تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

حرب العراق تخرج عن السيناريو

جنود من مشاة البحرية الأمريكية قرب مدينة الناصرية جنوب العراق (الصورة التقطت يوم 26 مارس 2003)

(Keystone)

أرغمت المفاجآت العراقية القيادة العسكرية والسياسية الأمريكية على إعادة النظر في الخطط التي رسمتها للحرب في العراق.

ومع توالي بث وسائل الإعلام الأمريكية لصور الجرحى والقتلى العائدين من العراق، يتراجع التأييد الشعبي للحرب في الولايات المتحدة.

استند السيناريو الذي وضعه المخططون العسكريون الأمريكيون لعملية "حرية العراق" إلى كثير من الافتراضات التي توحي بأن استراتيجية "الصدمة والترويع"، والتخلص المبكر من القيادة العراقية من خلال عمليات القصف الصاروخي، ستكون كفيلة بتفكيك أوصال النظام العراقي واستسلام جيشه وانتفاضة الشعب العراقي الذي سيستقبل قوات تحالف الراغبين أو "القابضين" بالورود والترحيب، لكن مفاجآت الحرب انطوت حتى الآن على تساقط تلك الافتراضات الواحدة تلو الأخرى.

وفي محاولة لتحليل التطورات العسكرية المتلاحقة في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد العراق، التقت سويس انفو في واشنطن خبيرا عسكريا أمريكيا، يستطيع من واقع خبراته في حرب الكويت أن يسلط الضوء على سيناريو الحرب الحالية الحافل بالمفاجآت، هو الفريق دانيال زانيني قائد فرقة المدرعات الأمريكية السابق في عملية "عاصفة الصحراء" عام 1991.

فعلى سؤال عما يراه البعض انتكاسات للحملة العسكرية الأمريكية في العراق، قال "إنه رغم التعديلات التي اضطر المخططون العسكريون إلى إدخالها على الخطة العسكرية الأصلية بسبب المقاومة غير المتوقعة والمشاكل الإنسانية في البصرة، وبعض الخسائر المبكرة في قوات ومعدات التحالف وسوء الأحوال الجوية، فإن الخطة حققت في أسبوعها الأول تقدما لأكثر من مائة ألف جندي انطلاقا من الأراضي الكويتية إلى جنوب العراق، فيما تحركت قوات مشاة البحرية الأمريكية إلى شرق نهر الفرات في طريقها إلى بغداد، ومن خلفها تقدمت القوات البريطانية لتأمين خطوطها الخلفية وتأمين المنطقة الجنوبية خاصة مدينة البصرة. وفي مرحلة لاحقة تم دفع قوات أمريكية أخرى من غرب العراق وشماله صوب العاصمة العراقية.

معركة بغداد "محسومة النتائج"!!

وأوضح الجنرال زانيني أن الوضع العسكري الراهن بعد حملة القصف الجوي والصاروخي التي أصابت ودمرت قيادة السيطرة والتحكم في القوات العراقية وكل المرافق التي تعزز قدرة المجهود الحربي العراقي على إطالة أمد الصراع، وفر انتشارا للدبابات وقوات المدرعات في الجنوب العراقي، وفيما تستطيع طائرات الهليكوبتر الهجومية التحليق في أي منطقة في محيط بغداد.

من جهة أخرى، اتخذت قوات مشاة البحرية الأمريكية مواقع لها في عدد مختلف من المناطق في شمال وغرب وجنوب العراق، يمكنها الانطلاق منها لتضييق الخناق على بغداد. كما سينضم إلى تلك القوات خلال الأيام القادمة،عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين الموجودين على متن قطع بحرية أمريكية، مما يمهد الطريق أمام شن معركة بغداد خلال أيام.

وعندما أصر الجنرال الأمريكي المتقاعد على أن "معركة بغداد محسومة النتيجة مهما تأخر موعدها"، سألناه عن تصوره لسيناريو تلك المعركة فقال: "إن قوات التحالف ترغب في أن يتم إسقاط النظام العراقي بتضييق الخناق على بغداد دون الحاجة إلى اقتحامها، باعتبار أن دخول بغداد سينطوي على خسائر فادحة في صفوف المدنيين والعسكريين العراقيين، بل وفي صفوف قوات التحالف، كما سيؤدي ما سيلحق بالمدينة من دمار إلى خلق صعوبات جمة لسكان بغداد بعد الحرب"، مضيفا أنه "إذا اقتضى الأمر دخول بغداد لإسقاط النظام كهدف معلن للصراع، فإن قوات التحالف ستدخلها مهما كان الثمن".

وقال الجنرال زانيني، إنه حتى إذا أمكن إسقاط النظام بدون اللجوء إلى اقتحام عسكري، فإنه سيتعين على قوات التحالف أن تدخل إليها في نهاية المطاف.

ثغرات في السيناريو!

أما المحلل العسكري العربي الأمريكي الدكتور منذر سليمان، فقد عبر عن وجهات نظر مخالفة تماما، حيث يرى أن الحرب في العراق خرجت تماما على السيناريو الموضوع لها في البنتاغون، لأن ذلك السيناريو أخفق في توقع المفاجأة الاستراتيجية الكبرى، وهي موقف الشعب العراقي من القوات الغازية منذ أول مواجهة أم قصر، ثم في البصرة. فلا ورود ولا انتفاضة ضد النظام، بل مقاومة شرسة أوقعت أولى الخسائر بقوات الغزو.

كما تبددت افتراضات أخرى استند إليها السيناريو الأصلي، مثل الانهيار المبكر للنظام العراقي بمجرد القصف الجوي والصاروخي في الضربة الأولى لبغداد، واستسلام الجيش العراقي وقوات الحرس الجمهوري، وتحقيق نصر سريع روجت له واشنطن في حربها الإعلامية والنفسية على مدى الشهور الماضية.

ويري المحلل العسكري منذر سليمان عددا من الثغرات في السيناريو الأصلي تعمل القيادة السياسية والعسكرية الأمريكية على معالجتها حاليا وهي:

أولا، تأخر وصول عدد كاف من القوات الأمريكية في شمال العراق لفتح جبهة شمالية للتقدم نحو بغداد من الشمال، بسبب رفض تركيا لنشر قوات أمريكية انطلاقا من أراضيها.

ثانيا، عدم وجود قوات كافية في الميدان لحماية خطوط الإمداد الطويلة من الكويت حتى تخوم بغداد، خاصة وأن كل دبابة أمريكية تستهلك ثلاثة جالونات من البنزين في كل ميل، وبذلك تحتاج إلى أكثر من ثمانمائة جالون لتصل إلى بغداد.

ثالثا، تقلص قدرات طائرات الهليكوبتر الهجومية فيما يتعلق بتقديم الإسناد القريب للقوات الأمريكية بتعرضها لنيران أسلحة المواطنين العراقيين وفدائيي صدام والقوات العراقية المنتشرة في الجنوب.

رابعا، فشل استراتيجية الانطلاق السريع نحو بغداد دون الحاجة إلى تأمين المدن الجنوبية بسبب حرب العصابات التي تعرضت لها التحركات العسكرية المتجهة نحو الشمال، وعدم وجود قوات متحركة للتعامل معها.

خامسا، خسارة الحرب النفسية بعدم استجابة الشعب العراقي لأكثر من 28 مليون منشور ألقتها الطائرات الأمريكية على العراق تدعو السكان إلى عدم المقاومة والانضمام لعملية تحرير العراق، وكذلك عدم القدرة على إسكات الصوت الإعلامي العراقي ومنافسة القنوات الفضائية العربية، خاصة قناة الجزيرة القطرية لمحاولات احتكار وسائل الإعلام الأمريكية والغربية لعملية تشكيل الرأي العام العالمي والأمريكي إزاء الحرب في العراق بنقل مشاهد خسائر قوات التحالف وأسراهم، التي أحجمت شبكات الأخبار الأمريكية عن بثها.

مزيد من الإعتمادات!

ويعتقد المحلل العسكري د. منذر سليمان أن الحرب في العراق تتجه نحو المجهول، والتحول من الحرب الخاطفة إلى حرب قد تطول. وقد تتحول عمليات القصف من الصواريخ والقذائف الدقيقة التصويب إلى ما يعرف بالقصف السجادي للمنشآت الحيوية في المدن الرئيسية، خاصة بغداد، كما ستستهدف وحدات الحرس الجمهوري التي تشكل خط الدفاع الأساسي في محيط دائري حول بغداد يتجاوز 100 كيلومتر.

ومن المتوقع أن قوات التحالف الأمريكي البريطاني لن تبدأ بالهجوم على بغداد، إلا بعد أن تتأكد من إنهاك وإضعاف قدرة القوات النظامية العراقية على الدفاع.

ويشير السيد سليمان إلى أن ما يلفت النظر في الهدف المعلن للحرب، أنه كان إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية، وتحرير الشعب العراقي. ولكن بمجرد دخول القوات الغازية للأراضي العراقية، توجهت إلي حقول البترول في الجنوب بدلا من "مخابئ" أسلحة الدمار الشامل التي يؤكدون وجودها. وفوجئ العالم بتجنب القوات الأمريكية للشعب الذي جاءت لتحريره بالتوغل بعيدا عن المناطق المأهولة في طريقها إلى بغداد، "الجائزة الكبرى".

وأمام خروج الحرب في العراق عن السيناريو الأصلي، تشهد الولايات المتحدة ردود فعل مختلفة في كافة المجالات. فعلى الصعيد السياسي، تغيرت نغمة النصر السريع، وأصبح الرئيس بوش يستغل كل مناسبة للتأكيد على أن الحرب قد تطول وقد تنطوي على تضحيات، ولكن نتيجتها معلومة، وهى النصر ونزع أسلحة الدمار الشامل العراقية وتحرير الشعب العراقي. وفي هذا السياق، طالب الرئيس بوش الكونغرس بضرورة الموافقة على تخصيص اعتمادات لتمويل الحرب بقيمة 75 مليار دولار بحلول 11 أبريل.

تململ داخل الراي العام

وعلى الصعيد العسكري، بدأ المخططون العسكريون يعيدون الحسابات بسرعة على أساس أن الحرب قد تمتد لعدة أسابيع، وسيتم مضاعفة حجم القوات الأمريكية بحيث يصل عددها في الأراضي العراقية إلى 225 ألف جندي بحلول نهاية شهر أبريل القادم.

وعلى الصعيد الإعلامي، تتعرض قناة الجزيرة الفضائية لمضايقات وانتقادات واسعة النطاق لدورها في تقديم صورة مختلفة لسير الحرب في العراق عما أرادته آلة الحرب النفسية الأمريكية، ووصل التحرش بها إلى حد تعرضها لهجوم الكتروني أدى إلى حجب مؤقت لموقعها الجديد باللغة الإنجليزية على شبكة الإنترنت، بل وموقعها باللغة العربية أيضا! يُضاف إلأى ذلك قرار مفاجئ بطرد مراسلها في سوق المال الأمريكي بحجة عدم توافر مكان له!

وبعد أن شهدت سوق الأسهم الأمريكية انتعاشا ملحوظا في أيام الحرب الأولى استنادا إلى تأمين حقول البترول الجنوبية وأن الحرب ستكون قصيرة، بدأت أسعار الأسهم في الهبوط مع تصريحات المسؤولين الأمريكيين بأن الحرب قد تطول.

ومع تصاعد المقاومة العراقية والخسائر المبكرة في الجند والعتاد الحربي الأمريكي وصور الضحايا من المدنيين العراقيين، عاد النشاط المناهض للحرب من جديد بكثافة إلى المدن الأمريكية، وكان أبرزها تعطيل جماعات المناهضين للحرب لحركة السير في قلب مدينة نيويورك بالنوم في التقاطعات الرئيسية للإشارة الرمزية إلى من يسقطون يوميا كقتلى في الحرب على العراق.

كما عكست أحدث استطلاعات الرأي العام الأمريكي تراجعا في نسبة المؤيدين للحرب باعتبار أنها ستنتهي بسرعة من 62% إلي 43% في أعقاب الخسائر المبكرة في القوات الأمريكية، وتمكّـن العراقيين من أسر جنود وطيارين أمريكيين.

محمد ماضي- واشنطن


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×