"لا يجب أن يظل الناس مجتهدين ومطيعين.. فهذه وظيفة الآلات"

هل يتوجب على الدولة أن تمطر المواطنين بالذهب؟ هذه الأيام، يعقد مؤيدو الدخل الأساسي غير المشروط آمالاً جديدة على هذا المقترح. © Keystone / Alexandra Wey

هل بوسعك أن تتخيّل مجتمعاً يضمن لكل إنسان فيه حداً أدنى للمعيشة بدون قيد أو شروط؟ دانيال هيني يمكنه تخيّل هذا جداً. فقد قضى رجل الأعمال وابن مدينة بازل نصف حياته مكافحاً من أجل تجسيم فكرة "دخل أساسي غير مشروط"، ولكن الأزمة التي نجمت عن انتشار فيروس كورونا المستجد كانت بمثابة الحافز الجديد لحلمه القديم.

بيتر سيغنتالر بيتر سيغنتالر

لقد عاد مصطلح "الدخل الأساسي غير المشروط" حالياً للظهور بصورة أكبر في النقاشات السياسية. ويتساءل هيني ما إذا كان الوقت قد حان لإجراء اقتراع جديد حول المقترح. وهو يأم في أن يُسفر الحوار المقرر إجراؤه مع أعضاء البرلمان الفدرالي عن إطلاق "منصة متعددة الأحزاب حول الدخل الأساسي" في مستقبل قريب.

الضمان الاجتماعي في سويسرا

إن سويسرا لا تترك أحداً ليعيش حياة بائسة. فهنا يقوم الشعب بكفالة كل من لا يستطيع توفير الحياة الكريمة لنفسه. لكن لا يوجد شيء بلا مقابل. فصندوق البطالة عن العمل ما هو إلا تأمين. لذلك فإن من يحق له الحصول على تعويض في حالة فقدانه لوظيفته، هم فقط هؤلاء الذين تتوفر لديهم الشروط. ومن لا يحق له الحصول على إعانات من صندوق البطالة عن العمل، ويعتمد على الإعانة الاجتماعية، فإن عليه أن يثبت مدى سوء حالته المالية. لكن بعض المتقدمين بطلبات يرون في المسار البيروقراطي ضرباً من التعذيب، لذلك فإنهم يفضلون الاستمرار في ممارسة عمل لا يحبونه.

End of insertion

تحرير الإنسان من قهر العمل، كان هو هدف المبادرة الشعبية من أجل دخل أساسي غير مشروط، التي أطلقها هيني بالمشاركة مع بعض ممن يشاركونه هذا الرأي. في عام 2016، فشلت هذه المبادرة الشعبية أمام الناخبين بوضوح. ذلك أن حوالي 77% من الناخبين لم يرغبوا في "تحرير" أنفسهم - أو غيرهم -.

إلا أن ما اعتبر ميتاً (من أفكار) هو في الحقيقة ما يعيش أطول. حيث يجري هنا وهناك جمع توقيعات لأجل نظام اقتصادي آخر. ففي سويسرا، يطالب شباب حزب الخضر الحكومة الفدرالية من خلال التماس تقدموا به، بإدراج "دخل أساسي غير مشروط لكل المواطنين السويسريين" أثناء الأزمة التي نجمت عن جائحة كوفيد - 19. وفي ألمانيا، يطالب مؤسس سلسلة محلات "دي ام" dm للمنتجات الكيميائية والعطارة، وهو أحد خبراء الضرائب أيضا، بـ "دخل أساسي مضمون".

إن ما يسعى أصحاب المبادرة إلى تحقيقه لا يقل عن كونه نظاماً اجتماعياً جديداً؛ وكذلك يفعل دانيال هيني، ذلك أن "النظام الحالي يجعل المرء يعتمد عليه"، على حد قوله. واليوم لا يجب أن يظل الناس مجتهدين ومطيعين ـ فهذه وظيفة الآلات ـ، بل ينبغي أن يُصبحوا مُبدعين وأصحاب قرار. 

"إن المخاوف الوجودية تجعل المرء سهل الانقياد" 

swissinfo.ch: في اقتراع 2016 ـ يا أستاذ هيني ـ تساءل الكثير من الناخبين، عمن سُيقبل على تنظيف المراحيض في حالة وجود دخل أساسي غير مشروط؟

دانيال هيني: إن هذا السؤال يجعلنا ننظر إلى الأمر بتمعن. فهو يشتمل على الموقف التالي: إذا ما أردنا أن يتم تنظيف المراحيض، فعلينا جعل الناس مرتبطين وجودياً بها، حتى يقوموا بهذا العمل. لذلك فإننا نطلق عليه صفة "العمل القذر"، ليس فقط لأنه يتم فيه إزالة القذارة. إذ أن المخاوف الوجودية تجعل المرء سهل الانقياد، ومُطيعا. فالشخص الذي لا يملك المال، يصبح أكثر عُرضة لتحكم الآخرين الذين يملكونه. وهذا لا ينجح إلا إذا كان الحد الأدنى من تكاليف المعيشة غير مُؤمَّن. وبوجود دخل أساسي غير مشروط فلن يضطر أحد إلى فعل أي شيء مدفوعاً بمخاوفه الوجودية.

دانيل هيني (على اليسار)، وإنو شميت، عام 2016 في احتفالية الاقتراع التي أقامها أصحاب مبادرة الدخل الأساسي. © Keystone / Alexandra Wey

swissinfo.ch: قد يكون، ولكن برغم ذلك: من سينظف المراحيض، إذا لم يضطر أحد إلى القيام بذلك، بفضل الدخل الأساسي غير المشروط؟

دانيال هيني: لابد من جعل هذا العمل أكثر جاذبية. فإذا ما توفرت لهذا العمل شروط أفضل، فإن هذا العمل سيحظى بسمعة أفضل.

من يُفترض أن يقوم بتمويل هذا المشروع؟

وفقاً لاستطلاع الرأي الذي أعقب اقتراع 2016، لم يكن واضحاً بالنسبة للكثير من الرافضين، من أين سيؤتىَ بحوالي مائتي مليار فرنك ـ أي ما يعادل ثلث إجمال الناتج القومي للكنفدرالية ـ، والتي قد تكون تكلفة ضمان الحد الأدنى من معيشة المواطنين بدون مخاوف وجودية. يرى هيني أن الأمر يتعلق بسوء فهم. وكي يوضح أن الدخل الأساسي غير المشروط لن يرفع الكلفة، فإنه يسعى إلى فتح الباب أمام نقاش مبدئي حول الضرائب ووجود مبلغ معفيٍ من الضرائب. حيث قدم في البرلمان الألماني  إلتماساً بعنوان "مبدأ ضريبي جديد للقرن الواحد والعشرين ـ فرض الضرائب على آثار الأقدام". وكذلك تحتاج سويسرا إلى مبدإ ضريبي جديد لتحصيل الضرائب، على حد قوله. 

swissinfo.ch: ما الذي يزعجك إذن في المبدإ الضريبي الحالي؟

دانيال هيني: أنه ينص على تحصيل الضرائب وفقاً للكفاءة، أي العمل. لابد هنا من تغيير كلمة واحدة فقط. فبدلاً من الكفاءة، يجب أن تكون الكلمة هي استهلاك الخدمات. أي يجب حدوث تحوُّل في النموذج الفكري: إذ أنه لا يجب على من ينجز كثيراً دفع ضرائب كثيرة، بل من يستهلك الكثير من الخدمات. أي لابد من وجود سلوك أساسي جديد للأجيال القادمة. ففرض ضرائب على الجانب الاجتماعي للاقتصاد، يعتبر خطأَ. 

swissinfo.ch: وما هو الشيء الصحيح؟

دانيال هيني: لا بد أن نستخدم الضرائب في توجيه الوعي نحو ماهية استهلاكنا وكمّه. وكلمة السر هنا هي الرقمنة. وكلمة سر أخرى هي تغيّر المناخ. 

swissinfo.ch: إن الضريبة على الاستهلاك يكون من نتيجتها أن تصبح الخدمات والمنتجات ـ حتى الحيوية منها ـ باهظة الثمن. وهذا شيء ضد المجتمع، مثلما يقول اليساريون بصفة خاصة؟

دانيال هيني: إن هذا الاعتقاد الخاطيء المتعلق بارتفاع الأسعار هو نفس الاعتقاد الخاطيء فيما يتعلق بالدخل الأساسي. فسواء إذا ما حُصّلت الضرائب على الدخل أم على الاستهلاك، فإن هذا لن يؤثر على السعر. فتلك الضرائب والرسوم التي تُحَصَّل على عملية الإنتاج، تعتبر اليوم جزءً من السعر كذلك، مثلما قد تكون في حالة تطبيق هذه الضرائب البديلة على الاستهلاك.

لكن ما ينقص ضرائب الاستهلاك حالياً بالفعل هو هذا المُكَوِّن الاجتماعي والذي له أثر تقدمي. فلكي يصبح لها هذا الأثر التقدمي، فإنها تحتاج إلى مبلغ معفيٍّ من الضرائب. ولكن لأن هذا من الصعب سداده أثناء عملية الشراء، فإنه يُمكننا تحويل هذا المبلغ المعفىّ من الضرائب شهرياً إلى جميع المواطنين رجالاً ونساءً، بنفس القدر وبالطبع بلا شروط. 

swissinfo.ch: ... أي كدخل أساسي غير مشروط؟ 

دانيال هيني: نعم، كتفاحة ناضجة على الشجرة.

إن الصورة التي يتخيل كل من السيد هيني والفيلسوف الألماني فيليب كوفتشه أن يكون عليها مجتمع يحصل أفراده على دخل أساسي غير مشروط، هي ما يشرحه كلا المؤلفين في "ميثاق الدخل الأساسي" الذي صدر عام 2017. وتجدر الإشارة إلى أن السيد هيني البالغ من العمر 54 عاماً هو مؤسس مشارك ومساهم في شركة " الوسط العملي" في مدينة بازل، التي تم إطلاقها بمساندة من مؤسسة إديت ماريون. وفي عام 1998، استطاعت المؤسسة شراء المبنى الذي يضم المقر الرئيسي القديم للبنك الشعبي السويسري في وسط مدينة بازل مقابل عشرة ملايين فرنكاً. ومنذ ذلك الحين، تقوم بتأجيره للشركة التي تدير هناك في الأثناء أكبر مقهى في سويسرا.

End of insertion

swissinfo.ch: أنت نفسك ربّ عمل. فهل يشتغل العاملون في شركتك والبالغ عددهم 60 شخصا بدون مخاوف وجودية؟

دانيال هيني: إن العاملين يعلمون أن ما يحققونه من أرباح (حوالي أربعة ملايين فرنك سويسري - التحرير) لا ينتهي به المطاف في جيوب صاحب العمل. فالأرباح يتم استثمارها لإدخال تحسينات وإقامة مشروعات جديدة بالشركة. فبدلاً من استخدام المال كوسيلة لممارسة السلطة، فإننا نحاول إقناع العاملين الملتزمين عن طريق الأفكار وإتاحة شروط عمل جيّدة. 

"غير المضطر، هو من يستطيع!"

في مجتمع هيني الذي يحظى بدخل أساسي، يصبح الإنسان نفسه هو الهدف. فالمجتمع يكون في خدمة الإنسان وليس العكس. أما أن يؤْثِر بعض المعاصرين الخلود للكسل، إذا ما جرى سد احتياجاتهم الأساسية، فإنه احتمال بعيد على حد رأيه. لذلك فإن النقاد يصفون صورة الإنسان لدى هيني على أنها بعيدة عن الواقع. 

swissinfo.ch: ألا يدعم الدخل الأساسي غير المشروط "الكسل الذي هو بداية كل خطيئة"؟

دانيال هيني: إنه يؤدي إلى مزيد من الطواعية في العمل ويدعم حرية تقرير المصير. فغير المضطر هو من يستطيع! 

swissinfo.ch: الناخبون السويسريون يتشككون في تلك التحولات الكبرى التي تعِدُ بالرخاء. لذلك فهم يفضلون الخطوات الصغيرة، إذ أنها كانت ذا أثر جيّد عليهم حتى الآن؟

دانيال هيني: قد تجري الأمور في بعض الأحيان بسرعة فائقة. تذكّر فقط سقوط جدار برلين، أو الآن أزمة فيروس كورونا المستجد.

التجربة الفنلندية مع "الدخل الأساسي"

شهدت فنلندا في عاميْ 2017 و2018 تجربة تشابه فكرة الدخل الأساسي. حيث أجريت قرعة عام 2000، وحصل على إثرها بعض من العاطلين عن العمل لمدة طويلة، على مبالغ تأمين اجتماعي قدرها 560 يورو خلال عامين. ولم يتم خصم الدخل الإضافي منهم، كما هي العادة. وقد تصدرت فنلندا الصحافة العالمية بذلك.

أما الحصيلة التي أسفرت عنها التجربة وفقاً لاستطلاع الآراء فكانت كالتالي: لقد كان ثلاثة أرباع من استطلعت آرائهم متشككين قبل وبعد التجربة. وتقول سلطات الضمان الاجتماعي إن هذا الأمر لم يؤدِّ إلى تغييرات تُذكر. على أية حال: فالمشاركون من ذوي الدخل الأساسي وجدوا بنسب ضئيلة فرص عمل أفضل، وليست أسوأ من غير المشاركين. وبصفة عامة كانوا يتمتعون بحالة أفضل، ونادراً ما تعرضوا للإصابة بالاكتئاب والخوف. فقد شعروا بالمزيد من الاستقلالية، ذلك لأنه كان في مقدورهم وضع خطط مالية مُسبقة لمدد أطول. لقد ساورهم شعور أقوى بأنهم يمتلكون المستقبل في أيديهم، وبأن في مقدورهم فعل أشياء ذات قيمة.

إلا أن التجربة لم تستطع حل مشكلات هؤلاء الذين كانت لديهم ظروف معيشية صعبة منذ البداية. 

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة