Navigation

ديمقراطية مباشرة

خمسون نسخة من الديمقراطية: هل يُمكن قياس سلطة الشعب؟

تحولت المقارنات بين البلدان في جميع أنحاء العالم إلى ما يُشبه الرياضة الشعبية حيث تصدر التصنيفات سنويا وفق مؤشرات تقيس كل شيء بدءا بالصحة وانتهاء بالسعادة مرورا بالديمقراطية. وفي عام 2021، تُواجه الديمقراطية واحدة من أكبر معاركها الصعبة منذ عام 1989، حسب توقعات أهم معاهد القياس. 

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 مارس 2021 - 15:04 يوليو,
فيليب شاوفيلبرغر (الرسم )

يقول ألبرت انشتاين: "ليس كل ما يُمكن حسابه محسوبا، وليس كل شيء محسوب يُمكن حسابه".

في تقريرها لعام 2020، أفادت مؤسسة الأبحاث فريدم هاوسرابط خارجي التي يوجد مقرها في واشنطن أن سويسرا "ديمقراطية بصدد التراجع". أما سبب هذا التقييم النقديرابط خارجي فيتلخص في أن "حقوق شريحة واسعة من السكان لديهم حقوق محدودة، كما يُواجه المسلمون تمييزا قانونيا وفعليا".

وتقدّم مجموعة أخرى معروفة ضمن المؤسسات المصنّفة للديمقراطية، وهي وحدة "إيكونوميست إنتيليجانس"رابط خارجي (التابعة لمجلة إيكونوميست اللندنية)، تقييما مُشابها لديمقراطية بلد جبال الألب، ولكن لسبب مختلف هذه المرة وهو "الإقبال المنخفض للناخبين". على المستوى العالمي، في آخر تقريريْن صادريْن عنهما، قدّم كلا المعهدين المُصنّفين تشخيصا أسوأ للوضع، حيث "تعرضت الديمقراطية لضربة كبيرة في عام 2020رابط خارجي"، كما تقول وحدة ايكونوميست إنتيلجنس، أما "فريدم هاوسرابط خارجي" فلخصت الموقف بالقول: "في الوقت الذي اجتاح العالم وباءٌ قاتل وانعدامٌ للأمن الاقتصادي والجسدي وللصراعات العنيفة، تكبّد المدافعون عن الديمقراطية خسائر جديدة فادحة في كفاحهم ضد الخصوم الاستبداديين، مما أدى إلى تحويل التوازن الدولي لصالح الاستبداد". حصل هذا بعد مرور (نصف) قرن على حدوث الاختراق لفائدة الاقتراع العام.

وبالنسبة لبلد مثل سويسرا، التي شهدت أوّل ثورة ديمقراطية ناجحة في أوروبا في عام 1848، والتي ظلت لفترة طويلة جزيرة ليبرالية وسط قارة ملكية، فإن هذه التقييمات النقدية الصادرة عن باحثين دوليين يمكن اعتبارها نداء إيقاظ صحي، ويقدّم روجيه دو فيك- المؤلّف والإعلامي الذي نشر كتابا في وقت سابق من هذا العام- 12 مقترحا لجعل النظام السياسي السويسري أكثر ديمقراطية.

بطبيعة الحال ليست سويسرا فقط التي تحتاج إلى فحص ديمقراطي، خاصة وأن جائحة كوفيد - 19 قد وضعت المجتمعات الحرة أمام تحديات جسيمة. ولكن كيف يمكن إجراء التشخيص الديمقراطي بطريقة عادلة وشفافة؟

يقول دافيد ألتمان، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الكاثوليكية في سانتياغو  عاصمة تشيلي ومؤلف كتاب "المواطنة والديمقراطية المباشرة المعاصرة" الصادر في عام 2019: "نشهد من خلال الجهود المبذولة لقياس الديمقراطية منذ سنوات عودة إلى الخبرة والأدلة العلمية"، وألتمان هو أيضا أحد مهندسي مشروع البحث حول "أصناف الديمقراطية"رابط خارجي ( V-Dem) الذي يشكل أكبر عملية تجميع للبيانات في العالم بهدف وضع تصوّر لقياس الديمقراطية.

ويمثل مشروع بحث "أصناف الديمقراطية" نهجا جديدا في مجال قياس الديمقراطيات. وتقول آنا لورمان، نائبة مدير هذا المشروع من مقرّ عملها في جامعة غوتنبرغ في السويد: "نحن نوظّف 170 منسقا قطريا و3000 خبير، يقومون بتجميع ومقارنة أكثر من 350 مؤشرا مختلفا". وعلى خلاف المشاريع المماثلة، يمكن الحصول على الاحصائيات الخاصة بتلك المؤشرات: "جميع البيانات لدينا مفتوحة وشفافة ويمكن الوصول إليها دون صعوبات. وبالإمكان استخدامها مثل مجموعات "الليغو" للتقدّم في البحث أو التعمق في التحليلات الخاصة بها"، تقول لورمان. وفي الواقع، يتم الآن استخدام مجموعة البيانات المفتوحةرابط خارجي لمشروع "أصناف الديمقراطية" (V-Dem) من قبل شبكة متنامية من المنظمات الدولية مثل "البنك الدوليرابط خارجي" و"مجتمعات الديمقراطيةرابط خارجي" و "المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة في الانتخاباترابط خارجي".

كذلك، تقوم المجموعة التي يوجد مقرها في غوتنبرغ بنشر تقريرها السنوي الخاص بها، وتستخدم البيانات لإصدار تقارير ظرفية محددة مثل مؤشر مخاطر الانتكاس الوبائيرابط خارجي الذي يكشف عن أن 55 دولة استبدادية و32 دولة ديمقراطية عانت في عام 2020 من قيود مرتبطة بفيروس كورونا المستجد سُلّطت على حقوق الإنسان والحريات المدنية في عام 2020

محتويات خارجية

تدابير غير منحازة؟

من غير المستغرب بالنسبة لموضوع حساس - وقد يضيف البعض ذاتي- مثل الديمقراطية، فإن أي تصنيف لن يسلم من النقد.

يقول مات فورتروب، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة كوفنتري بالمملكة المتحدة: "توجد مشكلتان في معظم تصنيفات الديمقراطية، أوّلا، البيانات الأوّلية التي تستند إليها التصنيفات، هي غير متاحة للجمهور، وثانيا أن مؤشراتهم منحازة نحو الاشكال التقليدية للحكومات التمثيلية".

ونتيجة لهذا الانحياز، يتم التقليل من قيمة أحدث أشكال الديمقراطية التشاركية والديمقراطية المباشرة في التصنيف، وهو أمر- وفقا لفورتروب- يعاقب بلدانا مثل سويسرا وأورغواي وتايوان أو حتى ألمانيا والولايات المتحدة (على المستوى الإقليمي والمحلّي). وبدلا من ذلك، يتحوّل عنصر مستوى المشاركة إلى مجرد عامل مشتق من معايير أخرى قليلة مثل نسبة المشاركة في الانتخابات أو العضوية في النقابات. وتبعا لذلك، تم تصنيف النرويج – التي لا ينص دستورها على آلية الاستفتاء - بانتظام على أنها الدولة الأكثر مشاركة في العالم وفق تصنيف "الإيكونوميست".

End of insertion

وعلى الرغم من القيود والتحديات المرتبطة بوضع التصوّرات وأدوات قياس سلطة المواطنين في جميع أنحاء العالم، فإن نتائج هذه التقييمات تحظى بأهمية كبيرة.

وتقول لورمان من مجموعة "أصناف الديمقراطية": "إن المليارات من الدولارات واليورو تنفق سنويا من أجل تعزيز الديمقراطية محليا وفي الخارج"، قبل أن تضيف: " تعتمد هذه الاستثمارات على الأحكام المتعلقة بالوضع الحالي للبلد والتوقعات المستقبلية. لهذا السبب نحن بحاجة إلى طرق مناسبة لقياس الديمقراطية".

وفي حالة سويسرا، يُعدّ هذا أمرا بالغ الأهمية، لأن القانون السويسري يجعل من دعم الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، التزاما دستوريا.

ماذا الجديد إذن؟

بالنسبة للتشخيص:  على المستوى العالمي، ووفقًا لمعهد V-Demرابط خارجي التابع لجامعة غوتبرغ السويدية، ارتفعت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في ظل حكم استبدادي من 48 ٪ إلى 68 ٪ بين عامي 2010 و2020. أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو أن الهند - التي ظلت لفترة طويلة أكبر ديمقراطية في العالم مع ما يقرب من 1.4 مليار شخص - تم تخفيض تصنيفها في عام 2021 إلى مستوى "حكم أوتوقراطي انتخابي". علاوة على ذلك، ارتفع عدد البلدان التي تتعرض فيها حرية التعبير للتهديد من 19 في عام 2017 إلى 32 في عام 2020. ومن الناحية الإيجابية، فإن الديمقراطيات التي تحرز تقدمًا تشمل دولتين من إفريقيا (تونس وغامبيا) وأخريين من آسيا (تايوان وكوريا الجنوبية).

في الوقت الذي يشهد فيه العالم بشكل عام موجة من الاستبداد والسلطوية، تتميّز هذه الموجة الثالثة من التراجعات الديمقراطية بمواصفات جديدة. ففي الوقت الذي حدثت فيه الموجات السابقة في بلدان كانت هذه الميول تتعزّز فيها بالفعل، تحصل هذه الموجة في أغلب الأحوال في بلدان ديمقراطية أصلا. وبينما كانت الأنظمة المستبدة تصل إلى السلطة من قبلُ من خلال غزو أجنبي أو انقلابات عسكرية، أصبحت العملية تتسم اليوم بقدر أكبر من البراعة والتدرج، وغالبا ما تكون مموّهة بتعديلات قانونية الطابع.

من بين الأمثلة النموذجية على هذا التطوّر "القانوني" التوجّه الاستبدادي في روسيا حيث تم إجراء استفتاء للسماح لفلاديمير بوتين بالبقاء في السلطة حتى عام 2036 في ظل جائحة كوفيد-19. إنها ممارسات مشكوك فيها للغاية وتتناقض تماما مع ما يجب أن تكون عليه المكوّنات الرئيسية لمجتمع ديمقراطي فعال.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.