبرت "قرطبة" أن الهدف من المشروع الذي تتولى تنفيذه حاليا هو السعي إلى "المساهمة في بناء مجتمعات سلمية وتشاركية وغير إقصائية بشمال إفريقيا للتخفيف من حدة التوترات بين العلمانيين والإسلاميين في المنطقة، وتقليص العوامل التي تؤدي إلى الإقصاء السياسي للفاعلين من ذوي المرجعية الدينية".

وبالإستناد إلى نتائج ورشة نظمتها المؤسسة خلال سنة 2013 عن "تعزيز المشاركة السياسية للأحزاب ذات المرجعية الدينية"، التي أجمع المشاركون فيها على أن "الإستقطاب الحاد قد يؤدي إلى الفوضى السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تؤدي إلى بدورها إلى الدكتاتورية"، يعتقد المشرفون على مؤسسة قرطبة بأن "فشل القيادات السياسية في القطبين الديني والعلماني أدى إلى حرب أهلية في ليبيا واليمن، وانقلاب عسكري في مصر وانتقال متوتر للغاية في تونس".

فشل القيادات السياسية في القطبين الديني والعلماني أدى إلى حرب أهلية في ليبيا واليمن وانقلاب عسكري في مصر وانتقال متوتر للغاية في تونس

نهاية الإقتباس

من أجل فضاء مدني للتعايش

ما دار في مدينة اسطنبول عكس إلى حد ما حجم الاختلاف الذي لا يزال قائما بين طرفي المعادلة الدينية والعلمانية. فالذين شاركوا في الحوار من منطلق ديني أبدوا رفضهم لكل محاولات الفصل بين الدين والسياسة انطلاقا من اعتقادهم بأن ذلك من شأنه أن يبعد الإسلام عن الحياة، في حين أكد العلمانيون على المخاطر المحدقة بالحريات وبمصالح الشعوب من جراء تسييس الدين واحتمال هيمنته على مفاصل الدولة. 

في المقابل، أعطت المناقشات التي كانت حرة وصريحة بعض الثقة والأمل في إمكانية تحقيق قدر من المصالحة بين الديمقراطية والدين، وذلك من خلال التأكيد على أن الديمقراطية ليست دينا بديلا، وإنما هي إطار سياسي ينظم عملية التداول السلمي على السلطة ويوفر فضاء مدنيا يمكن أن يتعايش داخله الجميع. ولكي يتحقق ذلك على جميع الأطراف القيام ببعض التنازلات التي من شأنها أن تساعد على تأسيس فضاء مشترك.

في سياق الورشة، حظيت التجربة التونسية بالاهتمام والنقاش رغم الثغرات العديدة التي لا تزال تشكو منها. إذ أنه على الرغم من حدة الصراعات التي دارت ولا تزال بين الإسلاميين وجزء واسع من النخب العلمانية، إلا أن الحالة السياسية العامة حافظت على تماسكها بفضل اعتماد الحوار أسلوبا أساسيا في فض الخلافات. ومما أعطى لأسلوب الحوار جدوى وسلطة هو ربطه بشكل إيجابي بقيمتين أساسيتين، أولهما تجنب اللجوء إلى العنف مهما تباعدت الآراء، وثانيا الإستناد على قيمة التوافق بعيدا عن منطق الغلبة العددية والتهديد بإشاعة الفوضى.

العلمانية .. مفهوم إشكالي

في سياق متصل، تم عرض التجربة التركية التي ما كان لها أن تصمد وتعطي بعض النتائج الإيجابية لولا احترام قواعد النظام الديمقراطي وإنجاز عديد الإصلاحات المؤسساتية. وضمن محور تقديم تجارب ناجحة ولو نسبيا في مجال التعايش السلمي بين القوى السياسية والمدنية، تم أيضا التوقف عند ملامح التجربة المغربية التي شارك في الحديث عنها ممثلون عن حزب العدالة والتنمية وجماعة "العدل والإحسان"، إلى جانب شخصيات علمانية من بينهم حقوقي أمازيغي دافع عن الهوية الأمازيغية في مجتمع تعددي. وتعتبر هذه المسألة من التحديات التي تواجه شعوب المنطقة بشمال إفريقيا وبالأخص الجزائر.

ويبقى التحدي الكبير الذي دار حوله نقاش طويل منذ سنوات طويلة، ويتعلق بتحديد مفهوم العلمانية ومدى اعتبارها الصيغة الأفضل لحماية التعايش. ورغم الجدل المستمر حول مضمون هذا المصطلح إلا أن المشاركين في ورشة اسطنبول اتفقوا على مسألتين هامتين. الأولى أن العلمانية لا تعني العداء للأديان ولا تقديم نفسها كبديل عن الدين. بل هي على العكس من ذلك منظومة تجعل من بين أهدافها وآلياتها حماية معتقدات الجميع وضمان حرية التدين. أما المسألة الثانية فتتمثل في أن اللائكية الفرنسية ليست الصورة الجامعة لمفهوم العلمانية، وأن هناك علمانيات متعددة ومختلفة عن بعضها البعض.

ختاما، تندرج ورشة اسطنبول التي نظمتها مؤسسة قرطبة ضمن الجهود السويسرية الجدية لتعزيز الجهود في سبيل ترسيخ الديمقراطية والتعايش بين الجميع، إلى جانب تقديم الدعم لإنقاذ الملامح الضعيفة لما تم تسميته بـ "الربيع العربي" من انتكاسة شاملة قد تُلقي بظلالها القاسية والكالحة على هذه المنطقة من العالم.     

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×