حرب إسرائيل المستحيلة...

فجّر ارييل شارون الانتفاضة الفلسطينية الثانية بدخوله باحة الحرم القدسي الشريف يوم 28 سبتمبر 2000 Keystone

لا يدري أحد إلى اليوم ما إذا كان أرييل شارون يعلم عندما دخل باحة المسجد الأقصى يوم 28 سبتمبر 2000، أنه سيفجّـر بدخوله الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 سبتمبر 2002 - 08:55 يوليو,

على مدى عامين من المواجهات، خسر الفلسطينيون الكثير، لكنهم رغم الضغوطات الدولية لا زالوا متمسكين بعدالة قضيتهم الوطنية. في حين، يدفع الإسرائيليون ثمن سياسة حكومة شارون.

تدخل الانتفاضة الفلسطينية عامها الثالث، وميزان الربح والخسارة الفلسطيني لا ينفك يتأرجح رهنا بعوامل محلية وإقليمية ودولية، ظلت على مدار العقود الأربعة الماضية، تحمل القضية الفلسطينية من شاطئ إلى آخر.

ولا يكفي جرد حساب سريع للإنجازات والاخفاقات لتحديد النتيجة التي آلت إليها الأمور بعد عامين كاملين من المواجهات الدامية التي أسفرت عن مقتل نحو 2500 شخص غالبيتهم فلسطينيون، ودفع الاقتصاد الفلسطيني إلى حافة الانهيار مجددا، إضافة إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية الهشة التي أرستها سنوات الحكم الذاتي المحدودة والمتوترة.

وإذا صح استخدام مصطلح "معجزة"، الذي ردده مفوض عام "الانروا" بيتر هانسن لوصف قدرة الفلسطينيين على البقاء اقتصاديا في العامين الأخيرين منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، فإن ذات التوصيف جائز أيضا في الحالة السياسية والوطنية عموما.

ولعل مشهد الخراب في أطلال مباني المقاطعة، حيث الرئيس والزعيم الفلسطيني المحاصر، يحمل برهانا على صحة التناقض الذي تشكله حالة الانتفاضة لنحو ثلاثة ملايين إنسان يرزحون تحت احتلال يقوى ويضعف حسب الفعل ورد الفعل.

وليس أدل على ذلك من إصرار عرفات على مواصلة مهامه كقائد وزعيم. فهو يفلح في إرسال برقيات التهاني بالأعياد الوطنية لرؤساء وقادة في أقصى بقاع العالم، بينما ينفض مساعدوه الغبار المتساقط من ثغرة جاءت إلى الوجود بفعل تصدع أحدثته جرافات الجيش الإسرائيلي، وهي تحاول نبش ما تبقى من منشآت مجاورة لمكتب الرئيس.

معركة وجود

ثمة تفسير لما يجري. فالأمور ليست كما تبدو تماما، والهجوم الأخير لرئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون على مقر عرفات ليس وليد صدفة، ولا هو، استنادا إلى مصادر إسرائيلية، نتيجة مباشرة لوقوع العمليتين الانتحاريتين في تل أبيب وأم الفحم قبل أسبوعين.

أحدهم، وهو كاتب إسرائيلي مرموق، كتب متسائلا ومحتارا أمام تصميم شارون على مواصلة دك قلاع عرفات إثر كل عملية انتحارية تنفذها حركتا حماس أو الجهاد الإسلامي. تساؤل الكاتب الإسرائيلي كان: لماذا لا يوجه شارون حرابه مباشرة نحو قادة هذه الحركات؟

وربما كان في إثارة السؤال على هذه الطريقة، مبادرة لدك الإسفين في صفوف النخبة السياسية الفلسطينية. لكن الإشارة تحمل قرائن يمكن تلمسها في حقيقة دخول الانتفاضة عامها الثالث دون وجود أي مؤشر حقيقي على تراجعها.

إن المعركة الأخيرة في ساحة المقاطعة، حيث أصر عرفات طوعا وقصرا على عدم مبارحتها منذ شهر ديسمبر الماضي، تؤرخ في ما تؤرخ من شؤون أخرى، لواقعة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني لتحديد سيد المواجهة المتواصلة والمستمرة.


وربما أيضا، كان الأمر محض صدفة، لكن فيه ما يكفي من البراهين والمعلومات. فمعركة مقر عرفات جاءت عشية الذكرى الثانية للانتفاضة، وتزامنت أيضا مع الخطوات الأخيرة في المجلس التشريعي، حيث استقالت مرغمة أول حكومة لعرفات في عهد الحكم الذاتي.

وفي التزامن أيضا، أن هاتين الخطوتين، جاءتا تتويجا للحملة العسكرية غير المسبوقة في تاريخ الحملة الإسرائيلية التي أطلقها شارون منذ أواخر شهر مارس الماضي، عندما رد عرفات بجملته الشهيرة: يريدوني طريدا ... ولكني لن أكون إلا شهيدا، شهيدا.

قوانين المواجهة

لم تكن قوانين المعركة على سيادة المواجهة قد شكلت لدى اندلاع الانتفاضة، لكنها تغوص في صلب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتتعلق أساسا بحق الوجود ومعركة وجود كل طرف. وكان جليا للبعض، أن اتفاقات أوسلو حول الحكم الذاتي لم تفلح في تجاوز هذه المسألة أو وضع حد لها.

وفي الوقت الذي كان فيه المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون يتصارعون حول أبجديات البنود وكيفية تطبيق الاتفاق الهش، كان الاحتلال الإسرائيلي قد انصرف إلى مسألة أخرى تركز على تطويع الإدارة الفلسطينية الجديدة.

لكن المواجهة بين النقيضين سرعان ما اشتدت، وكان إرغام عرفات وقيادته على الجلوس إلى مائدة كامب ديفيد 2، خير دليل على انتصار قوانين صراع البقاء على شعارات أماني التعايش المشترك تحت مظلة مشاريع مبتكرة على الطريقة الأمريكية.

ولم يكد نعي مفاوضات كامب ديفيد يخرج إلى العلن، حتى كانت أدوات صراع البقاء قد وجدت طريقها إلى اختراع بطل الرفض.
ولم يكن بطل الرفض هذا، سوى عرفات نفسه. في المنظور الفلسطيني، هو رافض الاستسلام والقابض على جمرة الوطنية والقومية والدين، ومن وجهة نظر إسرائيل والغرب، فهو رافض الفرص ومضيعها ومخيب آمال الفلسطينيين.

من يرمش أولا

وإذا كانت الانتفاضة قد اندلعت على وقع هذه الضربات المعنوية، فإنها لم تلبث وأن تحولت بسرعة النار في الهشيم إلى ضربات مؤلمة ودموية على يد طرفي المواجهة في كل من إسرائيل والأراضي المحتلة.

ومنذ الساعات الأولى لاندلاع الانتفاضة، كان هناك من هو حول عرفات وفي مقره، ومن هو قريب وبعيد في عاصمة عربية أو غربية، يقترح عليه وقفها. وكانت هناك في المقابل، قلة في صفوف أركان القيادة الفلسطينية، كانت وحدها تفهم إشارات عرفات غير "المنطوقة"، فتتواصل الانتفاضة.

ولم يكن قد مضى وقت قصير على اندلاع الانتفاضة، حتى راحت مؤسسات وقادة رأي وزعماء في الغرب وفي بلاد العرب، تمارس ضغوطها على الزعيم الفلسطيني لوقف الانتفاضة دون شروط، وكان عرفات لا يزال يطلق الإشارات وتستمر الانتفاضة.

وظلت هذه الأطراف، التي تمكنت من تجيش تأييد غير مسبوق بعد هجمات 11 سبتمبر، ونجحت أو كادت في إقصاء عرفات، حتى ساعات يوم الخميس 12 سبتمبر 2002، قبل دقائق من هجوم شارون على المقاطعة، وقبل أسبوعين على الذكرى الثانية للانتفاضة، تعتقد أن عرفات سيغير الإيماءة إلى إشارة الاستسلام.

هشام عبد الله - رام الله

معطيات أساسية

الانتفاضة: الحصيلة
بلغ عدد الضحايا الفلسطينيين من 29 سبتمبر 2000 إلى 16 سبتمبر 2002، 1395 من بينهم 255 تقل أعمارهم عن 18 عاما
يفوق عدد الجرحى الفلسطينيين 40.000
ما لا يقل عن 79 فلسطينيا اغتالتهم القوات الإسرائيلية
155 مدنيا إسرائيليا قتلوا من جراء العمليات الانتحارية الفلسطينية

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة