Navigation

Skiplink navigation

حوار بريطاني مع حماس.. لماذا وكيف؟

بعض القيادات السياسية لحركة يتوسطهم محمود الزهار في لقاء مع وفد المخابرات المصرية يوم 24 مايو 2005 في غزة swissinfo.ch

المعروف أن السياسة البريطانية، حتى وإن تبعت السياسة الأمريكية تبعية مطلقة في كثير من القضايا الدولية والإقليمية، فإنها تأخذ بعض المواقف المتميزة أو على الأقل المتباينة عن المواقف الأمريكية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 14 يونيو 2005 - 08:51 يوليو,

ومن هنا، يمكن أن نلمح "خصوصية" بريطانية ما إزاء القضية الفلسطينية.

صحيح أن لندن وواشنطن تتفقان على رؤية الرئيس بوش بشأن إقامة دولتين، إحداهما فلسطينية، والأخرى إسرائيلية، باعتباره الحل التاريخي الممكن حاليا. لكن، صحيح أيضا، أن لندن لها رؤيتها الخاصة الأكثر عمقا في فهم المعادلات القائمة على الأرض الفلسطينية، وأيضا في فهم الدور السلبي ـ إن لم نقل التخريبي ـ الذي تلعبه الحكومة الإسرائيلية لوأد أي تحرك دولي جدّي للعودة إلى المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.

فارق بسيط ومهم أيضا

مثل هذا الفارق بسيط إلى حدّ ما ولكنه مهم أيضا، نظرا لأن بريطانيا، صاحبة الدور الاستعماري الأكبر تاريخيا في المنطقة العربية، وفي فلسطين على وجه التحديد، تُـدرك أن بقاء الأمور على عواهنها، كما تفعل إدارة الرئيس بوش، يعني دفع المنطقة دفعا إلى انفجار هائل لن يمكن السيطرة عليه إلا بعد دفع ثمن غال جدا.

هذا الفارق نفسه هو الذي يجعل هناك خصوصية في بعض المواقف البريطانية تجاه الأطراف الفلسطينية، لاسيما تلك التي تُـعد موضوعا لضغوط أمريكية وإسرائيلية مكثفة وهائلة معا.

ومن بين هؤلاء، حركة حماس التي تفرض نفسها على الساحة الفلسطينية نتيجة تضحياتها ورؤيتها الخاصة للصراع العربي الإسرائيلي، ونتيجة اندماجها العضوي مع الشعب الفلسطيني من خلال شبكة هائلة من المنظمات والخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية والتثقيفية، وبما جعل احتضان وحماية الشعب الفلسطيني لها أمرا منطقيا من خلال التصويت لمرشحيها في الانتخابات البلدية الفلسطينية التي جرت مرحلتان منها في غضون الشهرين الماضيين.

حقائق سياسية بارزة

فوِفقا لنتائج الانتخابات البلدية، هناك حقائق سياسية لا يُـمكن التّـهوين منها. فحماس، وبعد أقل من 20 عاما على تأسيسها، باتت القوة الثانية بعد فتح في الخريطة السياسية الفلسطينية.

فقد نجحت قوائم الحركة في المرحلة الثانية من الانتخابات في الحصول على الأغلبية المُـطلقة في 38 مجلسا بلديا وقرويا من دون أي تحالفات، منها 34 مجلسا من أصل 68 مجلسا شاركت فيها في الضفة، و4 مجالس في غزة من أصل 8 مجالس.

واللافت للنظر أنها فازت في البلديات ذات الثقل السكاني الأكبر في الضفة وغزة، كما أنها فازت في البلدات والقرى، التي كانت وما زالت الأكثر تعرضا للتدمير والتخريب على يد الجيش الإسرائيلي، مثل بيت حانون في شمال قطاع غزة، ورفح في جنوبه، مما يؤكد أن مواطني هذه البلدات ما زالوا يرون خيار المقاومة هو الأكثر صوابا، طالما استمرت الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية عليهم.

هذه الحقائق البارزة يجب أن تقرأ في ضوء القرار السياسي والاستراتيجي أيضا الذي اتخذته حماس، وقِـوامه المشاركة في الحياة السياسية الفلسطينية، رغم كل التحفظات عليها، نظرا لقيامها على أسس اتفاق أوسلو المرفوض من الحركة مبدئيا، وأيضا جعل هذه المشاركة وسيلة لتصحيح الاختلالات الهيكلية التي وقعت فيها السلطة الفلسطينية وجعلها آلية لوضع رؤية حماس في داخل سياسات السلطة، لاسيما ما يتعلق منها بالحفاظ على المقاومة بكل أشكالها باعتبارها الملاذ والضامن لحقوق الشعب الفلسطيني، واللغة التي يفهمها عن حق الاحتلال الإسرائيلي.

قدرة على التكيف

وإذا وضعنا قرار حماس بالمشاركة، وإن بشروط معيّـنة في منظمة التحرير الفلسطينية في الاعتبار، لأصبح لدينا مؤشر مُـهم على قدرة حماس على التكيّـف مع المستجدات، وذلك رغم الإشكاليات السياسية والفكرية التي ينطوي عليها مثل هذا الخيار.

ومن وجهة نظر خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، فإن المشاركة في منظمة التحرير هي خطوة من بين مجموعة خطوات أقرتها قيادة حماس بعد دراسة ومشاورات مكثفة للتجاوب مع المتغيرات الفلسطينية والإقليمية الجديدة، وأن هذا التكيف العملي لا يعني بالضرورة تنازلا سياسيا أو فكريا، بل هو نوع من المواءمة وحسب.

فالحركة، حسب خالد مشعل، لم تتخلّ عن حق مقاومة الاحتلال لأنه حق مشروع وأقرته كل القوانين الدولية، ولم تتخل أيضا عن رؤيتها الداعية إلى تحرير كامل للتراب الفلسطيني، ولكنها باتت تُـدرك أن شروط هذه الرؤية غير مكتملة الآن، ولذلك، فهي تقبل الحلول المرحلية وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967، وتترك الباقي لتحسمه تطورات المستقبل.

وضعية حماس على هذا النحو تجعلها رقما فلسطينيا بالمعنيين، السياسي والعسكري، وفي إطار المعني والسياق السياسي يُـصبح على من يتفاعل مع المعادلات الفلسطينية أن يمد يده إلى حماس للحوار معها، واستكشاف كيف يمكن أن تلعب دورا في إقامة تسوية تاريخية قابلة للحياة والاستمرار.

وربما هذا ما فهمته الدبلوماسية البريطانية على نحو ما، وأدّى بها في النهاية إلى نسج خيوط اتصال مع رموز من الجناح السياسي لحماس، ولكن دون التخلي عن الموقف الأوروبي العام الذي يضع حماس (إرضاء لإسرائيل والولايات المتحدة) في سلة المنظمات الإرهابية، المطلوب محاربتها وعزلها والقضاء عليها.

سياقان للحوار

المعلومات المتداولة في هذا الصدد تُـشير إلى سياقين في الحوار البريطاني مع حركة حماس. الأول، سياق استخباري يعود إلى عام 2000، وكان الهدف منه فتح قنوات اتصال مع حركة فلسطينية لها جذور عميقة في الحياة الفلسطينية، وذلك بُـغية استكشاف كيف يمكن للحركة أن تتفاعل مع المقتضيات السياسية المختلفة، وهو حوار استفاد من تجربة بريطانيا في التعامل مع الجيش الأيرلندي الذي دخل مفاوضات سياسية ولم يُـلق السلاح.

والثاني، سياق مدني ولا يخرج عن معنى التواصل مع شخصيات فلسطينية فازت في الانتخابات البلدية وأصبحت جزءا من المشهد الرسمي لا يمكن تجاهله، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي يقوم بتقديم خدمات تنموية للفلسطينيين، وجزء منها يمر حتما عبر بوابة البلديات الفلسطينية المنتخبة.

ولعل هذا السياق، رغم بساطته، هو الذي تعتبره إسرائيل خطرا عليها، لأنه ينفي مقولة أن حماس حركة إرهابية، ويفقدها حُـجة طالما استعملتها في ابتزاز المواقف الأوروبية. فالحركات الإرهابية لا تعمل بالسياسة، ولا تقدم على خدمة الجمهور حولها.

دلالات للحوار

وبالرغم من الحجم الهامشي لمثل هكذا حوار، فهو لا يخلو من دلالات، أولها أن بريطانيا، تدرك أن حماس رقم فلسطيني لا يمكن تجاهله، لا سياسيا ولا عسكريا ولا تنمويا، وذلك رغم تأكيدها على لسان زير خارجيتها جاك سترو إبان زيارته إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، أنها لن تدخل في حوار مع حماس إلا بعد نزع سلاحها ونبذ العنف وتغيير ميثاقها الداعي إلى تدمير إسرائيل حسب قوله. ويذكر هنا، أن رد حماس على ما قاله الوزير البريطاني أنها لن تلقي السلاح لأنه للمقاومة ولرد العدوان، وكلاهما أمران مشروعان.

وثانيها، أن بريطانيا ربما من خلال آلية الحوار مع قيادات وسيطة تحاول أن تفتح ثغرة في فكر وعقل حماس، يمكن للولايات المتحدة بعد ذلك أن تنفذ منها.

وثالثها، أن بريطانيا بهذا الحوار التمهيدي للغاية يُـمكن أن تتقدم خطوة على طريق الحوار مع الحركات الإسلامية في المنطقة العربية، وهي الدعوة التي تأخذ حظا متزايدا من الحوار الفكري والسياسي داخل الساحتين، الأوروبية والأمريكية، ولكن دون التوصل حتى حينه إلى قرار واضح بهذا الشأن.

هذه الدلالات مهمة، ليس فقط لحماس كحركة واقعة تحت ضغوط دولية رهيبة، ولكن لأنها تؤكد أن القدرة على الصمود ووضوح الفكرة، وتقديم التضحيات من أجل أهداف نبيلة، كفيل بأن يغير الواقع، مهما كان بليدا وفاسدا ومليئا بالأخطاء الكبرى.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة