تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

دبلوماسية نشطة ووساطات فاعلة رئاسة سويسرية مُقنعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا

ديديي بوركهالتر،وزير الخارجية السويسري والرئيس الدوري لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا لدى وصوله إلى المنصة قبل انطلاق الجلسة الإفتتاحية للجمعية البرلمانية للمنظمة التي انعقدت في مركز المؤتمرات الدولية بجنيف يوم الجمعة 3 أكتوبر 2014.

(Keystone)

ألقى الصراع في أوكرانيا بظلاله على سنة 2014 التي تولت فيها سويسرا رئاسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. ويتفق الخبراء والسياسيون السويسريون من اليسار واليمين على السواء على أهمية دور الوساطة الذي لعبته الكنفدرالية وهو ما ساعد هذه المنظمة الإقليمية على استعادة زمام المبادرة على الساحة.

كريستيان نونليست، من مركز الدراسات الأمنية بالمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ أوضح أن "سويسرا حظيت بمكانة متميّزة حيث كانت في طليعة الجهود الرامية إلى المساعدة في تهدئة الصراع الجيو – استراتيجي في أوكرانيا".

وأشار نونليست أن الوساطة بين أوكرانيا وروسيا قد "أعادت منظمة الأمن والتعاون في أوروبارابط خارجي مرة أخرى إلى الواجهة"، بعد أن فقدت الكثير من بريقها ودورها بوصفهات منصة للحوار بين الشرق والغرب بعد نهاية الحرب الباردة في عام 1989. وأضاف: "الآن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على وعي بالدور الهام لهذه المنظمة".

في الواقع، يُنظر إلى إنشاء "بعثة المراقبة في أوكرانيا" خلال الرئاسة الدورية لسويسرا ووزير خارجيتها ديديي بوركهالتر على أنه إنجاز كبير لهذه المنظمة على الرغم من اعتراض موسكو على الفكرة في البداية. وهذه البعثة هي الأكبر في تاريخ هذه المنظمة، والأولى من نوعها خلال أزيد من عقد من الزمن.

في السياق، يُلفت الخبراء والسياسيون إلى أن البحث عن إجماع من داخل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التي توصف بالبيروقراطية وبآليات اتخاذ قرار معقّدة، "لم يعد أمرا مُجديا أو واقعيا". ويضيف نونليست بشكل حازم أنه "ليس هناك أدنى شك أن هذا من أكبر ما أنجز في ظل رئاسة سويسرا لهذه المنظمة، بالتعاون الوثيق مع ألمانيا".

وبالفعل، كان دور بوركهالتر "رئيسيا" في الحصول على الضوء الأخضر من الرئيس الروسي بوتين لتأمين عمل بعثة مراقبة المنظمة في أوكرانيا، وفق نونليست.

لكن يبقى التساؤل قائما حول ما إذا ما كانت مهمّة البعثة ناجحة أم لا؟ وهل بالإمكان تعزيز الهدنة التي تم التوصل إليها في شهر سبتمبر الماضي بين أوكرانيا والمتمردين في شرق البلاد؟ غير أنه لا مجال لإلقاء اللوم على سويسرا "بل على العكس، فقد نجح بوركهالتر في الحفاظ على قنوات الإتصال مفتوحة مع موسكو"، بحسب نونليست.

في المقابل، تُلفت الإشتراكية مارغريت كينير نيلّن إلى أن جهود السلام، ولا سيما تنفيذ الهدنة، "عادة ما تأخذ وقتا طويلا كي تُصبح فعّالة وحقيقية".

عقوبات 

فيما يتعلق بالاتهامات الموجّهة بانتظام إلى "بعثة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى أوكرانيا"، تُشير كينير نيلّن وزميلها النائب البرلماني أندرياس آيبي إلى أن ذلك "يمثّل جزءً من الحرب الدعائية".

ويقول أندرياس آيبي، الخبير في مجال السياسات الخارجية والعضو في حزب الشعب السويسري (يمين شعبوي): "لا يمكن أن يكون الوضع خطيرا جدا مادامت الإنتقادات تصدر عن كل الأطراف: روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة".

في هذا الصدد، اعتبرت كينر نيلّن أن حفاظ سويسرا على "شعرة معاوية" مع موسكو عندما شرع الغرب في فرض عقوبات اقتصادية عليها كان "خطوة ذكية"، إلا أنه لا يُوجد اتفاق بين البرلمانيّيْن السويسرييْن حول ما إذا كانت هناك حاجة بالفعل إلى الحياد الصارم، وقد وفّر هذا التباين في الآراء للحكومة السويسرية فسحة للمناورة خلال هذا العام. 

فقد أعلنت الحكومة السويسرية مثلا أنها لن تتبع الموقف الذي اتخذه الإتحاد الأوروبي، لكنها ستبذل جهودا لضمان عدم الإخلال بالعقوبات المفروضة من جانب بروكسل من طرفها. 

وضع الأجندة

بالنسبة لرئاسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، حددت سويسرا أولويات المنظمة الإقليمية في البلقان ومناطق القوقاز، وبالتحديد في جورجيا وأرمينيا/ آذريبدجان، فضلا عن الإصلاحات الواجب إدخالها على آليات عمل هذه المنظمة.

عمليا، شهدت بعض هذه الأولويات - وليس كلها - نكسة بسبب الأزمة المستمرة في أوكرانيا، وضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم، والنزاع القائم مع المتمردين في شرق البلاد. ويقول نونليست: "إن سويسرا لا تزال تحاول وضع القضايا الساخنة على الأجندة الدولية بوصفها الرئيسة الحالية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وهي تعد هذا الأمر بعناية فائقة وبتدبير محكم".

ويُضيف: "لقد اختارت وزارة الخارجية قضايا مهمّة وملحة للغاية وذات صلة بالواقع الحالي مثل التهديدات التي تمثلها عودة المقاتلين الجهاديين الغربيين إلى بلدانهم، ومسألة الإختطاف للحصول على فدية، ومكافحة التعذيب، وإدارة الإغاثة في حالة حدوث كوارث".

في سياق مماثل، عبّرت منظمة العفو الدولية عن سرورها بالتزام ديديي بوركهالتر بوعوده خلال فترة رئاسته لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وقالت ألكسندرا كارلي، الناطقة باسم العفو الدولية: "نحن نقدّر عاليا دفاعه المستميت من أجل حقوق الإنسان ومن أجل إلغاء عقوبة الإعدام في جميع انحاء العالم".

الآن، أصبح الرئيس الأمريكي باراك أوباما، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على وعي بالدور الهام لهذه المنظمة

كريستيان نونليست، مركز الدراسات الأمنية بالمعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ

نهاية الإقتباس

ما الذي تبقى؟

بالنسبة للخبير الأمني نونليست، تميّز العامان اللذان تولّت فيهما سويسرا رئاسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ( الأولى في عام 1996 والثانية في عام 2014) بنجاح باهر، ويعود ذلك على الأقل إلى مثابرة الفريق العامل في وزارة الخارجية، وإلى الإعداد الجيّد، وإلى توفّر الموارد الكافية.

ويضيف نونليست: "لقد تميزت السنتان بأحداث غير متوقعة – تنفيذ اتفاق دايتون للسلام في البوسنة والهرسك سنة 1996، وأزمة أوكرانيا في عام 2014 - وفي الحالتيْن أثبتت سويسرا أنها قادرة على إدارة مثل هذه القضايا الصعبة".

وبغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، فقد نوّه البرلمانيون الفدراليون بالدور الذي لعبه بوركهالتر بوصفه رئيسا لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وما يعنيه ذلك بالنسبة لسويسرا. وتقول الإشتراكية كينير نيلّن، وهي واحدة من الأعضاء الست في الوفد البرلماني السويسري ضمن هذه المنظمة: "لقد كان بوركهالتر ملتزما جدا وتميّز بالمصداقية أثناء قيامه بدوره".

ومن جهته، يُضيف آيبي، المتحدّث بإسم الوفد البرلماني السويسري: "لقد كان مثل الفائز في اليانصيب".

اجتماع وزاري في بازل

من المقرر أن يجتمع في مدينة بازل شمال سويسرا في وقت لاحق من هذا الأسبوع وزراء خارجية الدول السبع والخمسين الأعضاء في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة وألمانيا، فضلا عن 11 دولة شريكة.

يمثل هذا الإجتماع الذي يستمر يوميْن نهاية الفترة الرئاسية السويسرية التي تواصلت طيلة عام 2014 لأكبر منظمة أمنية في العالم.

في بازل، سيُناقش حوالي 1200 شخص، وهم المندوبون الذين تتشكل منهم الوفود المشاركة، مجموعة من القضايا المطروحة حاليا على الساحة الدولية بالإضافة إلى حزمة من الإصلاحات الداخلية للمنظمة الإقليمية.

في عام 2015، من المنتظر أن تتولى صربيا رئاسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى جانب كل من سويسرا وألمانيا، الرئيسيْن المشاركيْن.

هذه هي المرة الثانية منذ عام 1996 التي تتولى فيها سويسرا الرئاسة الدورية لمنظمة الامن والتعاون في أوروبا التي أنشأت في عام 1973 كمنصة للحوار بين العالم الغربي والكتلة الشيوعية في فترة الحرب الباردة.

نهاية الإطار التوضيحي

فرصة ذهبية 

يرى آيبي، وبالتحديد في أزمة أوكرانيا، فرصة ذهبية لبلد مُحايد مثل سويسرا نظرا لاشتهارها بلعب دور الوسيط المستقل، ولأنها ليست عضوا في الإتحاد الأوروبي، ولا في منظمة حلف شمال الأطلسي العسكرية (الناتو).

ويضيف لوتسي شتام، زميل آيبي في حزب الشعب السويسري، المعروف بانتقاداته اللاذعة للإتحاد الاوروبي: "لقد قام بوركهالتر بعمل ممتاز، وكان يجتهد من وراء الكواليس".

من جهته، أشار مارتين نايف، النائب الممثل للحزب الاشتراكي في لجنة العلاقات الخارجية، والرئيس المشارك لمجموعة الضغط المؤيدة لأوروبا، إلى ثناء أطراف خارجية (وخاصة ألمانيا) على الدور السويسري. وقال: "إن كبار الشخصيات في الحكومة الألمانية أثنوا على الدور الذي قامت به الرئاسة السويسرية في منظمة الامن والتعاون هذا العام".

المردود السياسي

هناك اتفاق عام بين الطبقة السياسية على أن سويسرا قد تمكنت من الإستفادة من موقعها على رأس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في تعزيز علاقاتها الثنائية مع كل من روسيا وصربيا، وفي إعادة تأكيد دورها كوسيط مُحايد وتقديم خدمات جيّدة لجميع الاطراف.

وبينما يأمل آيبي في أن يؤدي تولي سويسرا لرئاسة المنظمة إلى "تفهّم أكبر" في المفاوضات مع الإتحاد الأوروبي بشأن حرية تنقل الأشخاص المثيرة للجدل، ترى كينر نيلّن وجود مزايا وإيجابيات تتجاوز المجال السياسي، وتقول "إنه يُرجّح أن تكون هناك أيضا فوائد للشركات السويسرية". 

وفي مستهلّ العام الجاري، قالت وزارة الخارجية السويسرية إن رئاسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا "ستمثّل فرصة ذهبية للدبلوماسيين الشبان لاكتساب الخبرة الدولية في مجال الوساطة". وفي هذا الصدد، اعتبر شتام أن الأموال التي وافق البرلمان على صرفها لرئاسة منظمة الأمن والتعاون قد أنفقت بشكل جيّد "مقارنة بالمليارات من الفرنكات التي أنفقت هدرا في أوجه أخرى"، على حد قوله.

ووفقا للبرلمانية كينير نيلّين فإن التقدير النهائي لإنجازات سويسرا لا يُمكن أن يتجلى بالكامل إلا في نهاية العام المقبل، مشيرة إلى أن "الرئاسة السويسرية وضعت عددا من المشاريع يتوجّب على صربيا العمل على تحقيقها خلال رئاستها في عام 2015". 


(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch

×