أردوغان قد يخرج مُثخنا بالجِراح من "عملية الفساد والرّشوة"

رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان Keystone

يختصر عام 2013 مُجمل المشكلات التي لم يستطع حزب العدالة والتنمية أن يجد حلولا جذرية لها على امتداد عشر سنوات من حُكمه، الذي بدأ في موفى عام 2002. والمفارقة، أن الحزب بزعامة رجب طيب أردوغان تحديدا، كان يُمثل الأمل في السنوات الأولى من وجوده في السلطة على صعيد حلّ المشكلات الداخلية والخارجية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 ديسمبر 2013 - 21:00 يوليو,
د. محمد نور الدين - بيروت, swissinfo.ch

وبالفعل، كان الحزب يتقدّم في أكثر من ملف، من الحريات وإضعاف تدخل الجيش في السياسة، إلى التنمية الإقتصادية وتصفير المشكلات الخارجية. وعلى هذا، كانت نسبة التأييد له ترتفع من 34% عام 2002 إلى 47% عام 2007 إلى 49% عام 2011. لكن انتخابات عام 2011 النيابية، مثلت "محطة ما بين مرحلتين".

المرحلة الأولى، كانت سنوات الإنجازات والآمال، أما الثانية، فقد مثلت سنوات الإستئثار بالسلطة والسعي لفرض أحادية التفكير ومحاولة تنشِئة فرد من نمط ديني معيّن والتقييد على الحريات الصحفية في الداخل، مقابل انهيار منظومة "صِفر مشكلات" في العلاقات الخارجية. ومن الممكن القول اليوم أن حزب العدالة والتنمية واجه في عام 2013 خُلاصة عجْزه عن مواصلة ابتكار الحلول.

ففي الخارج، واجهت تركيا المزيد من الفشل في علاقاتها الدولية، وبقي رِهانها على إسقاط النظام في سوريا في غير محلّه، كما خسرت مصر، بعدما وقفت بقوة ضد التغيير الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين. إضافة إلى ذلك، خسرت السعودية ودول الخليج (ما عدا قطر) بسبب الخلاف على مصر. وشيئا فشيئا، تحولت تركيا إلى بلد معزول عن الخارج وشبه عاجز عن التأثير بعد أن افتقد العديد من أوراق التأثير في سوريا والعالم العربي، في ظل استمرار علاقاته السيئة مع إسرائيل.

سياسة الإمساك المطلق بالحُـكم!

في الداخل، لم تُسفر رزمة الحلول الديمقراطية التي تم إقرارها عن أي حلّ للمشكلة الكردية، كما لم تقدم أي شيء للأقلية العلوية. ولم يحصل أي تطوّر في اتجاه تعديل النظام الإنتخابي مع الإبقاء على نسبة العشرة في المائة الضرورية لدخول الأحزاب للبرلمان، وهي نسبة عالية جدا في بلد متنوّع مثل تركيا.

وربما كان من حظ النظام البرلماني في المقابل، فشل أردوغان في تغيير النظام السياسي في البلاد من برلماني إلى رئاسي، وهو ما جنّب الأتراك حتى الآن إمكانية استمرار الزعيم نفسه، أي أردوغان، في السلطة كرئيس مُحتمل للجمهورية لمدة عشر سنوات على دورتيْن، ليكون مجموع سنوات الحُكم المُطلَق أكثر من عشرين سنة، وهذا أمر لا يُحتمَل في البلدان الديمقراطية، وأولها الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد كان من نتائج سياسات الإمساك المُطلق بالحُكم، أن انفجرت في وجه أردوغان احتجاجات شعبية عبّرت عن نفسها في انتِفاضة ساحة تقسيم - حديقة غيزي - في يونيو 2013، انطلاقا من مشروع لتغيير مَعالِم الساحة والحديقة. ولقد اتّهم أردوغان قِوى خارجية بالوقوف وراء الإنتفاضة واعتقل قادتها وهُم الآن في السجن.

ذِهنية الحُكم المُطلق انسحبت على طريقة تعامل أردوغان مع أقرب شُركائه وحلفائه، منهم نائب رئيس الحكومة بولنت أرينتش، الذي اختلف أردوغان معه لأسباب تتعلّق بالمساكن الطلاّبية المُختلطة في الجامعات، فأعلن الأخير عزمه اعتزال السياسة، رغم أنه من المدافع الثقيلة في حزب العدالة والتنمية والذِّراع اليُمنى لأردوغان.

حملة تطهير جديدة في صفوف الشرطة التركية بسبب فضيحة فساد

أقالت السلطات التركية 25 مسؤولا كبيرا آخر من الشرطة بعد إقالة خمسين في إطار فضيحة فساد تهزّ تركيا وِفق ما أفادت وسائل الإعلام يوم الأحد 22 ديسمبر الجاري. وهدد رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان بـ "قطع أيادي" خصومه السياسيين، في حال استعملوا فضيحة الفساد لضرب حُكمه.

وقال أمام أنصاره وأعضاء حزبه العدالة والتنمية في محافظة جيريسون على ضفاف البحر الأسود "سوف نضع كل شخص في مكانه". وأضاف "كل من يتجرّأ على إلحاق الأذى وزرع الاضطرابات أو ينصب لنا فخاخا في هذا البلد، سوف نكسر يديه.

وأقر القضاء التركي حتى الآن ملاحقة 24 شخصا من بينهم إبنا وزيري الداخلية عمر غولر والاقتصاد ظافر تشاغليان ورئيس مجلس إدارة مصرف "هالك بنكاسي" العام سليمان أصلان ورجل الأعمال المتحدر من اذربيجان رضا زراب.

وأطلق رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان الذي أضعفته هذه الزّوبعة السياسية المالية التي اندلعت قبل أربعة اشهر من موعد الانتخابات البلدية، عملية تطهير عميقة في الشرطة، وهي قوة كان عززها سابقا للتصدّي لنفوذ الجيش وأصبح اليوم يأخذ على مسؤوليها عدم إبلاغ وصايتهم السياسية بتحقيق كان يستهدفها.

وأفادت وسائل الإعلام عن إقالة ارتان ارجيكتي، قائد شرطة بلدية فاتح المحافظ في منطقة إسطنبول ضمن آخر التنحيات. وقال أردوغان إنه يكافح "دولة داخل الدولة" واعتبر التحقيق حول الفساد بأنها عملية قدح في حزبه، حزب العدالة والتنمية الذي يحكم البلاد منذ 2002.

وكان رئيس بلدية فاتح مصطفى دمير من بين الذين اعتقلوا الثلاثاء في إطار التحقيق، لكن أفرج عنه يوم السبت بعد استجوابه.

ووجّهت انتقادات الى اردوغان بأنه يحاول بطريقة يائسة حماية حلفائه وتعيين سلامي التينوك على رأس شرطة اسطنبول، رغم أنه حاكم غيْر معروف ولا ينتمي إلى هذا الجهاز، اعتبر محاولة لوقف التحقيق.

وبعد قليل من توليه مهامّه، منع قائد الشرطة الجديد الصحفيين من دخول مراكز الشرطة في مختلف أنحاء البلاد، وِفق وسائل الإعلام المحلية. لكن لم يوضح رئيس الوزراء أسماء المسؤولين عن هذه "العملية القذِرة" التي تستهدِف حكومته، لكن جميع المراقبين توقّعوا أن يكون المقصود جمعية الداعية الإسلامي فتح الله غولن النافذة جدا في الشرطة والقضاء.

وبعد أن كانت لفترة طويلة تُعتبر حليفة حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ 2002، أعلنت هذه الجماعة حربا على الحكومة، بسبب مشروع إلغاء مدارس خاصة تستمدّ منها قِسما من مواردها المالية.

(المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية أ.ف.ب. بتاريخ 23 ديسمبر 2013).

End of insertion

القشّـة التي قصمت ظهر البعير

أما الحادثة الثانية والأخطر، فهي الصِّدام الذي انفجر في 17 ديسمبر 2013 بين أردوغان وجماعة فتح الله غولين، رجل الدين التركي المُقيم في الولايات المتحدة منذ عام 1999. وكانت جماعة غولين من  كِبار المجموعات الدّاعمة لأردوغان، على اعتبار أن العداء لحُكم العسكر والعِلمانيين كان يجمعهما.

ولقد انفجر الخلاف بينهما منذ انتفاضة تقسيم، حيث اتهم أردوغان الجماعة بأنها دعمت الإنتفاضة لتشويه سُمعته. غير أن القِشّة التي قصَمت ظهْر البعير بينهما، كانت قرار رئيس الوزراء التركي إغلاق المدارس المسائية التي تعطي دروسا لتقوية الطلاّب المتقدّمين إلى الإمتحانات الرسمية، وعددها يُقدّر بـ 2500 مدرسة ويُهيْمن عليها  مؤيِّدو غولين.

عملية إغلاق المدارس (التي لم توصد أبوابها بعدُ عمليا) جاءت حسبما يبدو كردّ على موقف غولين المؤيِّد لانتفاضة تقسيم - غيزي من جهة، واستمرارا لذهنية الإستئثار والتخلّص من الشركاء لدى أردوغان في معرض الإحساس بفائض القوة التي تُصيب عادة كل الحكّام الذين يمكثون في السلطة لفترة طويلة من جهة ثانية. وقد أطلق غولين خلال السّجالات الحادة غير المسبوقة بينه وبين أردوغان، صفات قاسية على أردوغان بوصفه بـ "المستبد" و"فرعوْن" و"الرجل الذي يجب أن يعرف حدّه" وما إلى ذلك. في الوقت نفسه، لم تتأخر جماعة غولين عن الردّ على أردوغان، لكن هذه المرة في معركة كسْر عظْم.

ضربة قاسية لأردوغان وحزبه

كان عنوان المعركة التي افتتحها غولين ضد أردوغان هي "الفساد والرشوة". ففي صبيحة 17 ديسمبر 2013، كانت الشرطة التركية (حيْث يتمتع غولين بنفوذ قوي) تتحرّك بأمر القضاء (لغولين أيضا نفوذ على بعض القضاة) وتُداهم منازل أبناء لوزراء ثلاثة ورجال أعمال ومدير البنك الرسمي للبلاد، بنك الشعب، وغيرهم في عملية أطلقت عليها الصحافة إسم "عملية الفساد والرشوة".

وفي المعلومات المتسرِّبة، يبدو أن هؤلاء متورِّطون في عمليات فساد وغسْل أموال ورشى، تقدر بمائة مليار يورو. وقد عثر في منزل بعضهم، ومنهم مدير بنك الشعب، على ملايين الدولارات مخبَّأة في صناديق توضع فيها الأحذِية وموضوعة بين الكُتب على رفوف المكتبة، وآلات لعدّ الأموال فقط كنموذج على مستوى الفساد المتفشّي والمتورط فيه هؤلاء. وتمّ عرض أشرطة فيديو وتسجيلات توثق التُّهم. في هذا السياق، يمكن القول أن "عملية الفساد والرشوة" ليست عملية عادية تحصل في أي بلد، حتى لو كان مشهورا بالفساد، إذ أن العوامل المُتّصلة بالعملية تتداخل بطريقة معقّدة.

لاشك أن هذه العملية وقبل اكتمال فصولها، شكّلت ضربة هائلة لصورة أردوغان الذي كانت سمعته كـ "رجل نظيف الكفّ"، من أبرز عوامل شعبيته ونجاحاته. أما اليوم، فهؤلاء المتورِّطون هُم أبناء وزراء في حكومته ورجال أعمال مقرّبون منه، وبالتالي، من غير الممكن أن يبقى اردوغان، حتى لو لم يكن على علاقة بالفساد، بعيدا عن انعكاسات ورذاذ وشظايا هذه الإتهامات. فكيف إذا اتضح مثلا أنه كان على معرفة بها ويغطّي المتورّطين فيها؟

من المؤكد أيضا أن الضربة طالت حزب العدالة والتنمية، وهو الحزب السياسي الذي طالما قدّم نفسه أنه صانع الإنجازات الإقتصادية لتركيا، وأنه يُمثل النّخبة الجديدة لتركيا المُتعلِّمة والحديثة، خصوصا إذا عرفنا أن وزير افتحاد الأوروبي في الحكومة التركية، ايغيمين باغيش نفسه، متورّط في الفساد.

من جهة أخرى، تلقّى حزب العدالة والتنمية ضربة موجعة من خلال انكِسار التحالفات داخل الحركة الإسلامية نفسها، بل بين الفصيليْن الأقوى فيها، وهذا سيترك أثره بلا ريب في الإنتخابات البلدية المقبلة وغير البلدية.

طريقة تعاطي أردوغان مع "عملية الفساد والرشوة" ألقت ظِلالا سميكة من الشكّ بأن الحزب متورّط بعمليات الفساد، ذلك أنه بدلا من ترك العملية القضائية تأخذ مجْراها، فإن أردوغان عمد إلى إقصاء جميع رؤساء الوحدات في مديرية الشرطة، ولاسيما في إسطنبول وأنقرة، ومنهم مدير شرطة اسطنبول، متّهما إياهم بأنهم مشاركون لغولين في "المؤامرة"، ثم عمدت الحكومة إلى تغيير أصول التحقيقات لتضعها بيد المحافظ، بدلا من البوليس وعيّنت مُشرفين أيضا على عملية التحقيق، بحيث تخرج التحقيقات من يَد القِوى القضائية الحالية.

كما أن الوزراء الذين اعتقلوا أولادهم لم يتقدّموا حتى الآن بأي استقالات إفساحا، ليأخذ القضاء مجراه من دون ضغوطات. بمعنى أن سلوك أردوغان وحكومته لم يكن بهدف تسهيل التحقيقات والتخلص من المفسدين، إذا كانوا فعلا متورّطين، بل هناك انطباع لدى الرأي العام بأن هذه الإجراءات قد تؤكد تورّط المقرّبين من أردوغان وحزب العدالة والتنمية بعمليات فساد كبرى، ليس أردوغان ببعيد عنها.

التنحّـي.. هو الخيار الأفضل؟

إذا كانت الانعكاسات الداخلية لهذه العملية على أردوغان كبيرة، مهما حاول الحدّ من أضرارها عليه، فإن "عملية الفساد والرشوة" لم تخلُ من أبعاد خارجية أشار إليها بالتحديد أردوغان نفسه بالقول أنها "عملية قذِرة" ضد تركيا. وقد أسهب النائب شامل طيار عن حزب العدالة والتنمية بالتأكيد على أن العملية تهدِف إلى "ضرب أردوغان  وإقصاء تركيا عن الترتيبات الجديدة التي يُعدّ لها في المنطقة، بحيث لا يكون لتركيا دور مؤثر"، على حد زعمه.

بعض التحليلات المتداولة تذهب إلى القول بأن الولايات المتحدة وبعض دول الغرب لم تعد تستسيغ استمرار أردوغان في السلطة، بعد سياساته "الدّاعمة للإرهاب وتنظيم القاعدة واختلافه مع إسرائيل وعدم قدرة تركيا على القيام بما يخدم الغرب، بعدما انهارت علاقات تركيا مع الجميع"، وبالتالي، فإن استمرار أردوغان حاكما قويا في تركيا، يُعيق التوجّهات الجديدة لواشنطن.

يبدو مؤكدا الآن أن أردوغان سيخرج مُثخنا بالجِراح من "عملية الفساد والرّشوة" التي شكّلت الخطر الأكبر عليه في الداخل وفي العنوان الأحبّ إلى قلبه، أما إذا كان من مخطّطات خارجية للإطاحة برئيس الوزراء، فإن مثل هذه العملية قد تُسهِّلها.

ومهما اجتهد أردوغان لمواجهة الهجْمة الجديدة عليه، يذهب البعض إلى القول بأن حقبته - وفي في ظل العجز عن اجتراح حلول مبتكرة لمشكلات تركيا الداخلية وعزلتها الخارجية - قد انتهت عمليا، حتى وإن استمر في الحكم لبعض الوقت، وأن التنحّي عن السلطة ربما يكون "الخيار الأفضل" له ولحزبه، كي تستعيد بلاده بعضا من عافِيتها وعلاقاتها ودورها وصورتها.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة