تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

خيارات سوريا؟

فضلت سوريا اللجوء إلى "الشرعية الدولية" للرد على الغارة الإسرائيلية

(Keystone)

فور شنّ الغارة الجوية الإسرائيلية على معسكر داخل الأراضي السورية، تساءلت أوساط عربية ودولية: كيف ستردّ سوريا؟

كان مضمون هذا السؤال واضحا، وهو البحث في احتمالات أن يكون الرد السوري عسكريا وبنفس الصورة. لكن الحكومة السورية لم تترك فرصة للنشاطات الذهنية بهذا الشأن.

من المؤكد أن أوضاع موازين القوة العسكرية النظامية القائمة بين الجانبين السوري والإسرائيلي، يُـمكن أن تُـفسّـر سلوك سوريا كما تفسّـر سلوك إسرائيل أيضا.

لكن ما يحدث برمّـته، على الرغم من الضجة الهائلة في المنطقة، يحمل ملامح سياسية بأكثر مما يحمل توجُّـهات عسكرية، حتى الآن على الأقل.

إن امتلاك أية دولة لخيار عسكري يمكنها من استخدام القوة المسلحة في علاقاتها مع الأطراف الأخرى، لا يرتبط فقط بعناصر القوة العسكرية التي تمتلكها، وإنما بمقارنة تلك العناصر بما يتوافر لدى الأطراف الأخرى. وبالتالي، فإن القضية ليست ما تمتلكه سوريا فقط، وإنما إسرائيل أيضا.

فقد أثبتت حرب أكتوبر 1973، والتي شنّـت إسرائيل غارتها على سوريا بينما كان يتم الاحتفال بمرور 30 عاما على نشوبها، أن قُـدرة أي طرف على استعراض خسائره التسليحية من حليف خارجي مُـلتزم في وقت مناسب، يمثل عنصرا رئيسيا في حسابات موازين القوة العسكرية. فالتحالفات الخارجية ليست بعيدة عن الصورة.

الميزان العسكري التقليدي

وتشير البيانات المنشورة في التقرير السنوي الذي أصدره المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن حول الموازين العسكرية العالمية لعام 2002 و2003 إلى ما هو معروف تقليديا بشأن واقع الحال بين إسرائيل وسوريا وكذلك الدول العربية الأخرى المحيطة بها منذ وقت طويل، وهو أن إسرائيل تتفوق تسلُّـحا على كل دولة عربية على حدة، وأنها تتفوق في بعض عناصر التسليح كالقوة الجوية على الدول المجاورة لها عموما، وأنها كانت قادرة دائما من خلال إلتزام أمريكي معلن على الحفاظ على ذلك التفوق التسليحي، فلم يحدث أن تمكّـنت الجيوش العربية أبدا من الحصول على أسلحة تُـتيح لها مجرد موازاة القوة الإسرائيلية.

إن القوات النظامية السورية تتكوّن من 319 ألف جندي، بينها 215 ألف يشكلون القوات البرية. ورغم أن هذا الرقم يتفوق على عدد القوات النظامية الإسرائيلية (161 ألف جندي)، إلا أن المشكلة دائما كانت في تضخم عدد المجندين الإلزاميين في الجيوش العربية مقابل القوات العاملة، ووجود احتياطي فعال ضخم (425 ألف جندي) يمكن استدعاؤه بشكل سريع إلى مسرح العمليات لدى إسرائيل.

ولا تشكّـل الاحتياطات البشرية العربية أهمية، بحيث كانت إسرائيل قادرة عمليا على حشد عدد أكبر من القوات في مسرح العمليات خلال معظم الحروب السابقة، وإن كانت القوات شبه النظامية التي توجد أعداد كبيرة منها لدى سوريا يمكن أن تمارس دورا حيويا في حالة تطور الحرب إلى ما داخل الدول.

وتمتلك سوريا عددا كبيرا من دبابات القتال الرئيسية يصل إلى 4700 دبابة، وهو ما يزيد أيضا عملا لدى إسرائيل (3750 دبابة)، وكذلك عددا أكبر من قطع المدفعية الميدانية (2100 مقابل 1685).

لكن حسابات الكيف مقابل الكم هنا تتدخل في المعادلة، فيما يتصل بنوعية الدبابات وتطورها، وعدد وحدات المدفعية ذاتية الحركة بين الأعداد المتوافرة. ويذكر كثيرون معاناة سوريا منذ سنوات في محاولة تطوير نظم إدارة نيران دباباتها عبر صفقة مع جنوب إفريقيا لم تتم بفعل ضغوط خارجية.

أما المشكلة الحقيقية، فإنها تتركّـز في موازين القوات الجوية. فبينما لا تمتلك سوريا سوى 589 طائرة، تمتلك إسرائيل أكثر من 700 طائرة.

والمشكلة هنا لا تأتى من تفاوت الكم، وإنما من اختلاف الكيف بصورة لم تتح للدول العربية كذلك إمكانية تضييق فجوتها بأية صورة، وقد عملت الدول العربية على التعامل مع تلك المشكلة عبر تدعيم قوات الدفاع الجوى لديها، إلا أن صغر المسافات في "الشام" لا تتيح فترات إنذار مناسبة، كما أن مدى صواريخ الطائرات الإسرائيلية قد خلق أيضا مشكلة، وقد حاولت سوريا تحديث قواتها عبر صفقة كبرى مع روسيا الاتحادية، تم الحديث عنها لسنوات دون أن تكتمل تماما، بفعل مشكلات مالية.

الرد غير المباشر

ويقينا، فإن هذا الوضع يقيد حرية حركة سوريا في التعامل عسكريا مع إسرائيل، بمنطق "الرد بالمثل" بشكل فوري ومباشر، بفعل احتمالات التصعيد التي ستتّـضح خلالها كل مشكلات موازين القوة العسكرية كما حدث في معركة عام 1982 الجوية، وهو ما تُـدركه القيادات السورية التي طورت ردا ثابتا في مواجهة الغارات الإسرائيلية التي تكررت في السنوات الأخيرة ضد أهداف سورية في لبنان، كغارات الرادارات والمعسكرات، وهو "عدم الانجرار" مع الاحتفاظ بحق الرد في الوقت والمكان الملائمين.

وقد يبدو هذا الرد وكأنه صيغة سياسية للتخلص من مشكلة عسكرية. لكن ما يحدث عمليا داخل المؤسسات العسكرية العربية يُـشير إلى وجود إدراك محدد لواقع الحال وحدود القوة مع عدم رغبة في المغامرة فيما يتعلق بقضايا جادة كأمن الدول.

فمهمة الجيوش في ظل اختلال موازين القوة ليست الاندفاع في اتجاه خوض تلك "العمليات الصغيرة" معروفة النتائج مسبقا، على الرغم مما قد تواجهه من حرج سياسي، خاصة في الداخل، وإنما مهمتها الرئيسية هي الدفاع عن الدولة في حالة تعرضها لهجمات نظامية واسعة النطاق، أيا كانت نتائج ذلك. ولدى سوريا قدرة كبيرة على الإيذاء تمثل ردعا في ظل سيناريوهات أسوأ حالة.

يُـضاف إلى ذلك أن سوريا تحديدا قد طوّرت خلال العقد الماضي استراتيجية للرد المسلح غير المباشر على إسرائيل من خلال حزب الله في جنوب لبنان عبر عمليات صغيرة أيضا ومحرجة أيضا لإسرائيل، وصلت أحيانا إلى الرد بالمثل كما حدث فيما سُـمي "حرب الرادارات" عام 2001.

فقد اعتادت إدارات التقديرات العسكرية الإسرائيلية على توقع أن تطلق سوريا في أقصى حالة صاروخا من طراز سكاد – سي على هدف عسكري محدد داخل إسرائيل، لكن ما يحدث فعليا في كل مرة هو أن الرد يأتي من اتجاه آخر.

هناك شيء ما

ومن المتصور أن سوريا قد تستمر في العمل بنفس الأسلوب، إلا أن هناك شيئا مُـقلقا في الأفق هذه المرة.

فقد تمت العملية الإسرائيلية على الرغم من وجود حوار سوري- أمريكي مستمر، ولا يوجد مبرر عسكري حقيقي لمثل هذه العملية من جانب إسرائيل، ولا حتى بمنطق الانتقام.

وتُـشير تهديدات القيادات الإسرائيلية إلى سيناريو كان قد أعلن لأول مرة عام 2000 من جانب شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي يبدأ بمثل تلك العملية وينتهي بما سُـمي وقتها "كبح سوريا".

فسوريا تبدو معرضة بصورة قد تجعلها تفكر كثيرا في مسألة الرد المضاد غير المباشر ذاتها هذه المرة، إلا إذا تم الانزلاق إليه.

لكن في كل الأحوال، فإن ما حدث من جانب إسرائيل ضد سوريا، قد أطلق إنذارا قويا إضافيا داخل مؤسسات مختلفة في المنطقة، ربما أقوى بكثير من الغارة ذاتها في اتجاه كيفية التعامل مع مثل هذا التطور المتعلق بـ "ضربات الإزعاج" التي يمكن أن تواجهها بعد أن استغرقتها طويلا دروس حرب العراق التي كانت تتعلّـق بإسقاط الأنظمة السياسية، وليس إزعاجها.

لكن النتيجة في الحالتين واحدة، وهي أن تفكيرا جديدا فيما يتعلق بقضايا "الدفاع" قد يتبلور في المنطقة خلال الفترة القادمة.

د. محمد عبد السلام – القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×