تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

حوار الصم بين السفير الأمريكي والنخبة التونسية

لم ينجح السفير الامريكي في اقناع ممثلي النخبة التونسية باطروحات بلاده حول الحرب ضد الارهاب التي شنتها على افغانستان

(swissinfo.ch)

لعلها حالة نادرة في العالم العربي أن يقبل اليوم أحد سفراء الولايات المتحدة الأمريكية مبدأ المشاركة في ندوة سياسية مفتوحة مخصصة لمناقشة العلاقة المتأزمة بين بلاده والعالم الإسلامي.

هذا ما فعله روست ديمينغ السفير الأمريكي بتونس، الذي حاول قبل أيام أن يدافع عن سياسة بلاده في حربها ضد أفغانستان، وذلك تناسقا مع هذه الرغبة التي اجتاحت أخيرا الكثير من الأمريكيين لمعرفة ما يجري داخل العالم العربي والإسلامي، حصل ذلك بمقر حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وبحضور عدد من المثقفين والدبلوماسيين والسياسيين التونسيين.

وقبل أن تحال إليه الكلمة استمع بانتباه شديد للمؤرخ هشام جعيط الذي اعتبر أن ضربات 11 سبتمبر قد أعادت الأمريكيين إلى وضعهم الإنساني بعد أن بدا له وكأنهم كانوا يعيشون طيلة المرحلة الماضية "خارج الكرة الأرضية"، فهم لأول مرة في تاريخهم يتعرضون للغزو ويحسون بمعاناة الحروب وويلاتها.

وأشار جعيط إلى الأسئلة القلقة التي يلقيها الضمير العربي الإسلامي المسيس وبالتحديد من أصحاب التوجهات الراديكالية، وحصرها في ثلاثة: لماذا يموت الأطفال في العراق؟ ولماذا تضرب أمريكا ليبيا والسودان وإيران وغيرها؟ ولماذا لا تضغط أمريكا على إسرائيل لتعيد للفلسطينيين حقوقهم؟

حاول السفير الأمريكي أن يقنع مخاطبيه بأن الحرب التي تشنها حاليا بلاده ليست موجهة ضد مجموعة أو ديانة أو منطقة محددة. وقال لهم "نحن ندرك أن العالم العربي والإسلامي لم يكن في مأمن من أعمال الارهاب. نحن واثقون أنكم تدينون مثل هذه الأعمال، ونحن ندرك أنه سيستحيل علينا استئصال الارهاب إلا إذا تمكنا من التعاون الفعلي مع الدول العربية والإسلامية".

كما استند على عدد من القرارات والتصريحات الرسمية للرئيس بوش ومساعديه للتدليل على أن حقوق الأمريكان العرب والمسلمين مصانة. وهو إذ أقر بأنه لا تزال هناك بعض الأحكام المسبقة موجودة وراسخة بأمريكا، إلا أنه أشار إلى إدانة مجلس الشيوخ بالممارسات الخاصة بالتمييز العنصري.

وبشر السفير مستمعيه بأن الإسلام هو أكثر الأديان سرعة في الانتشار داخل الولايات المتحدة، وأنه قريبا سيصبح الديانة الثانية فيها.

سياسة المكيالين

لقد بدا واضحا أن السفير وبقية الحضور لم يكونوا يتكلمون لغة واحدة، تحدث هو عن أمريكا الضحية والمطعونة في رموز قوتها وهيبتها، وتحدثوا هم عن أمريكا المتعالية عن الشعوب المتناقضة مع مبادئها وقيمها الخاصة.

كان يريد أن يبرر حربا اعتبرها شرعية، بينما رأوها عدوانا جديدا بلا دليل على شعب ضعيف وحربا أخرى تنضاف إلى حروب سابقة خسرتها أمريكا. أكد لهم أن مقاومة الارهاب واجب على الجميع لأنه يهدد الجميع، في حين حاولوا هم جره إلى أسباب الارهاب الكامنة في غياب العدل واعتماد سياسة المكيالين عساه يوافقهم حول ضرورة مراجعة السياسة الخارجية الأمريكية.

تعمد الدبلوماسي الامريكي أن يحصر الحديث داخل الدائرة الأفغانية حيث بن لادن وتنظيم القاعدة وحركة طالبان التي بينها وبين النخبة التونسية مسيرة ألف عام، في حين أصر مخاطبوه على أن يجعلوا من القضية الفلسطينية أرضية الحوار ومربط الفرس دون أن يبرروا قتل المدنيين، أو يتغافلوا عن التنديد بحوادث سبتمبر الرهيبة.

لقد فشل السفير في إقناع محاوريه وسامعيه بأشياء تعتبر بديهية في الخطاب الأمريكي. فهو يعتقد بأن العدو واضح ودليل إدانته ثابت، بينما اعتبر السفير التونسي أحمد ونيس أن هجمات 11 سبتمبر تستوجب البحث الجاد قائلا بأن السلطات الأمريكية "قدمت فرضية محتملة لكنها غير مؤكدة".

وشدد السفير الأمريكي على أن الاعتداء الذي حصل إنما كان هجوما على العالم بأسره، في حين توقع الدكتور هشام جعيط أن ما حدث من شأنه أن يدفع أمريكا إلى مراجعة سياستها، وأن أقطابا متعددة قد تظهر في العالم مستقبلا.

وفيما يعتقد السيد روست ديمينغ بأن الارهاب هو داء العصر، رد السفير ونيس بأن الارهاب هو مظهر لأمراض العصر وبالتالي فهو ليس معزولا عن سياقه الذي يجب أن يطرح فيه.

وبينما يؤمن معظم الأمريكيين بأنهم ضحية اعتداء من قبل بعض المتعصبين المسلمين، قلب محاورو السفير الإشكالية راس على عقب عندما أكدوا بأن ما حدث هو تعبير عن "أزمة في المجتمع الأمريكي إزاء العرب والمسلمين"، حيث لاحظ المهندس المنصف بوشرارة أن الولايات المتحدة لم تفهم ما يجري في العالم الإسلامي، ولم تحاول أن تميز بين أنواع الإسلام، حيث بقيت حبيسة النظرة التقليدية للأمور.

قال السفير الأمريكي في تعقيبه النهائي أنه يشعر بالغربة أو الوحدة "ربما لكوني لا أحسن الفلسفة"، لكن ما حصل للسفير داخل قاعة مغلقة هو مثال مصغر لحوار الصم الدائر منذ سنوات بين الولايات المتحدة وشعوب العالم الإسلامي ونخبها.

وإذا كان المؤرخ هشام جعيط قد اعتبر أن علاقة العرب والمسلمين بأمريكا ترتكز على "ثنائية الكره والحب"، فإن الأمريكيين مطالبون – إذا أرادوا تصحيح العلاقة – أن يسألوا أنفسهم بكل عمق: لماذا كل هذا القدر الكبير من الرفض لسياساتهم؟

صلاح الدين الجورشي - تونس


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×