حزمة من التدابير المختلفة من بلد لآخر لاحتواء فيروس كورونا المُستجد

واجهة فندق في العاصمة تايبيه بتاريخ 17 أبريل 2020، حيث لم تُسجل تايوان أي حالة إصابة جديدة بمرض كوفيد-19 للمرة الثالثة في ذلك الأسبوع. Keystone / David Chang

منذ ظهورها في الصين في بداية العام الجاري، انتشرت جائحة كوفيد-19 في جميع أنحاء المعمورة لتطال 185 دولة ومنطقة متضررة لغاية 21 أبريل. لمحة عامة عن التدابير المتخذة لاحتواء سراس-كوف-2، في حين لم يكشف فيروس كورونا المستجد وطريقة انتشاره عن جميع أسراره والجائحة لم تنته بعد.

فريديريك بورنان فريديريك بورنانوماري فويومييه ماري فويومييه

«نريد التنويه من جديد إلى أنَّ تخفيف القيود المفروضة لا يعني نهاية الوباء في أي بلد». هذا هو التحذير الذي أراد تيدروس أدهانوم غيبريسو، رئيس منظمة الصحة العالمية، إطلاقه يوم 22 أبريل الماضي، بينما تحاول عدة دول في آسيا وأوروبا والقارة الأمريكية أن تستأنف نشاطها الاقتصادي الذي توقف بشكل كبير بسبب تدابير الحجر الصحي الصارمة إلى حدٍ ما.

وبالتالي، فإنَّ وضع قائمة بأسماء الدول التي نجحت في احتواء انتشار الفيروس سيكون في غاية الخطورة، حيث لا يُستَبعَد أن تشهد الدول المتأثرة بالفيروس تزايداً جديداً للعدوى، كما يوحي الوضع في اليابان، بالإضافة إلى أنَّ دولاً أخرى لم تتعرض لإصابات جماعية بهذا المرض المعدي، على غرار القارة الأفريقية.


بعد أربعة أشهر من الإعلان عن ظهور كوفيد-19 في مدينة ووهان الصينية الضخمة، أثار هذا الفيروس الجديد ردود أفعال متنوعة مع نتائج أولية متناقضة. ويشير أنطوان فلاهولت، مدير معهد الصحة العالمية بجامعة جنيف، إلى أنَّ الفيروس قد أصاب بشكل خاص المناطق المعتدلة الغنية في النصف الشمالي من الكرة الأرضية حيث قال: «تجد الدول المتضررة بشدة من تسونامي الجائحة صعوبة في مواجهته، حتى تلك التي لديها اقتصاد قوي وبنية تحتية عالية الجودة، مثل إيطاليا واسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة. فهم يجدون صعوبة في مواجهة الوباء، ولكنهم صمدوا حتى هذه اللحظة».

وأضاف أنطوان فلاهولت أنه في المقابل، الدول التي قاومت بشكل أفضل حتى الآن هي «دول جنوب آسيا المجاورة للصين، والتي كانت أول البلدان المُهدّدة بالعدوى، بالإضافة إلى ألمانيا وبدرجة أقل سويسرا، اللتين نجحتا، من بين الدول الغربية، بالتهيؤ والاستجابة لاستقبال الحالات الكثيرة في أسِرَّة العناية المركزة والحد من عدد الوفيات حتى اليوم».

ولنذكر أيضاً في شرق آسيا، بعض الدول مثل كوريا الجنوبية وتايوان (التي تعتبرها بكين مقاطعة صينية) وكذلك الصين، التي نجحت في احتواء الجائحة على الرغم من تأخرها في دق ناقوس الخطر وتقديمها بيانات مشكوك فيها أحياناً على الصعيد الدولي. في أوروبا، يبدو أنَّ البرتغال نجت نسبياً حتى الآن، شأنها شأن اليونان.

في ميلانو، واجهة مأوى المُسنين "دون نيوكّي" الخاضع للتحقيق بسبب العدد الكبير من الضحايا من بين المرضى. كل بلد يتعلم من تجارب عاشها الآخرون، سواء كانت مأساوية أم لا، كما هو حال اليونان التي تعلمت من تجربة إيطاليا. Lapresse

التحرك بسرعة

في هذه المرحلة، يبدو إذن أنَّ ازدهار وتطور بلد ما ليسا بالضرورة ضماناً لنجاحه في مواجهة الوباء. بل المهم هو طريقة إدارته من قبل السلطات المعنية. فمجموعة التدابير المُتخذة والسرعة في تنفيذها هي عوامل حاسمة. ولدى ملاحظتها للفوضى العارمة التي تسبب بها مرض كوفيد-19 في شمال إيطاليا، أسرعت اليونان باتخاذ تدابيرها الأولى لأنها تُدرك تماماً نقاط ضعف نظامها الصحي.

بالنسبة للدول المتضررة منذ بداية الجائحة، فإنَّ سرعة ردة فعلها هي العنصر الأول الذي يساعدها على تجنب اكتظاظ مشافيها بالمُصابين والحد من عدد الوفيات بين مرضى كوفيد-19.

إنَّ جزيرة تايوان هي أول دولة تفاعلت مع الوباء. حيث تمَّ تفعيل خطة حكومية في الأول من يناير لفرض رقابة صارمة على الأشخاص الذين دخلوا إلى أراضيها قادمين من ووهان، التي تعتبر أول بؤرة لتفشي الوباء.

وهذا ما أكده جيل بومرول، المتخصص في الأمن الصحي في مركز جنيف للسياسة الأمنية (GCSP)، حينما قال: «من خلال فرض تايبيه رقابة صارمة على كل من يصل إلى أراضيها ـ وهو أمر سهل بالنسبة لجزيرة ـ استطاعت أن تُقدّم لنفسها الوسائل اللازمة لتجنب دخول الفيروس».

فالاكتشاف المبكر لفيروس جديد وردة الفعل السريعة تجاه بؤرة ظهوره يساهمان في احتواء تفشيه، وهو ما أوصت به اللوائح الصحية العالمية التي اعتمدتها منظمة الصحة العالمية في عام 2005. وتعليقاً على ذلك، يقول جيل بومرول: «لو كانت الصين قد اتبعت هذه التدابير بعد أسبوع واحد من ظهور فيروس كورونا المُستجد في ووهان، لما استطاع الفيروس أن يغادر المنطقة التي ظهر فيها على الأرجح».

كانت المدينة العملاقة ووهان، بؤرة وباء كوفيد-19، المركز التجاري للصين على مدى عدة قرون. كما كان معروفاً في الماضي، تساعد المدن المكتظة بالسكان على تفشي الأمراض المُعدية. Copyright 2020 The Associated Press. All Rights Reserved.

أهمية التشخيص

لقد التزمت حكومة تايوان بالشفافية فيما يخص الوضع الداخلي، فقامت بحملات وقائية، وأجرت فحوصات على نطاق واسع وعزلت الحالات المشتبه فيها، وفرضت غرامات عالية على المخالفين. وطُبقت هذه الحزمة من الإجراءات أيضاً من قبل بعض الدول الأخرى مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وفيتنام. ناهيك عن ارتداء الكمّامات، الذي يُعتبر تقليداً شائعاً في تلك المجتمعات بسبب الأوبئة التي ظهرت في الآونة الأخيرة وارتفاع مستويات التلوث في المدن.

ويلحظ أنطوان فلاهولت أنَّ «الدول التي صمدت أمام موجة الجائحة هي تلك التي استطاعت، بشكل أو بآخر، الجمع بين إجراءات الحجر الصحي المُقترحة من الصينيين والناجمة عن تجربة الانفلونزا الاسبانية عام 1918 وبين تدابير أكثر حداثة».

ثم تطرَّق أستاذ الصحة العامة إلى الذكاء الاصطناعي، وتقنيات المعلومات والتكنولوجيا الحيوية التي تُمكّن من إجراء فحوصات جماعية، كما ذكر أيضاً التعقب واسع النطاق للسكان الذين كانوا على احتكاك مع أشخاص تبين أنهم أُصيبوا بالفيروس، والعزل المناسب بين الأشخاص المُصابين بالفيروس والأصحّاء. وأشار أنطوان فلاهولت إلى أنَّه «في كل مرة تمَّ تطبيق هذه الخطوات مجتمعة، كانت فيها الفعالية ضد الجائحة أكبر من تلك التي اكتفت بالحجر الصحي لوحده، حتى وإن كان صارماً كالذي طُبّق في الصين أو في أوروبا». هذا مع كل ما ينجم عن تقنيات الرقابة تلك من مخاطر وقيود مؤكدة على المواطنين وحرياتهم.

باتخاذها هذه التدابير بسرعة، لم تضطر هذه الدول الآسيوية حتى الآن لفرض المزيد من إجراءات الحجر، وبالتالي لم يتوقف النشاط الاقتصادي فيها بشكل كلي. بالطبع، بقي علينا أن نعرف إلى أي مدى ستتأثر هذه البلدان بالركود الاقتصادي العالمي الآخذ بالاستشراء. علاوة على ذلك، ورغم الإجراءات المتخذة، لوحظ في سنغافورة عودة ظهور حالات العدوى، بشكل رئيسي بين أوساط العمال الوافدين الذين يبلغ عددهم 300000 والقادمين في معظمهم من بنغلادش والصين والهند. ولذا، قررت المدينة ـ الدولة في الأسبوع الماضي وضع جميع الأماكن السكنية، التي تؤوي هؤلاء العمال الأجانب ذوي الأجور المنخفضة، في الحجر الصحي.

في منتصف شهر مارس 2020، أعلنت حكومة منطقة لاغوس في نيجيريا إغلاق جميع المتاجر، باستثناء أسواق المواد الغذائية والأدوية. Keystone / Akintunde Akinleye

مصير أفريقيا المجهول

أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، القارة الواعدة على الرغم من العديد من نقاط ضعفها، لم تتضرر بشدة من جائحة كوفيد-19.  وكان الدكتور شيبوزو أوكونتا، رئيس جمعية أطباء بلا حدود في أفريقيا الغربية والوسطى، قد ذكر بأنَّ: «عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا المُستجد في غرب أفريقيا أقل منه في شمال أفريقيا. لأنَّ حركة السفر الدولية فيها أقل من القارات الأخرى. وحتى يومنا هذا، معظم المصابين بالمرض هم من الأغنياء الذين تسمح لهم إمكانياتهم بالسفر خارج البلاد».

ومع ذلك، بدأ عدد الحالات بالارتفاع في بعض المدن الكبيرة. ويعتقد شيبوزو أوكونتا أنَّ السبب وراء إبطاء سرعة انتشار الفيروس لا يعود إلى الطقس الحار والرطب الذي يميز قسم كبير من القارة، وإنما يعود على الأرجح إلى صغر سن السكان. لأنَّه حتى هذه اللحظة، يؤثر سراس-كوف-2 بشكل خطير وعلى الأخص على المرضى المُسنين. ويبلغ متوسط العمر فيها 19,7 عاماً، بينما يصل إلى 42,2 عاماً في أوروبا وكوريا الجنوبية، وإلى 37,1 في الصين، وإلى 34,3 في سنغافورة.

السبب الآخر الذي يمنحنا الأمل، هو أنَّ هذه البلدان لديها تجربة مع الأوبئة تفوق حتى تجربة آسيا. «رغم كل ما يمكن أن نقوله عن أنظمة الصحة في المنطقة، إلا أنها الوحيدة التي عاشت صدمات شبيهة بالجائحة التي نعيشها حالياً. هذه الدول ستتعامل مع الوضع بشكل أفضل. لأنها سبق أن فكرت في طريقة زيادة عدد الأسِرّة، وتوسيع مساحة المشافي واستقبال المرضى، حينما تعرضت لوباء إيبولا، بالإضافة إلى الكوليرا والسحايا وغيرها من الأوبئة».

تصنع المصممة ميمونة كوناتيه من الكوت ديفوار أقنعتها الواقية في ورشة الخياطة الواقعة في بورت بويت، إحدى البلديات العشر في مدينة أبيدجان الساحلية. في 23 مارس 2020، أعلن رئيس ساحل العاج، الحسن واتارا، حالة الطوارئ وحظر التجول والحجر الصحي التدريجي للسكان للحد من انتشار فيروس كورونا المُستجد. Keystone / Legnan Koula

حماية الاقتصاد

إنَّ أكثر ما يقلقه هي تدابير الحجر الصحي التي لا معنى لها عندما يعيش 10 أشخاص في غرفة واحدة. «يجب أن يخرج الحرفيون والعمال وجميع المهن، التي تمارسها الغالبية العظمى من السكان، ليتمكنوا من العمل وكسب قوت يومهم. وعلى السلطات تحديد تاريخ الدخول والخروج من الحجر الصحي مُسبقاً، ليتسنى للناس تنظيم أنفسهم».

ويُشدّد الطبيب على أنَّه: «إذا لم نهتم بالاقتصاد مع الصحة، فمن سيهتم، على سبيل المثال، بملايين اللاجئين والنازحين الذين يعيشون في المنطقة؟ إذاً يجب حماية الأسواق، وتجهيزها من أجل غسل اليدين. لقد نجحت هذه الإجراءات في السابق، كما حدث في ليبيريا في مواجهة وباء إيبولا».

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة