الأكــراد والإستقلال.. و"جنّ سليمان"!

صورة من الأرشيف لاحتفال الأكراد السوريين المقيمين في لبنان يوم 21 مارس 2013 في بيروت بعيد النيروز الذي يُصادف حلول العام الشمسي الجديد. Keystone

"قبل قرون عدة، قام الملك (النبي) سليمان بطرد 500 من الجن من مملكته إلى جبال زغروس. طار هؤلاء الجن في البداية إلى أوروبا لاختيار 500 عذراء جميلة كزوجات لهم، ثم توجّهوا للإستقرار في ما أصبحت لاحقاً بلاد كردستان..." هكذا وُلد الشعب الكردي كما تزعم الرواية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 نوفمبر 2014 - 11:00 يوليو,
سعد محيو - بيروت

هذه الأسطورة الجميلة لولادة الأمة الكردية، لم تتحقق طيلة تاريخ الأكراد الطويل، الذي يُقال أن أجدادهم المعروفون باسم "الكردوخ" استوطنوا كردستان منذ 2700 سنة. فلا الجن (قادة الأكراد) نجحوا في يوم ما في إقامة دولة كردستان الموحّدة، بسبب صراعاتهم وخناقاتهم المصلحية التي لا تنتهي، ولا الزوجات الأوروبيات الجميلات (الدول الغربية) كنّ "وفيات" مع الأكراد. العكس كان صحيحاً، حيث أنهن كن يرتكبن فعل الخيانة ضدهن عند أول سانحة.

هذا القصور الداخلي والخيانات الخارجية، مضافاً إليه لعنة الجغرافيا التي وضعتهم في جبال وعرة ومعزولة ووسط إمبراطوريات إقليمية شرهة، من أرمن هاريكان والإسكندر الكبير، ثم مجددا الأرمن الأرسانيين والرومان والفرس والسّاسانيين والعرب، وصولاً في العصور الحديثة إلى البريطانيين والأمريكيين والرّوس والعثمانيين والصفويين، جعل الأكراد "مفعولاً به" دائماً في الشرق الأوسط القديم كما الحديث. كانوا أشبه بريشة تتسابق الرياح الإقليمية على قذفها من مكان إلى آخر.

صحيح أن الأكراد لعبوا أدواراً ضخمة في التاريخ الإسلامي (وهذا ليس فقط مع صلاح الدين الأيوبي)؛ وصحيح أيضاً أنهم أقاموا على مدار القرون إماراتهم الإقطاعية التي تمتّعت بحكم ذاتي نِسبي، وصولاً إلى جمهورية مهاباد المستقلة في كردستان إيران عام 1946، إلا أن كل الإنتفاضات والثورات فشِلت في خاتمة المطاف في تحويل الأكراد من بيْدق إلى فارس على رُقعة التاريخ الشرق الأوسطي.

لعنة لم تنته

غداة الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، بدا أن لعنات الجغرافيا والتاريخ بدأت تقترب من نهايتها بالنسبة إلى الأكراد، وأنهم بالتالي قد يتحوّلون للمرة الأولى إلى لاعب إقليمي "فاعل".

فكردستان العراق تمتّعت باستقلال حقيقي بحِراسة قوية من المظلّة الجوية الأمريكية ومن انهيار الدولة المركزية في العراق. وترافق ذلك مع نمو اقتصادي استقطب آلاف الشركات والمستثمرين الأجانب، وهذا وضع اسم كردستان على رأس جداول الأعمال الشرق أوسطية والدولية، كما جعلها قِـبلة أنظار أكراد إيران وتركيا وسوريا، كنواة لحلم "كردستان الكبرى".

كردستان تركيا، التي تضم أكبر نِسبة من الشعب الكردي، دخلت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مرحلة صعود، لكن هذه المرة ليس بفعل القوة العسكرية لحزب العمال الكردستاني، بل بتأثير رغبة حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة في إغلاق الملف الكردي التركي، بهدف التفرغ لإعادة بناء الإمبراطورية العثمانية الجديدة. وهذا ما دفع رجب طيب أردوغان إلى التفاوض مع الزعيم الكردي السجين أوجلان للمرة الأولى حول الحقوق القومية للأكراد، وإن في إطار الدولة - الأمة التركية.

وحين اندلعت الإنتفاضة الشعبية السورية في مارس 2011 وانهارت السلطة المركزية في دمشق، وجد أكراد سوريا أنفسهم وقد استقلّوا عملياً بمناطقهم، وباتوا مستعدّين للمشاركة في الرّقصة الكردية الكبرى في العراق وتركيا.

وعلى رغم أن أكراد إيران كانوا في هذه الفترة منهمكين في لعق الجراح الثخينة التي ألحقها بهم النظام في مجاليْ القمع والتهميش منذ أن رفض آية الله الخميني مَطالِبهم بالحُكم الذاتي، إلا أنهم كانوا منذ 2003 ولا زالوا الآن، ينتظرون الفرصة السانِحة للإنضمام إلى الجوْقة الكردية العامة في الشرق الأوسط.

مفاجأة داعش

الصعود الكردي كان بالفعل مُلفتا، إلى درجة أن بعض السياسيين الأتراك بدأوا يتحدّثون عن تحالف بين الأمتيْن، التركية والكردية، لنسف النظام الإقليمي المستند إلى اتفاقات سايكس- بيكو، وإقامة نظام إقليمي جديد مكانه بقيادتهما.

لكن فجأة طرأ تطوّر غيّر كل المسارات. فقد أدى احتلال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش سابقا) لمدينة الموصل التاريخية والإستراتيجية، والتي تتحكم بعُقدة التواصل بين العراق والأناضول وبلاد الشام، ثم إطباقه تقريباً على أربيل عاصمة كردستان العراق، إلى تداعي البنية الأمنية لكردستان العراق بشكل عنيف، ووضعها تحت الحماية الكاملة للأمريكيين والأتراك.

لكن، وعلى رغم أن التدخل الجوي الأمريكي حدّد لداعش الخط الأحمر حيال منع ضمها كردستان إلى ممتلكات "خلافتها"، إلا أن الضّرر وقع بالفعل بعد أن تبيّن أن قوات البيشماركة العسكرية لم تعُد البتّة تلك القوة المقاتلة التي كانت قبل "الإزدهار الإقتصادي". وهذا ما جعل مسعود البرزاني رئيس الإقليم ينتقل عملياً من حالة التحالف مع أنقرة إلى وضعية التبعية لها، الأمر الذي دفع منافسيه الطالبانيين (أنصار الطالباني) إلى الاندفاع أكثر هم أيضاً إلى أحضان إيران.

معركة كوباني (عين العرب) كانت مؤشراً آخر فاقعاً على التغيّر المفاجئ للمسارات بالنسبة إلى الأكراد. فقد أدى اجتياح داعش لأكثر من 50 قرية كردية ثم اقتحامهم أجزاء من مدينة كوباني، ليس فقط إلى السقوط العملي للحكم الذاتي الكردي في شمال وشمال شرق سوريا، بل أيضاً إلى استجداء التدخل التركي حتى من أتباع حزب العمال الكردستاني (حزب الإتحاد الديمقراطي)، العدو اللدود لأنقرة. وهذا استتبع تنازل هذا الأخير عن تفرده في السلطة في المناطق الكردية وتشاطره إياها مع المجلس الوطني الكردي، الحليف للبرزاني الحليف بدوره لتركيا. كما أنه قد يستتبع أيضاً إضعاف المواقع التفاوضية لأوجلان مع أردوغان.

كل هذه التطورات المتلاهثة قد تعيد الأكراد إلى دور البيدق، الذي ظن الكثيرون أن الزمن تجاوزه وانقضى الأمر.

فتركيا باتت في وضعية الآن تمكّنها من مواصلة إستراتيجية التحالف الثنائي مع كل فصيل كردي على حِدة، بهدف منع الأكراد في مثلث العراق – سوريا – تركيا، من إقامة ما أسماه محلِّلون غربيون "شبكة الحلفاء الأكراد المارقين"، الذين قد يشكلون تهديداً لها. 

والنموذج هنا سيكون مسعود البرزاني، الذي وافق على سيطرة أنقرة على 70% من النشاط الإقتصادي في كردستان (1226 شركة تركية من أصل 2657 شركة أجنبية عاملة في الإقليم)، وتحالف معها ضد حزب العمّال الكردستاني.

بكلمات أوضح: استمرار المنحى الرّاهن قد يحوّل كل الكيانات الكردية في سوريا والعراق وتركيا إلى أجرام تدور في فَلَـك أنقرة، وتشكّل منطقة عازلة ضد كلٍّ من النفوذ الإيراني والمد الأصولي الإسلامي المتطرف.

وفي المقابل، لن تسكت طهران طويلاً على هذه النجاحات التركية، التي ستؤدّي في نهاية المطاف إلى تشجيع تجدد الثورات في صفوف أكراد إيران، وستتحرك لمحاولة لعب الأوراق الكردية هي الأخرى. وقُـل الأمر نفسه عن بعض الدول العربية وإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة وبريطانيا.

أي حل؟

هل يعني كل ذلك أن فصل شهر العسل الذي أبرمه التاريخ مع الأكراد قد أقفل بغير ما رجعة؟ ليس بالضرورة. فبطن منطقة الشرق الأوسط سيبقى مفتوحاً إلى أمد غير منظور أمام مباضع القوى المتصارعة في المنطقة وخارجها. هذا ناهيك عن أن دول سايكس - بيكو تنهار الواحدة تِلو الأخرى. وكل هذا سيترك دائماً فُـرصاً للأكراد الذي ضربتهم ليس فقط ترتيبات سايكس – بيكو، بل ما هو أخطر منها (معاهدة لوزان عام 1924، التي شطبتهم من كل معادلات الشرق الأوسط)، لكي يعودوا إلى ملاعب اللاعبين.

لكن ومع ذلك، ربما يكون الهبوط الراهن لصعود الأكراد مناسبة جلى كي يعيدوا النظر ملياً بإستراتيجيتهم في المرحلة الإنقلابية الراهنة في الشرق الأوسط.

كيف ذلك؟ مثلاً عبر التوقف عن الإنطلاق من حلول جزئية في الدول الأربع المحيطة بهم (وهو أمر لا يؤدي سوى إلى الإصطدام مجدّدا بالرياح الإقليمية العاتية)، والبحث بدل ذلك عن حلٍّ إقليمي شامل، على غرار مشروع كنفدرالية ديمقراطية شرق أوسطية إسلامية – مسيحية – يهودية، على الطراز السويسري، يستطيع من خلالها الأكراد ممارسة الحُكم الذاتي في مناطقهم والتواصُل الحر في الوقت نفسه (في إطار هذه الكنفدرالية) مع الكيانات الكردية الأخرى.

قد يبدو هذا حلاًّ طوباويا بعيد المنال، لكنه بالنسبة إلى الأكراد هو الحل الوحيد للخروج من ورطة تاريخية ولعنة جغرافية عمرها من عمر "جن سليمان". 

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة